Archived: باسل العودات: اللائحة الانتقائية للإرهاب

باسل العودات: المدن

اتّفق وزراء خارجية 17 دولة في مؤتمر فيينا الثاني الذي عُقد في 30 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي على مجموعة من القضايا لإيجاد حل سياسي يُنقذ ما تبقّى مما يمكن إنقاذه، ومن أبرز هذه القضايا ما جاء بالبند السادس الذي ينص على “موافقة جميع الدول المشاركة على ضرورة إلحاق الهزيمة بـ (داعش) وكافة الجماعات الإرهابية المصنفة من قبل مجلس الأمن الدولي”.

كشف الروس أن المطلوب هو “إلحاق الهزيمة” بكل التنظيمات الإرهابية، سواء المدرجة في قوائم مجلس الأمن أم غير المدرجة، وباشروا العمل سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً لوضع قائمة موحدة للتنظيمات “الإرهابية” وأخرى للتنظيمات “الشرعية” ليقنعوا المجتمع الدولي بها، وأكّدوا أن الاجتماع المقبل في فيينا سيكون محطة مفصلية لتحديد لائحة موحدة للمنظمات الإرهابية في سورية.

لم يجد الروس بين مئات كتائب المعارضة السورية المسلحة إلا 40 كتيبة (معتدلة) أعلنوا أنها يمكن أن تُشارك في التسوية السياسية، وجهّزوا لائحة أخرى للجماعات للإرهاب لن يُعلنوها إلا في فيينا الثالث، وبالمقابل لم تُعلن أي دولة أخرى عن قوائمها لمواجهة القائمة الروسية.

قبيل فيينا الثالث الذي سيُعقد السبت قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن محادثاته ستركّز على تصنيف جماعات المعارضة السورية بدلاً من بحث استبدال الأسد، كما أدلى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بدلوه واشترط أن يُحدد المشاركون أولاً وقبل أي شيء الجماعات الإرهابية في سورية.

كذلك تسرّبت بالأمس مسودة مشروع روسي هدفه جس النبض تتحدث عن “إصلاح دستوري” وانتخابات لكنها ربطت كل شيء بإقرار مجلس الأمن اعتبار تنظيم الدولة الإسلامية تنظيماً إرهابياً والاتفاق على قائمة إضافية للجماعات الإرهابية، أي ربطت “الإصلاح” الذي تريد بإقرار لائحة موحدة للمنظمات الإرهابية في سورية.

لاشك أن الإرهاب ضرب سورية، وقتل الشعب ودمّر ماضيه ومستقبله بعد أن دمّر حاضره، وبات مطلب القضاء عليه بالتأكيد هو مطلب لكل سوري دون استثناء، لكن المشكلة أن روسيا تسعى لإقناع المجتمع الدولي بلوائحها الخاصة بالمنظمات الإرهابية، التي تشمل في غالبيتها كل من حمل السلاح ضد ظُلم وجور وإجرام وطائفية النظام، وليس لديها معيار آخر سوى ذلك، وهي عملياً تقوم بتقديم نفس لوائح النظام، ونفس التصنفيات التي تلقى تهليلاً من إيران.

يتفق السوريون والمجتمع الدولي على تصنيف تنظيم الدولة الإسلامية كتنظيم إرهابي، ويتفق بعضهم على تصنيف جبهة النصرة، وما عدا ذلك لا يتفقون على شيء، وكلٌ يُقدّم حججه لإدانة هذا التنظيم أو ذاك أو للدفاع عنه، لكن لابد من التذكير قبل وضع اللوائح بأنه وفق منظمات مختصة قتل النظام السوري 96% من الضحايا المدنيين فيما قتلت بقية التشكيلات، بما فيها تنظيم الدولة الإسلامية 4%، وهذه النسبة تنسحب أيضاً على الضحايا الأطفال والنساء والقتلى تحت التعذيب.

يمكن الجزم، بأن السوريين سيؤيدون كل المساعي الروسية والدولية وحتى الإيرانية لوضع “لائحة موحدة للمنظمات الإرهابية في سورية”، وسيكون لروسيا ما ترغب وتسعى له، فقط في حالة واحدة، أن تكون هذه اللائحة “كاملة ومكتملة”.

في الغالب، ستقبل المعارضة السورية أن يكون عنوان المرحلة الحالية والمقبلة “محاربة الإرهاب”، وسيقبلون بلوائح موسكو لتصنيف الإرهاب، فقط إن شملت هذه “اللوائح الموحدة” رجال النظام الذين أعطوا أوامر مباشرة لارتكاب مجازر ضد السوريين موصوفة وموثقة، ومن أعطى أوامر استخدام البراميل والطيران الحربي والسلاح الكيماوي، وإن شملت كل ميليشات النظام التي يؤكدون على أنها لم توفّر فرصة للنهب أو الاختطاف أو القتل والتدمير وارتكاب المجازر بحق المدنيين إلا وانتهزتها، ويشيرون على سبيل المثال لا الحصر ميليشيات الدفاع الوطني ولواء درع الساحل وكتائب البعث واللجان الشعبية وصقور الصحراء ونسور زوبعة الحزب السوري القومي الاجتماعي وجمعية البستان وحركة تحرير اسكندرون وحزب الله السوري وسرايا الغالبون وغيرها الكثير. سيقبل السوريون المعارضون لوائح موسكو إن شملت كذلك الجماعات العراقية الإرهابية التي تُقاتل منذ ثلاثة سنوات إلى جانب النظام، ووثقوا ارتكابها بارتكاب مجازر موثقة ضد السوريين الذين استضافوا في بيوتهم مليوني عراقي لسنوات طويلة، وعلى رأسهم لواء أبو الفضل العباس ولواء فاطميون وزينبيون وألوية ذو القفار والحسين المجتبى وأسد الله وجيش المهدي وحزب الله العراقي والكثير من الألوية الأخرى ذات الطابع الطائفي. سيقبل السوريون دون ريب هذه اللوائح الروسية للإرهاب إن شملت أيضاً الميليشيات الفلسطينية التي رصدوها تقتل دون رحمة السوريين الذين استضافوا نصف مليون فلسطيني وعاملوهم كمواطنين وجعلوهم جزءاً أساسياً من تركيبتهم السكانية، ومن أبرزها ميليشيات الجبهة الشعبية لصاحبها أحمد جبريل ومعها ميليشيات لواء القدس وقوات الصاعقة وجيش التحرير الفلسطيني وقوات الجليل وحركة فلسطين حرة وغيرها الكثير. ومن البديهي أن يشترط السوريون أن توضع على رأس تلك اللوائح الميليشيات الإيرانية وأذرعها اللبنانية التي يصفوها بالغازية والتي تسابقت مع النظام أيهم يقتل أكثر دون تمييز بين مدني ومُسلّح، ولم يكن السوريون بحاجة لكثير عناء ليوثقوا مجازرها لأن هذه الميليشيات تباهت بها علناً، وعلى رأسها (ميليشيات) الحرس الثوري الإيراني الموجودة في سورية وحزب الله اللبناني المتفرع عنها. وفي الغالب سيطالب كثيرون بأن تضم هذه اللوائح وحدات حماية الشعب الكردية التي اتُهمت بارتكاب “جرائم حرب” وأفرغت شحناتها القومية المتعصبة رصاصاً في قلب أشقائهم السوريين، ومعهم مقاتلو جبال قنديل، وكذلك مكتب الحماية السرياني الذي واجه اتهامات من السوريين العرب والآشورييين بأنه ساند تلك الوحدات في مهماتها، ولم ينظر للعملية إلا من منظور طائفي. يملك السوريون كل الحق أن يطلبوا أن تشمل “اللوائح الموحدة للإرهاب” كل تلك الجهات والتنظيمات والميليشيات المذكورة، لأنهم يملكون ما لا يُحصى من الوثائق والوقائع والشهادات التي تُثبت إرهابهم، مع ملاحظة أن العديد من رجال تلك المنظمات والميليشيات مُدرج أصلاً ضمن لوائح الإرهاب الأمريكية والأوربية، ودون لوائح (كاملة ومكتملة) للإرهاب فإن السوريين سيستمرون في ثورتهم (أو كفاحهم أو حربهم) ضد النظام وضد روسيا وضد كل لوائحها الخلّبية.