Archived: زهير سالم: المجتمعون في فيينا والتبشير بسورية علمانية!!

زهير سالم: مركز الشرق العربي

ما زلنا نخوض بحار الجد في أمر اختلاط الأوراق الدولية والإقليمية فيما صدر عن فيينا والمجتمعين فيها بشأن ما يسمونه ( الحل في سورية ) التي تعيش طوفان الدم بشكل مستدام تحت سمع العالم وبصره على مدى خمس سنوات .
يجب ألا ننسى أنه على مناضد الحوار في فيينا يلتقي فرقاء منهم القتلة والمجرمون الوالغون مباشرة في سفك الدم السوري من روس وإيرانيين ، ومنهم المتواطئون على الجريمة اشتراكا فيها أو صمتا عنها …
إن من أدق ما كتب في المقارنة بين جريمة حرب الإبادة التي جرت في رواندا 1995 بين (الهوتو والتوتسي) والتي راح ضحيتها ثماني مائة ألف إنسان ، وبين ما يجري في سورية أن جريمة رواندا وقعت في زمن قصير نسبيا بالنسبة لما يجري في سورية . في مائة يوم فقط تمت الجريمة في رواندا ، مقابل خمس سنوات من القتل في سورية ولا يريد أن يعمل على وقف الجريمة أحد !!
خرج علينا المترفون الدوليون المجتمعون في فيينا ، والذين يتفكهون بكلمات مخضبة بدماء أطفالنا ، متقاطعة مع أشلاء رجالنا ونسائنا ، بتصور لشكل سورية الجديدة التي زعموا أنهم يدعون إليها ، ويحرصون عليها ، وسيعملون حسب أجندتهم على فرضها على أطراف الصراع ، أو إقناعهم بها . بإعلان عن تمسكهم بدولة ( علمانية ) في سورية ، علمانية في دستورها و في نهجها ..!!
ونحن هنا لسنا لمناقشة حقيقة المقابلة بين (العلمانية – والإسلامية) في بناء الدولة السورية ، فهذه القضية تبقى فرعية في سياق ما نحن فيه من المشروع الوطني السوري في ( التأسيس للمجتمع المدني ) وبناء ( الدولة الحديثة ) ، بل وصدقية المجتمعين في فيينا وجديتهم .
وحسم هذه القضية يبقى حق من الحقوق الديمقراطية السيادية للشعب السوري ، والمجتمع السوري الذي يملك وحده الحق في تقرير دستوره ونهجه وهوية دولته . يثير سخريتك ديمقراطيون مثل بوتين ولافروف وروحاني وعبد اللهيان وهم يتمسكون فيما يزعمون بحق الشعب السوري في اختيار ( شخص ) رئيسه ، وهم يصادرون عليه الحق في اختيار هوية دولته ، ونصوص دستوره ..
وتبقى المشكلة الحقيقية التي تواجهنا في سورية وفي كثير من دول العالم العربي بشكل خاص ، مع الأسف ، هو المقابلة العملية الجادة بين حكم (الدولة المؤسسة ) وبين الحكم ( الأوليغاريشي ) حكم ( الفئة ) أو (الزمرة ) أو (العصابة ) ..
ونعتقد أن العقبة الكأداء الحقيقية التي تواجه مستقبل سورية اليوم هي هل تكون في سورية دولة أو لا تكون ؟! هل ينجح السوريون في بناء دولة ( أي دولة !! ) على أساس عقد اجتماعي جديد ، وإرادة مجتمعية حرة ، أو يردهم مشروع المجتمعون في فيينا إلى سيطرة ( الزمرة ) أو (العصابة ) ،التي ما زالت تحكم سورية منذ انقلاب الثامن من آذار 1963 ..؟!
فمنذ الثامن من آذار 1963 بقي ظلُّ الدولة السورية التي بناها السوريون بعد الاستقلال ، يتقلص وظلّ نظام الزمرة ( زمرة الاستبداد والفساد ) يتمدد حتى لم يبق من حقيقة الدولة بالمعنى السياسي للكلمة في سورية أي معلم للدولة ذي دلالة .
إن ( سيادة القانون ) ومرة أخرى نؤكد ( أي قانون ) بغض النظر عن صفته ومضمونه هي حجر( سنمار ) في بناء أي دولة . وهذا الحجر قد تم سحبه من هيكل الدولة السورية منذ داسته قدم العسكري الهمجية مع انقلاب الثالثة والستين . إرادة الفرد . مصلحة الفرد . بل مزاج الفرد من القائد الفريق إلى القائد المخبر أو العريف هو تجسيد السلطة التي حكمت سورية ، والتي ثار عليها الشعب السوري ، والتي يشفعون اليوم فيها لتعود
إن السرّ المتمم لسيادة القانون في بناء الدولة هو (الإرادة الوطنية الحرة) التي تتوافق على العقد الاجتماعي المنشود … أفلا يعتقد المجتمعون في فيينا والحاطبون في حبالهم أن اشتراط ( العلمانية ) في صيغة الدولة هو مصادرة على المطلوب الأساسي في بناء دولة ، وقطع للطريق على الإرادة الحرة للمواطنين السوريين .. أن تعبر عن نفسها بشرط الحرية الذي هو شرط وركن في بناء أيّ دولة حديثة تنتمي للعصر الذي نعيش فيه .
هذا بعض الحوار حول عملية الاستباق الاستبدادي الذي وقع فيه المجتمعون في فيينا باشتراطهم المسبق ( علمانية الدولة السورية ) التي يبشرون بها . إنها عملية إقصاء أو إعدام استباقي بقطع رؤوس عدد غير قليل من السوريين لا يؤمنون بعلمانية الدولة ، على الطريقة الداعشية نفسها ، وبأسلوب لا يقل بشاعة ولا قسوة من طريقة ( جون البريطاني ) نفسه ..
ولكننا ، كما أسلفنا ، لا نريد أن نستجر إلى صراع مبكر حول وصف الدولة قبل التمكن من بنائها. ولن نتنازع على جلد الدب قبل صيده . فالدولة العلمانية على القواعد العلمانية الحقيقية هي أيضا دولة . دولة تحترم الإنسان ، وإرادته ، وتصون حقوقه ، الدولة العلمانية تبني المؤسسة التي تخضع لها . وتقر الدستور الذي تنزل على أحكامه ، وتقر القوانين التي تحكم سلوك العسكريين والمدنيين معا .
ولنعد إلى ما نريد أن نسميه في هذا السياق ( امتحان المصداقية ) أو (امتحان الجدية ) فيما تبشر به ( فيينا ) والمجتمعون فيها ؛ فمن هم أولاء الذين يدعون إلى بناء الدولة العلمانية في سورية العزيزة الحبيبة ..؟!
هل هو الروسي بوتين الذي أصر أن ( يعمّد ) تدخله في سورية في معمودية الكنيسة الأرثوذكسية . وحرص قبل الانغماس في مشروع قتل السوريين أن يرسم على صدور طياريه كما على مجسمات طائراته وعلى كل قذيفة موت يطلقها مجسم ( صليب ) أرثوذكسي بيد ( كلير ) المقدس بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية نفسه ..؟!
هل علمانية بوتين الأرثوذكسية مقترنة بعلمانية وزير خارجيته ( لافروف) الذي ما زال منذ عمر الثورة السورية الوطنية المباركة يدّعي حقوقا زائفة في حماية من يسميهم ( المسيحيين ) تارة ومن يدعوهم ( الأرثوذكس ) أخرى ، هي العلمانية التي يريدونها للشعب السوري اليوم بعد نصف مليون شهيد ؟! هل هي هذه العلمانية الأرثوذكسية الصليبية المنغلقة على ذاتها ، المعادية لمن يخالفها ، وأدواتها في التعبير عن هذا العداء هو القاذفات الحربية وحممها المدمرة ..هل هذه العلمانية التي يبشرنا بها المجتمعون في فيينا من العابثين والمتآمرين ..
أم أن علمانية المجتمعين في فيينا ، والمقترحة على الشعب السوري هي علمانية الولي الفقيه ، ونظام الولاء للمرجعيات والملالي ؟! هل هي علمانية المادة الثانية عشر من الدستور الإيراني : ( الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشري وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير ) …
أم هي علمانية ( لجنة صيانة الدستور ) ، والتفتيش على العقائد والأفكار والأشخاص…
لقد كان لدى السوريين من هذه العلمانية التي يبشر بها المجتمعون في فيينا نسخة أسدية أكثر جلاء وروعة وبهاء مما ابتدع هؤلاء المدعون . وإنه لأمر يثير الازدراء وليس فقط الإشفاق
لقد ثار الشعب السوري لبناء دولة تخصه هو ، دولة تعبر عن إرادة أبنائه ، إرادة مجتمعية حرة تعودت على مر القرون أن تجمع ولا تفرق ، وأن تصون ولا تبدد ، وأن تجعل كرامة الإنسان في صفحة الأولويات سطرا أول ..
لم تتهدد حياة السوريين ، ولم يتنابذوا دينيا أو طائفيا أو عرقيا إلا عندما حكمهم نظام علماني مشوه كالذي يشارك الروسي والإيراني في الدعوة إليه من فيينا اليوم …
( وما كنا غائبين )

اقرأ:

زهير سالم: روسية وإيران وبشار.. تصنيع الخصوم المعارضين بعد تصنيع الأعداء المقاتلين