Archived: النقيب رشيد حوراني: قراءة تحليلية في واقع ريف حمص الشمالي وتحدياته بعد العدوان الروسي

النقيب رشيد حوراني: المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام

تمهيد

تعد الثورة السورية عبارة عن تمرد على سياسة ومنظومة دولية عمرها أكثر من نصف قرن وذلك بإرهاصات ولادة جيش وطني متمثل بالجيش الحر وبقية الفصائل الإسلامية واستحالة تكوين جيش مشرقي كما فعلت فرنسا قبل جلائها، وتمرد على منظومة داخلية عملت على ترسيخ نظام طائفي ضمن المجتمع السوري أوجد التربة الخصبة في نفوس الثائرين للاستمرار في ثورتهم حتى تقويض دعائم هذا النظام ، رغم المحاولات الكثيرة من قبل حلفاء النظام بشكل خاص والمجتمع الدولي بشكل عام التي منيت جميعها بالفشل لوأد الثورة .

وربما يكون التدخل الروسي الفصل قبل الأخير للثورة السورية بعد افتعال مشكلة ملف اللاجئين وفشله  بإجهاض الثورة ،حيث عمل حلفاء النظام على مساندته في مناطق استراتيجية والسيطرة عليها بل والاستماتة من أجلها لضمان استمرار مشروعهم في حال عجزهم عن وأد الثورة ،وليست معارك القصير والقلمون إلا نموذجا ودليلا على ذلك

واليوم وبعد تأكد روسيا من عدم قدرة القوات العسكرية للنظام على الصمود ( لا سيما عدم امتلاكها زمام المبادرة ) حيث بدأت تخسر كثيرا من المناطق الجغرافية ذات التأثير الاستراتيجي – بالرغم من مساندة قوات حزب الله وإيران والميليشيات الشيعية لها  اضطرت روسيا للإعلان عن تدخلها العسكري المباشر تحت ذرائع مختلفة لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة ( ذات الارتباط الوثيق بالنظام ) والتي باتت مهددة أكثر فأكثر مع انهيار الدفاعات العسكرية لها. ويعتبر ريف حمص الشمالي واحدة من أهم المناطق المهمة في ذلك

أولا : أهمية الموقع ودوره في الثورة :

يشن الروس يومياً عشرات الغارات الجوية على أهداف مدنية ومراكز تابعة للجيش الحر على امتداد الجغرافية الثورية، ويركز حالياً على محافظة حمص إذ يعتبر تحقيق الانتصار فيها منطلقاً لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والجغرافية والاقتصادية والديموغرافية المستقبلية لمشروعهم الطائفي، فهم مقتنعون أن سقوطهم على عتباتها يعني انهياراً لعظمة موسكو ونسفاً لمشروع إيران في المنطقة ومنطلقاً لتحرير كامل التراب السوري من نظام  الأسد .

أما أهمية حمص جغرافياً فتكمن في موقعها الذي يعد القلب من سوريا إذ تتوسطها من الشمال والجنوب بعرض 250 كم ومن الغرب والشرق بطول قدره 360 كم وتلتقي مع محافظات حماه والرقة ودير الزور شمالاً ومحافظة ريف دمشق جنوباً وطرطوس غرباً، كما تشترك بالحدود مع لبنان والعراق والأردن، بتضاريس تجمع بين البادية والسهل والجبل.

أما اقتصادياً ومن خلال موقعها الجغرافي تعتبر مركز خطوط الربط السوري ولعل وجود مصفاة حمص يبرر ذلك، كما يوجد في باديتها أهم مخزون للفوسفات المستثمر والغاز  المكتشف، فضلاً عن إمكانية جلب استثمارات للمحافظة في الطاقات البديلة كالطاقة الشمسية والريحية، إضافة إلى أنها تمتلك اكتفاء ذاتي زراعي مميز.

ويعتبر الجانب الديموغرافي من أهم المميزات وأخطرها في محافظة حمص، فشعبها المتميز بالذكاء و الدعابة، نسيج متنوع من المسلمين والمسيحيين بمن فيهم الأكراد والتركمان والشركس والإسماعيلية والمرشدية مع وجود بعض القرى العلوية التي كانت مارقة على هذا النسيج بل وتعمدت أن تمتلك كل مقدرات المحافظة منذ انقلاب حافظ الأسد وتسلمه السلطة، ويذكر الآباء والأجداد طقطوقة كان يرددها العلويين في أعيادهم وحفلاتهم في حمص تدل بشكل قطعي على أنهم لم يكونوا مقتنعين بالعيش المشترك وسط هذا النسيج الاجتماعي الجميل وأنهم يأملون بالسيطرة على حمص وريفها بأي شكل -“قرد بعد عيني الشيخ صالح، قرد حمص صارت ضيعتنا، قرد بكرا بناخذ فيروزة، قرد وفيها مرقد سيدنا …الخ”

كل ذلك يؤكد على الأهمية الاستراتيجية في عملية التخطيط العسكري الروسي الإيراني الأسدي تجاه الضربات الجوية ومحاولات التقدم البري على محاور الريف الشمالي في حمص المحاصر منذ أكثر من عامين، والتي بائت جميعها بالفشل بل وتكبدت بها القوات المرتزقة   الغازية خسائر كبيرة رغم سقوط عشرات الشهداء من المدنيين والأبرياء وارتفاع حجم الدمار الذي يخلفه قصف الطائرات الروسية وصواريخ أرض_أرض والبراميل المتفجرة.

 و يعلم الروس جيداً أن سقوط حمص بأيدي المليشيات الطائفية الشيعية وبقايا قوات نظام الأسد يؤدي إلى ضمان خطوط الاتصال بين حدود لبنان في ريف دمشق إلى اللاذقية مروراً بحمص، كما يؤدي إلى فتح خطوط الاتصال بين حدود العراق وسوريا عبر بادية حمص لطرد تنظيم الدولة ما يقتضي قطع خطوط الدعم الثوري بين شمال سوريا وجنوبها وانهياراً سريعاً للثورة و ورقة رابحة في أي مفاوضات سياسية مرتقبة.

وتحسباً لقيام أعمال من شأنها تقويض مخططاته الطائفية ومشاريعه الاقليمية تبنى نظام الأسد  استراتيجية التوزع الديمغرافي لصالح الطائفة العلوية في حمص وريفها تأكيدا جليا منه بأن حمص ( العاصمة الدينية التي يحلم بها العلويون ) ، ضمن الدولة المستقبلية ،ومركز التحكم بالمحافظات السورية ،عدا ذلك تعتبر نقطة ارتكاز المشاريع الإقليمية والدولية في سورية وأهمها مشروع الهلال الشيعي التي تعمل إيران على تنفيذه كما تعتبرها روسيا صمام الامان للحفاظ على مصالحها الاقتصادية وطوق أمان لقواعدها العسكرية في الساحل السوري .

ومن هنا أصبح من الضروري لكل من هو مرتبط بهذه المشاريع أن يُبقي سيطرته على حمص لأن خروجها عن سيطرة نظام الأسد يعني انهياراً لحكمه وتحطماً لمشارع إيران وروسيا 

مخطط تعداد سكان محافظة حمص بداية العام2011 مع التوزيع الديمغرافي للطوائف.
كلف الباحث وليد فارس أكثر من ستة أشهر من التدقيق والمراجعة والبحث للتوصل إليها, بعد أن غيّب النظام معالم حمص في السنوات الأخيرة.

دور الموقع في الثورة والصراع المستمر( حتى بدء العدوان الروسي ):

– قيام الثورة في حمص وريفها جعل نظام الأسد وحلفائه الإقليميين  يشعرون بخطر الثورة في  حمص  على مشاريعهم من الفشل،

 وبدأت معها أنظار العالم  تتجه الى حمص  فبادر النظام إلى تفعَيل عناصر الديموغرافية الطائفية في حمص والتي عمل عليها منذ فترة طويلة ، من خلال بث الشحن الطائفي ضمن الأحياء والقرى التي تقطن فيها طائفته ، وزرع الفتن ، متخذاً من الأحياء والقرى العلوية  والشيعة مناطق عسكرية تحاصر المناطق  الثائرة وتفصل بينها  وجعلت لهذه  الأحياء والقرى  قيادة من الشبيحة تحت مسمى اللجان الشعبية تنسق فيما بينها لتكون حاضنة شعبية لسلطتها ، وقواعد عسكرية لتمركز شبيحتها بسلاحها الثقيل من أجل قصف الثائرين في حمص وريفها ، ولتكون منطلقا لحملاتها العسكرية لاعتقال وقتل المتظاهرين السلميين وسلب ونهب ممتلكات الثائرين.

– لكن هذا  لم ينل من إرادة الثوار ، فشقَوا طريقهم بالدماء وضحَوا بأرواحهم لكسر الحصار المفروض عليهم

وبدأت معها تنهار قوة العصابات الطائفية وميليشياتها ، وتتهاوى المؤامرات والمخططات التي تحاك ضد الثوار للنيل من صمودهم مما دعا إيران إلى التدخل السريع كي تنقذ مشروعها  الشيعي فأرسلت الميليشيات الايرانية وميليشيا حزب الله الشيعية لإعادة نظام الاسد  إلى قدرته القتالية ورفع روحه المعنوية المنهارة  تحت ضربات الثوار التي أثقلت كاهله وميليشياته .

 وفي الوقت نفسه دخلت الثورة السورية في تجاذبات المصالح الدولية فتآمرت بعض الدول على تضحيات أبناء الثورة وجعلها وسيلة لتحقيق مصالحهم  وتنفيذ أجنداتهم  وبناء مخططاتهم، فقطعت عن حمص الدعم بكل أشكاله وجعلتها خطا أحمرا للداعمين أدت الى سيطرت النظام عليها و خروج مقاتليها  إلى الريف الشمالي وإعادة تجميع قواتهم العسكرية وتنظيمها إلى جانب التشكيلات العسكرية المتواجدة في الريف الشمالي مما جعلها تجمعات عسكرية كبيرة انعكس إيجابا على العمل العسكري باتجاه إعادة تحرير حمص المدينة من النظام وميليشياته الطائفية كون الريف الشمالي لحمص البوابة الوحيدة  لتشكيلات الجيش السوري الحر لتحرير  المدينة ، ويمثل قاعدة الانطلاق لفتح ممر حيوي إلى حي الوعر المحاصر ومنها توسيع الجبهات لتفكيك الأسوار الطائفية التي تحيط بحمص .

 كما يمثل  قاعدة انطلاق لتشكيلات الجيش الحر لفتح ممرات وتقطيع أوصال النظام باتجاه الحولة تؤدي الى فتح ممر حيوي بين المنطقتين ومحاصرة قريتي كفرنان وجبورين المواليتين  لربط الجبهات مع بعضها وصولا الى التحرير الكامل لمدينة حمص .

 مع استمرار الثورة في ريف حمص الشمالي وثبات الثوار وضرباتهم المتكررة والموجعة للنظام وميليشياته ، انهارت قوى الأسد وحلفائه من الميليشيات الطائفية على جبهات ريف حمص الشمالي.

وبالتزامن مع انهيارات العصابة الأسدية وميلشياتها أصبحت لا تطيق مزيدا من الخسارات وبات نظام الأسد وحلفائه في  إيران على قناعة تامة  باستحالة إعادة السيطرة على المناطق المحررة في سورية في ظل تراجع قواتها المنهارة الى المناطق أكثر أهمية الذي تحدث عنها  رأس النظام في خطابه الاخير ومطالبة الموالين من الطائفة العلوية والشيعية بتهجير السنة من هذه المناطق وخصوصا حمص التي تقع ضمنها.

-إن شعور روسيا بالخطر من سقوط  النظام وفقدانه للمناطق سوريا المفيدة ( لهم )التي تقع ضمنها قواعدها العسكرية و مصالحها الاستراتيجية سارعت الى شن العدوان على الجيش الحر وحاضنته الشعبية    في ريف حمص الشمالي وريف حماه والساحل السوري والشمال لإعادة السيطرة عليها وخلق حزام أمني  يضمن بقاء ما اسموه سوريا المفيدة ضمن مناطق نفوذ النظام وبدأت عدوانها العسكري  على الريف الشمالي لحمص الذي يشكل إحدى أهم هذه المناطق

ثانيا : موازين القوى العسكرية على الأرض في المنطقة للنظام وللفصائل الثورية .

واقع ريف حمص الشمالي

في ظل ما سبق وعى الثائرون في ريف حمص الشمالي لما يحاك من مخططات تهدف إلى السيطرة على   المناطق المحررة في حمص حيث يعتبر الريف الشمالي أهمها كونه يمثل بوابة تحرير حمص وهذا ما أحدث لدى  كبرى التشكيلات العسكرية والمنظمة أفكارا وتحركات وضعتهم أمام مسؤولياتهم الثورية وواجباتهم تجاه أهلهم في إفشال مخططات النظام والدول الداعمة له في التصدي للعدوان الروسي الذي أصبح بحكم أمرا واقعا ،

وبدأ النظام وميليشياته بالتحضير للعدوان العسكري بهدف السيطرة على الريف الشمالي لحمص بمساندة القوات الروسية جوا ،وحشدت أرتالها العسكرية وسلاحها الثقيل على جميع جبهات الريف الشمالي وأهمها ( معمل السكر في حمص ، الكلية الحربية في الوعر ، الحازمية والمختارية  على طريق السلمية ، معسكر ملوك  على الجبهة الجنوبية لمدينة تلبيسة ،  قرية الكم الشيعية على جبهة بلدة الغنطو وتلبيسة ، قرى اكراد الداسنية وجبورين وكفرنان من الجهة الغربية للريف الشمالي ، خربة السودة وسنيسل في الجهة الجنوبية الغربية من بلدة الدار الكبيرة )  

 – بادرت التشكيلات الرئيسية القوية  المنظمة في ريف حمص الشمالي  (جبهة النصرة – لواء أسود  السنة – لواء رجال الله – حركة تحرير حمص ، حركة احرار الشام ،  فيلق حمص ،  تجمع ألوية 313، جيش التوحيد)   بالتعاون مع التشكيلات القتالية الاخرى الى رفع الجاهزية القتالية لمقاتليها وتمكين وتحصين الجبهات التي تمت المحافظة عليها وتثبيتها طيلة عامين وذلك بدعم الحاضنة الشعبية للثورة وأهالي المقاتلين بتوزيع المواد الإغاثية والغذائية لهم وتعزيز الخطوط الأمامية للمواجهة وتوزيع الفصائل المقاتلة على الجبهات والاستفادة من الخبرات العسكرية للضباط المنشقين ،وتكثيف الرصد والاستطلاع وجمع المعلومات ، وزيادة الحس الأمني تحسبا لعيون لنظام وتمركز السلاح الثقيل استعدادا لصد العدوان ، فيما قام السكان المدنيين بجهد فردي إلى حفر مخابئ وملاجئ للتحصن بها من غارات الطيران  .

 كما قامت  التشكيلات المقاتلة بالعمل على انشاء غرفة عمليات موحدة ( غرفة عمليات ريف حمص الشمالي – مجموعة التنسيق في حمص – غرفة عمليات الحولة) تضم كافة التشكيلات المقاتلة  في ريف حمص الشمالي لتوحيد الصفوف وتنظيمها وقيادة المعركة  لصد العدوان الروسي الاسدي ، وتم تنظيم العمل لوجستيا وأمنيا وعسكريا فيما بينها ،الذي يمكن أن يكون أحد أسباب صمود الريف الشمالي في وجه هذه الحملة .

الهجمة الشرسة الروسية الأسدية :

بدأ العدوان الروسي على الريف الشمالي في ساعات الصباح الاولى  في 30 /من أيلول/ 2015 م.  بتمهيد جوي غير مسبوق قامت به الطائرات الروسية على كافة مدن وبلدات الريف الشمالي في أولى طلعاتها الجوية مستخدمة في قصفها  القنابل العنقودية والانشطارية والصواريخ الموجهة  والقصف المدفعي والصاروخي بكافة انواع الاسلحة الثقيلة من جميع الجبهات لتتساقط قذائفها على المشافي الميدانية وتجمعات المدنيين والمقرات العسكرية  للجيش السوري الحر.

كان ضمن  تقديرات القيادة العسكرية المشرفة على العدوان  أن يحدث التمهيد الناري الجوي والمدفعي والصاروخي ذات القوة التدميرية الهائلة صدمة للمقاتلين وحاضنتهم الشعبية تؤدي الى انهيار معنوياتهم واحداث حالة من الخوف والإرباك وخسائر كبيرة في صفوف المقاتلين تتيح لقواتها البرية التقدم والسيطرة لكن صمود المقاتلين وتوحدهم وروحهم العالية وتنظيم صفوفهم ،ومساهمة المدنيين لهم في صد العدوان   أدى الى امتصاص الصدمة الأولى  للعدوان واستدعى من القوات المعتدية  تكثيف التمهيد الناري واستمراريته بكافة الاسلحة والطيران  

  بدأت القوات البرية لنظام الأسد والمليشيات الطائفية بمساندة وتمهيد ناري من الطائرات الروسية بمحاولة اقتحامها من الجهة الجنوبية والغربية للريف الشمالي من عدة محاور:  

– محور ( سنيسل – جواليك )والتقدم باتجاه  قرى وبلدات الدار الكبيرة الخاضعة لتشكيلات الجيش .

– محور الحلموز والمشاريع .

– قرية كفرنان وجبورين .

– محور قيادة الفرقة 26  باتجاه بلدات الدار الكبيرة وتير معلة  .

– محور مباشر من معسكر ملوك وباتجاه تلبيسة  ومن محور الكم باتجاه الغنطو .

 – محور من اتجاه حوش حجو باتجاه تلبيسة . 

ويهدف النظام والمليشيات الموالية له من خلال التقدم على هذه المحاور كمرحلة أولى السيطرة على بلدة تيرمعلة بهدف عزل كل من  بلدة الغنطو وتلبيسة ،واتباع سياسة التطويق والاقتحام  كل بلدة على حدى لباقي البلدات كمرحلة ثانية  بالتتالي لكافة مناطق الريف الشمالي .

ومازال المقاتلين يخوضون  معارك شرسة ضد عصابات الاسد على المحاور المذكورة و يتم من خلالها التصدي للعدوان  واستهداف أماكن تمركز المليشيات في القرى العلوية والشيعية المحيطة بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا وكذلك استهداف الأحياء الموالية بحمص بصواريخ الغراد .

أما البيئة الاجتماعية لتلك الميليشيات   تعيش في قرى بعرين والتاعونة وقرمص وقفيلون والحميري وجبورين وأكراد الداسنية وجميعها مؤيدة سكانها من الطائفة النصيرية تعيش حالة من الرعب والخوف والحذر والترقب ونزوح الكثير منهم خوفا من تطور العمليات القتالية وتحقيق الثوار لتقدم باتجاه هذه القرى وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على  انعدام الإرادة والروح المعنوية التي تمكنهم من البقاء .

ورغم المحاولات المستمرة لقوات النظام والقوات الروسية في إحراز تقدم ولو معنوي إلا أن ثبات الثوار واستبسالهم  في الدفاع عن أرضهم حال دون ذلك

وقد ظهرت على القوات المعتدية حالة من اليأس وانخفاض الروح المعنوية بسبب عجزها عن التقدم لكثرة قتلاها الذي يقدر بما يزيد عن 150 ما بين عنصر وضابط ، وتدمير 6دبابات ،واعطاب 3 أخرى ،وتدمير 5 عربات شيلكا ،وأربع رشاشات ثقيلة وتركس وإعطاب قاعدة صواريخ موجه وماتزال المعارك مستمرة.

وقد ظهر الإرباك لدى القوات الروسية في الخسائر التي منيت بها  قواتها المقتحمة من خلال قصفها بالخطأ مواقع النظام على محاور تقدمه في معسكر ملوك وقيادة الفرقة 26 ومعمل السكر وقرية الكم ، أدى الى مقتل العديد من جنود العصابة الاسدية وميليشياتها وفي محاولة منها للانتقام قامت قوات العدوان الروسي  باستقدام وتعزيز محاور تقدمها واستهداف الحاضنة الشعبية بشتى أنواع القصف الجوي والمدفعي والصاروخي والثوار يسطرون ملاحم في التصدي لهم

 وفي ظل العدوان الروسي والهجمة على الريف الشمالي ترخي الحالة المعيشية لمقاتليها ظلالها على المشهد من نقص حاد في المواد الاساسية وفقدان بعض المواد الغذائية وغلاء الاسعار في المحروقات والغذاء  ويشهد الريف الشمالي  حالة نزوح من مناطق القصف في تير معلة والغنطو والدار الكبيرة وتلبيسة الى الرستن والزعفرانة  وديرفول  والمناطق الاخرى(20)

 وهذا كله بالمحصلة يؤثر على الثبات والعمل العسكري . فمن أهم ما سيواجهه الريف الشمالي في الاستمرارالصمود  ودحر العدوان هو الحاجة إلى سد الاحتياج من المقاتلين المرابطين على الجبهات وطبابتهم وتزويدهم بالذخيرة والسلاح النوعي ، وفتح طرق إمداد للمنظمات الإغاثية والطبية والذخيرة والأسلحة للتخفيف من واقع العدوان وثبات المقاتلين على

مؤشرات فشل العدوان :

ثالثا : نتائج العدوان وتوضيح آثار السقوط وكذلك آثار الصمود :

تمتلك روسيا منذ عقود من الزمن على الأراضي السورية ثكنات وقواعد عسكرية ومخازن أسلحة متطورة جعلتها بشكل مخطط لها مسبقا وذلك عن تجارب مسبقة لها في العالم الإسلامي بشكل عام ، وتجربتها في سوريا في أحداث حماة الشهيرة بشكل خاص نذكر منها في حمص

الخطة العسكرية أو المهمة القتالية للروس في سوريا :

يهدف الروس من عملياتهم العسكرية المعلنة تحقيق مكاسب وإنجازات تكتيكية ذات بعد استراتيجي على الأرض ، ضمن فترة زمنية غير مفتوحة مرتبطة بإحراز تقدم عسكري لقوات النظام على الأرض _ وفق ما أعلنه الكرملين بعد بدء العدوان الروسي بأيام ، كما يهدف الروس من وراء العملية العسكرية طرح الحل السياسي، وقد تتبدل حسب تطورات سير الأعمال القتالية وتتمثل بالنسبة لمنطقة الريف الشمالي لحمص بفتح طريق حماة الرستن تلبيسة، وذلك باستعادة المناطق المحررة بدءاً من الرستن وصولاً إلى تلبيسة من أيدي قوات المعارضة”.

 ويفسر هذا الهدف سبب تركيز الغارات الروسية، منذ اليوم الأول، على ريف حمص الشمالي، وتحديداً مدينتي تلبيسة والرستن ومحيطهما، ما يعني فتح الطريق بين حماة وحمص، لرسم “سورية المفيدة” التي تشمل كلاً من دمشق وحمص وحماة والساحل السوري حيث تشكل هذه المنطقة مع محور حماة خط الدفاع الأول عن الدويلة العلوية ، وتستخدم في عملياتها القطعات العسكرية التابعة لها وسبق أن تم ذكرها .

الدعاية الإعلامية الروسية تبرر العدوان وتستعرض قدرة القوات الروسية :

 منذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها الثورة السورية عام 2011 أعلنت روسيا وقوفها بجانب النظام السوري ضد الثورة، وتبنت مواقفه اعلاميا وسياسيا وترجمت هذا بدعم سياسي في المحافل الدولية ودعم عسكري ولوجستي، إلا أن التحول الكبير الذي حدث بدأ المقاتلات الروسية غاراتها على مواقع تنظيم “داعش” حسب   RT/ / في الأراضي السورية بناء على تفويض للرئيس بوتين من مجلس الاتحاد واستنادا إلى طلب من دمشق. وسبق ذلك ورافقه القيام بحملة دعائية روسية استعرضت من خلالها قدرة السلاح الروسي وميزاته والمهمات القتالية التي ينفذها كدعاية للسلاح الروسي من جهة ، وللفت الانتباه على أخلاقيات روسية في محاربة الارهاب ورافق تلك الحملة تصريحات روسية متواترة عن ضرورة أن يكون بشار الأسد ضمن حلف لمقاتلة الإرهاب المتمثل بداعش وأن وجوده ضمانة للقضاء على الارهاب بحسب الرئيس الروسي ،وعندما فشلت العملية العسكرية استمرت في حملتها الدعائية للسلاح الروسي واتجهت باتجاه الدعاية السياسية لما تقوم به من عمليات على الأرض من  خلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو ولقاءه الرئيس الروسي  بوتين فهي تحاول القيام بالدعاية السياسية خاصة بعد انسداد الأفق بتحقيق انتصار ميداني لصالح النظام، وذلك رغم الكثافة في الهجمات الجوية والغارات باستخدام أحدث الصواريخ والطائرات.

نتائج صمود القوى الثورية في وجه العدوان الروسي في ريف حمص الشمالي :

وبناء على ما سبق يمكن القول بفشل العملية العسكرية الروسية على ريف حمص الشمالي وتكبيد القوات المهاجمة خسائر مادية وبشرية لا يمكن لروسيا أن تتحمل المادية منها ، ولم تستطع أن تعيد زمام المبادرة إلى قوات النظام وميليشياته ،  وظهور خلاف بدأ يلوح في الأفق بين روسيا وايران حول سوريا .

السقوط ونتائجه :

توصيات الباحث :

1 – عدم اللجوء لسياسة ( الكمون الاستراتيجي وامتصاص الصدمة ) بل القتال المستميت عن المناطق المستهدفة.

2 – تثبيت الجبهات المستهدفة بجهاز دفاعي محصن ، والتركيز على أعمال الهندسة الميدانية ( خنادق ، ألغام ، تمويه .إلخ) بتعزيز ما هو قائم  .

3- استدراج قوات النظام والقوات الروسية الى جيوب ومناطق قتل على خطوط التماس المباشر للمعركة ، وفتح جبهات أخرى  تقع ضمن مناطق يعتبرها النظام مفيدة  خاصة أن الثوار وقيادهم اعتمدوا في معاركهم الأخيرة مبدأ “نقاتله حيث نريد” الأمر الذي حقق لهم ثباتا منقطع النظير  بسبب سرعة تحركهم وعدم امتلاكهم السلاح الثقيل الذي يعتبر نقله أمرا مجهدا في حرب هي أشبه بحرب العصابات .

4- اختيار أهداف استراتيجية وبالغة الحساسية وتكون هذه المعارك مفاجأة للنظام وغير متوقعة تستطيع قوات الجيش الحر من خلالها  إخراج هذه المناطق  من نفوذ النظام والقوات الروسية  والعمل على قطع طرق إمداد عصابات الاسد الى هذه الجبهات  من خلال ضرب الارتال بالكمائن   أو السيطرة الكاملة على هذه الطرق .

– النتائج المتوقعة من هذه الاستراتيجية :

1- تخريب المخطط العام للنظام والقوات الروسية في مهمتها السيطرة على كافة مناطق  التي يسمونها مفيدة .

2- تشتيت  تركيز القوة النارية لقوات النظام والقوات الروسية  الموجه على هذه الجبهات الثلاث المذكورة اعلاه بالتفاتهم الى جبهات خرى يمكن ان تخرج عن سيطرتهم .

3- تخفيف الضغط  الناري عن هذه الجبهات الثلاث  لتكون قادرة على الانتقال من حالة الدفاع الى حالة الهجوم

4- إنهاك القوات المهاجمة  بالخسائر المادية والبشرية وخاصة أن المهاجم يخسر ثلثي ما يخسره المدافع .

5 – المحافظة على الجاهزية القتالية للقوى والوسائط ، والروح المعنوية العالية، وعدم تهويل قدرات العدو.

6- التركيز على استهداف العنصر البشري المعادي وإخراجه من المعركة ، لما يعانيه العدو من قلة الموارد البشرية ، وذلك باستخدام أكثر لسلاح القناصات باعتبار المنطقة التي يمكن أن يتقدم منها العدو مكشوفة .

7 – السعي عند الدول الصديقة لاستلام مضادات الدروع ، مضادات الطيران إن أمكن ، والصواريخ بعيدة المدى.

8 – استخدام الصواريخ بعيدة المدى أو المتوسطة بكثافة على أهداف تعتبر (آمنة ومؤثرة وحيوية ) وخاصة القريب منها كحيي الزهراء والنزهة في حمص .

9- رفض الحوار مع الروس ما داموا ينفذون أعمالا عسكرية

10- سعي القوى السياسية مع الدول الإقليمية لفرض المناطق الآمنة ، واستمرار الحوار غير المباشر مع روسيا لمعرفة طروحاتها نحو الحل ، والقيام بحملة دولية بالتعريف بالتكلفة الكبيرة للنأي الدولي عن الحل في سوريا في ضوء المتغير الجديد.

11- الاستخدام الكثيف لأساليب الحرب النفسية وتحصين المقاتلين نفسيا من خلال اطلاعهم على أكاذيب الاعلام المعادي ،والعمل على بث الشائعات الموجهة إلى مجتمع العدو وقواته ونشرها .