on
Archived: د. محمد حسام الحافظ: جنيف وفيينا… ونحن
د. محمد حسام الحافظ: التجمع الوطني
تدل تحضيرات اجتماعات فيينا القادمة على انقلابات محتملة على الأسس القانونية والسياسية لبيان جنيف 1 ونزول خطير عن الحد الأدنى المقبول لدى الشعب السوري الذي دفع الغالي والرخيص ليصل إلى هذه اللحظة… ولنرجع قليلاً إلى جنيف وما تضمنه لنعرف أين نحن منه الآن:
لم يكن بيان جنيف 1 نفسه أفضل ما يمكن لسورية ولثورة شعبها لحظة صدوره، لكنه مثًل الخطة الوحيدة التي حظيت بتأييد دولي وقبول داخلي. ومن الواضح اليوم أن التغييرات الكثيرة في المشهد السياسي والعسكري سورياً واقليمياً ودولياً بما في ذلك الغزو الروسي البغيض تدفع كثيراً من الفرقاء الى تجاوز مجموعة من المبادىء الأساسية في جنيف 1.
بلغة مبسطة يقوم بيان جنيف على مجموعة من المبادىء؛ أساسها الاعتراف بأنه لا مناص من تغيير الحكم الحالي في سورية . وبناء على هذا الأساس تضمن البيان مبادئ وخطوط توجيهية للقيام بعملية انتقالية سياسية تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري. كما تضمن مجموعة من الاجراءات لعملية سياسية تفضي الى عملية انتقالية في سورية من الحكم الحالي الى حكم جديد. وأوضح البيان آليات العمل في المرحلة الانتقالية التي ستقودها هيئة حكم انتقالية تمتلك كامل السلطات التنفيذية باستطاعتها تهيئة بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية. ولم يغفل البيان كيفية تشكيل تلك الهيئة فتحدث عن امكانية ضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى؛ على أن يتم تشكيلها على أساس الموافقة المتبادلة، مما يعني أن لا مكان للأسد وشركاؤه في تلك الهيئة الحاكمة التي ستمثل السلطة الجديدة في سورية خلال المرحلة الانتقالية وستحل محل الهيئات التنفيذية في الحكم بما في ذلك موقع رئيس الجمهورية. ومن نافل القول بالمقابل أن عدداً كبيراً من شخصيات المعارضة السياسية والعسكرية قد لا يكون لهم مكان في تلك الهيئة في مرحلتها الأولى وخلال المرحلة الانتقالية.
وفي مرحلة لاحقة تم الارتقاء ببيان جنيف 1 ليصبح جزءاً عضوياً من قرار مجلس الأمن رقم 2118 تاريخ 27 ايلول لعام 2013 الذي أكد بشكل قاطع أن الخطوات التنفيذية لحل القضية السورية سياسياً تبدأ بتأسيس هيئة الحكم الانتقالية. مع التذكير أن تأهيل مضمون الحل السياسي ورفعه من بيان ختامي صادر عن مجموعة العمل من أجل سوريا الى قرار لمجلس الأمن لم يكن بلا مقابل بل كان الدافع له مئات الآلاف من الشهداء كان آخرهم آنذاك شهداء مجزرة السلاح الكيماوي الذي يبدو أن نظام الأسد قد تجاوز فيها جرعة القتل المسموحة سواء من حيث العدد أو وسائله.
نعم، لم يتضمن بيان جنيف عن عمد تصوراً متكاملاً لتفاصيل العملية الانتقالية ولا لآليات الحوار والعدالة الانتقالية لكنه كان واضحاً في تحديده لمفهوم الانتقال السياسي بعيدا عن السلطة الحالية بعد أن فقدت شرعيتها وسببت بكل تلك الدماء والدمار والتشريد. ويمكن القول بكل ثقة أن قبول الشعب السوري ونخبه السياسية لجنيف 1 كان ومازال مرتبطاً بما تضمنه من مفهوم وآليات للانتقال السياسي. ومع التذكير بأن هذا الحد الأدنى كان أساس قبولنا الذهاب الى مفاوضات جنيف 2 التي لم تفضي الا الى ما كان متوقعاً منها وبخاصة أن الدول التي يمكنها تغيير قرار النظام لم تكن منخرطة في المفاوضات أو لم تر أن الوقت قد حان “للتنازل” بعد.
وبمقارنة سريعة بين ما ذكرناه من أسس بيان جنيف مع ما يتم طرحه من قبل بعض الفاعلين على الساحة السورية نجد أن البعض أصبح يتحدث “عن اصلاحات دستورية” بدل الحديث عن الانتقال السياسي، مما يعني الغاء المرحلة الانتقالية من الحل المزمع. فتلك المرحلة لن تكون ذات محل في وجود الاسد في سلم الحكم بأي صفة كانت؛ سواء خلال فترة الاصلاح المزعومة أو ما بعدها وسواء انتهت بانتخابات رئاسية مع السماح للطاغية بترشيح نفسه أو أحد أركان طغيانه أو لم تسمح… فالحال سواء. ولأن السماح بوجود الطاغية في فترة التغيير تعني أن الثورة فشلت في فرض الانتقال السياسي وأن التغيير المنشود سيجري بمعية وبأوامر الطاغية وهذا الأمر بحد ذاته خيانة وازدراء لدماء مئات الآلاف من السوريين.
ومع أن مجرد طرح نهاية فترة بشار الاسد ومصيره للنقاش هو أمر جديد وقد يحمل بذور نهاية الفصل الحالي من المأساة السورية إلا أن هذا الأمر بعيون الثورة السورية أمر هزيل جداً أتى متأخرا جدا أيضاً.
وفي حين أننا قد لا نستغرب أن يطرح الروس مبادرات تجمل موقفهم وتحفظ ماء وجههم فإن المستغرب هو ما نشهده من تسريبات لمواقف دول نحسبها صديقة أو شقيقة للشعب السوري وثورته وبخاصة اذا ما تم ربط هذه المواقف بالتهميش المستمر لقوى الثورة والمعارضة في جميع المباحثات السياسية المتعلقة بسورية، الأمر الذي يضيف كثيراً من اشارات الاستفهام حول خارطة المواقف المتغيرة يومياً لتلك الدول.
وفي حين أنه لا يمكن النظر بارتياح لتهميش القوى الثورية في مفاصل سياسية ودبلوماسية مصيرية مهما كانت الذرائع ، يقول لنا الأصدقاء أن المعارضة السورية قد فشلت في جميع اختبارات الكفاءة والقدرة على القيادة والتمثيل الى درجة أنها قد عزلت نفسها بنفسها. وهي لم تفشل أن تطرح نفسها بديلاً لحكم العصابة الحاكمة في دمشق فحسب بل قدمت مجموعة من النماذج شديدة السوء في التعامل البيني السوري السوري والخارجي مع القوى الدولية الداعمة بحيث كان أحد أسباب تراجع واضعاف القوى الداخلية في منظومات الدول الداعمة التي كانت ترى في اسقاط النظام السوري المجرم أولوية أخلاقية وواقعية ومصلحية بآن معاً. ويكفي أن نعلم أن معظم طاقة هؤلاء تستعمل في الصراع الداخلي والبيني وأقل القليل يذهب الى الهدف الأساسي من تأسيس تلك الهياكل المعارضة وهي وقف جرائم النظام وتشكيل بديل حقيقي له مقبول محلياً ودوليا بكافة الوسائل المتاحة بما في ذلك الآليات السياسية والدبلوماسية. ويضيف هؤلاء أن نظرة سريعة للخطوط البيانية التي تؤشر للرأي العام وتروج تأييد الثورة السورية في دول تصنف صديقة للشعب السوري وثورته تعطينا فكرة حقيقية عن أن عدم القدرة على الخروج بأي مبادرات عملية أدى الى تبديد الفرص والفشل في تحمل المسؤوليات.
وفي حين أن هذا القول قد لا يكون مبالغاً فيه وبخاصة أن معظم الشعب السوري الثائر يشاركهم على الأقل في جزء من هذه الرؤية فإنه قول يصر على رؤية المشكلة لكنه يرفض بالمقابل رؤية المشهد بالكامل. فقوى الشعب السوري الحي وقوى ثورته المستمرة متنوعة وخلاقة ولا يمكن حصرها أبداً ببعض من متصدري المشهد الحاليين.
وفي أحد أكثر المنعطفات دقة لا بد لأبناء الثورة من اظهار شجاعة استثنائية؛ لأننا اليوم بحاجة ماسة الى:
التمسك الواعي بأهداف الثورة وتمثل مبادئها في احداث التغيير السياسي والقانوني وفي التخلص من ربقة استعباد الأسد ومحازبيه وداعميه.
التكتل والتجمع لقوى الثورة والمعارضة والترفع عن صغائر الأمور والابتعاد عن الاستبعاد والتهميش.
نكران الذات والمشاركة في تأسيس هياكل وتنظيمات تتجاوز تلك التي سادت خلال الفترة الماضية…تنظيم يناسب المرحلة الحالية التي تحتاج الى كثير من والرشاقة والمبادرة في العمل السياسي والدبلوماسي والى مقاربات أكثر احترافية مع الجميع بما فيهم الحلفاء والأصدقاء.
لن يرحم التاريخ ولن يرحم الشعب مجرماً كانت أولى موبقاته التمسك الأعمى بالكرسي، وفي ذات الوقت لن يرحم الشعب من يتمسك اليوم بصلف وكبرياء فارغ بكرسيه المفترض أو المتوهم في الثورة، فهي قد أمست – فيما أزعم – مركباً لا كرسيَّ فيه لأحد.
اقرأ:
د.محمد حسام الحافظ: بين القاهرة وأوسلو