on
Archived: سلام كواكبي: تبييض الأموال وتبييض الوجوه
سلام كواكبي: هنا صوتك
قامت منظمة خيرية فرنسية تعنى بالشأن السوري الإنساني ومقرّها باريس، بدعوة باحثة بلجيكية في العلوم الاجتماعية، متخصصة بالمسألة السورية، للمشاركة في ندوة عامة في باريس. وقامت هذه المنظمة المسجلة رسمياً كمنظمة غير حكومية في إطار القانون الفرنسي الناظم للعمل المدني والشهير بقانون 1901 (سنة إقراره)، بتعويض الباحثة المدعوة بقيمة تذكرة القطار الذي استقلته من مدينة بروكسل إلى مدينة باريس. قيمة التذكرة لا تتعدى 130 يورو، وكما جرت العادة، يتم تحويل هذا المبلغ إلى الحساب المصرفي للشخص المعني. حتى الآن، القصة عادية ولا غرابة في تفاصيلها مبدئياً فلماذا التوقف عندها ؟
لقد قام المصرف “الشهير” بوقف تسديد المبلغ. وقام أحد موظفيه المكلفين بمتابعة هذا الأمر الجلل بالاتصال بالباحثة طالباً منها تفاصيل أكثر عن سبب هذا التحويل “المشبوه”. وسبب هذه الإجراءات، كما صرّح بها المصرف جهاراً، أن اسم المنظمة يحمل كلمة مخيفة وبمجرد ورودها في التعاملات المصرفية أو غيرها، فستتنبه كل أجهزة الرقابة الحذرة والمتيّقظة وستصرخ أجهزة الإنذار المبكر والمتأخر لافتةً الانتباه إلى المصيبة الكبرى. ما هي هذه الكلمة إذاً ؟ إنها سوريا !
كان إذا على السيدة الصديقة للهم السوري والمصدومة بهذا السؤال، أن تشرح للبيروقراطية الأمنوـ مصرفية، طبيعة النشاط، وطبيعة المنظمة، وترسل الوثائق اللازمة التي تثبت أن هذه المنظمة الخيرية مسجلة بشكل شفاف وواضح، وبأنها تخضع للقانون الفرنسي العتيد. فكل ما يتعلّق بسوريا وبالشأن السوري أضحى مصدر شبهة ويمكن له أن يُشعل الضوء الأحمر على شاشات الجهات المعنية وخصوصاً التي تتعامل بالمال. فالسعي واضحٌ أنه حثيث لرقابة تمويل الإرهاب ومنع تبييض الأموال، أو هذا ما يتم الادّعاء به على الأقل.
لأن الحقيقة تقول بأن الإرهاب القائم على قدم وساق، من قبل الدواعش والسلطات المختصة، يحصل على التمويل الكافي والوافي من مصادر متعددة يمكن لبعضها الأغلب أن يعبر في الحسابات المصرفية دون أن يثير الانتباه إلى مصدره ومآله. فالإرهابيون من سلطات مستبدة ومن مجموعات متطرفة، يعرفون من أين تؤكل الكتف، ولا يعتمدون تحويلات مصرفية واضحة المقصد وبمبالغ زهيدة. إن هذا الرُهاب المُصطنع من الإرهاب أصبح متعلقاً بمجرد لفظ عبارة سوريا. وبمجرد ورود اسم سوريا الجميل في عنوان أية منظمة فرنسية أو واق واقية، فسيعمد المصرف المختص، إلى توقيف المبالغ ريثما يتأكد من كل تفاصيل العملية.
وكنتيجة لهذا التمييز السلبي، كثيرة هي الجمعيات والمنظمات العاملة والناشطة في مختلف القطاعات المرتبطة بالشأن السوري التي اختارت أن تزيل هذا الاسم / الشبهة من عناوينها لتنام قريرة العين أثناء العمليات المصرفية على الأقل.
ورغم كل النشاطات السياسية والنضالية لمجموعات تحمل الهم السوري العام، فما زال الشأن الإنساني يُعتبر من ثانويات مواطن اهتماماتها. فلا نراها تضغط، من خلال بياناتها اليومية والتحليلية للسياسات الدولية والمناخية، أو من خلال مقابلاتها “الدبلوماسية” مع “أصدقاء الشعب السوري”، باتجاه رفع هذا الحظر غير المبرر، بل والمُسيء لكل شبكات المساعدات الانسانية والتربوية والتنموية الموجّهة لملايين من السوريين اللاجئين أو المهجّرين داخل البلاد المنكوبة.
تغيير الأسماء يجدي مرحلياً لتجاوز “غباء” النظام المصرفي العالمي، ولكن المسألة أعمق وأشد خطورة. فمن المؤكّد بأن التشدد المعتمد لا يستند إلى جهلٍ مُعمّم بالتفاصيل. ومن المؤكد بأن القائمين على هذه الأنظمة “الخنفشارية” عالمين بأن عملية تبييض أموال المخدرات والاتجار بالبشر وبالأسلحة، قائمة على أقدام وسيقان غض النظر، لأنها تتعلق بمبالغ طائلة تستحق العناء المتأتي من عماء البصر والبصيرة.
اهتمت وسائل الإعلام البلجيكية بحادثة السيدة لأنها قامت بالإبلاغ عن هذا التعامل المخجل لمصرفها. وقيامها بالإبلاغ كان الهدف منه ليس لفت الانتباه إلى قصة شخصية فحسب، بل كان لفتح هذا الملف أمام الرأي العام والإشارة إلى خطورة هذا التصرف. سيدة بلجيكية تفتح ملف يهمنا نحن السوريون والسوريات ولم يسبق لأحدنا أن طرحه على العامة. كم اشتكينا فيما بيننا وانتقدنا هذه الازدواجية في التعامل دون أن نجرؤ على إدانتها أمام الرأي العام. شكرا للسيدة على كشفها لجزء من عجزنا المستمر.
اقرأ:
سلام كواكبي: بين مجرم حرب وقائد ثوري