on
Archived: الإعلامية السورية مزن مرشد تتحدث عن تقييم وضع الاقليات وداعش وعودة اللاجئين
المواطنة نيوز-
مزن مرشد، إعلامية سورية، خرجت من الشام في أعقاب اندلاع الثورة في عام 2011، لتستقر في إحدى الدول الأوروبية، بعد تنقلها وأسرتها بين العديد من دول القارة العجوز؛ بحثا عن ملاذ آمن. وقد عملت لفترة طويلة كصحفية ومذيعة، ومُدرِّبة لأعداد كبيرة من الصحفيين والإعلاميين الشباب داخل وخارج سوريا.
في السطور المقبلة؛ تتحدث مزن بصراحة شديدة عن رؤيتها للأوضاع الداخلية بسوريا، وتحليلها الشخصي لما يحدث بالداخل، ووضع الأقليات المختلفة هناك، من خلال حوار طويل عبر الـ(ماسينجر) الصوتي.. فكان لنا هذا الحوار:
كيف تقيمين وضع الأقليات الدينية والعِرقية في سوريا قبل وبعد ثورة ٢٠١١؟
شهدت سوريا الكثير من التحولات السياسية منذ بداية عهد الأسد الأب، بنهاية العام 1970، منها تحول السُّلطة من يد الأكثرية السُّنية في البلاد، إلى الأقلية العلوية التي ينتمي لها حافظ الأسد.
وفي بداية حكم الأسد الأب؛ وبهدف توطيد أركان الحكم، تخلص الأسد من منافسيه، والذين كانوا رفاق دربه في الوصول إلى السلطة، واعتمد على أركان سُنية؛ لضمان إرضاء الأكثرية في البلاد، فكان أحد اللواء مصطفى طلاس، أهم أركان الحكم في سوريا، والذي ظل وزيرا للدفاع لما يزيد عن 25 عاما، وعيَّن الأسد ثلاثة نواب له من الطائفة السُّنية، وهم محمد زهير مشارقة، نجاح العطار، ومحمود الشرع، والذي ما يزال حتى اليوم نائبا للرئيس.
وبالرغم من هذه المحاباة للطائفة السُّنية؛ كأكثرية تشكل حوالي 70% من التركيب الديني للسوريين، إلا أن اعتماد الحكم الأكبر كان على القيادات العلوية حصرا، والتي وُضِعت في مفاصل مهمة في الدولة، وخاصة في المؤسسات الأمنية – المخابرات- والإعلامية، فعلى سبيل المثال؛ وزراء الإعلام كانوا دائما من الطائفة العلوية، ولم تُسلم الوزارة إلا مرتين لغير العلويين، إحداهما لمسيحي، وهو د.مهدي دخل الله، والآن يقوم على رأس الوزارة السيد عمران الزعبي، وهو من الطائفة السُّنية، وابن مدينة درعا، المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة السورية.
أما فيما يخص مراعاة الأقليات؛ فقد عمل “الأسدان” على شعار حماية الأقليات كـ”بروبوجاندا” لحكم ادَّعى العلمانية، رغم إغراقه بالطائفية الواضحة بتفضيل طائفته عن كل الطوائف.
ومن هذه (البربوجاندا) كان “الأسدان” يسمحان بممارسة الشعائر الدينية لمختلف الطوائف، ويعطون هامشا ضيئلا من الحرية في ممارستها، وفي خطوة متناقضة تماما، فقد كانت الأقليات العِرقية تُمنع من ممارسة شعائرها، أو إحياء أعيادها الخاصة، مثل الأقلية الكردية، فقد كانت تُفض احتفالات “عيد النروز” بالقوة والعنف في كل عام، كما مُنع الآشوريون والأرمن، وغيرهم، من حق تعليم لغتهم الأم لأبنائهم، وأجبِروا على دراسة مادة التربية القومية في المدارس السوريا العامة والخاصة على حد سواء. أضف الى ذلك قضية المجردين من الجنسية التي طالت عددا كبيرا من أكراد سورية، والذين كانوا مكتومي القيد، والذين لم تُحل أيضا مشاكل قيودهم حتى اليوم، وقد وصل الكثير منهم الى أوروبا بطرق غير قانونية؛ طمعا بأوراق ثبوتية لا أكثر.
وبَقيت طيلة فترة الحكم الأسدي السيطرة المطلقة للطائفة العلوية، ولا أحد سواها؛ فموظف علوي صغير في أية وزارة، قادر على فرض الكثير من الأشياء على الوزير نفسه غير العلوي.
هناك مَن يؤكد أن غالبية الأقليات حظيت بامتيازات ومعاملة جيدة في عهد نظام حافظ وابنه بشار.. ما رأيك ولماذا؟
لم يكن في عهد الأسد، الأب والابن، أي وجود، أو ثِقل، لأي شخص، أو طائفة، في ظل الشخص الواحد، لكن كان هناك نوع من المحاصصة الطائفية غير المعلنة بالنسبة لمناصب الدولة والوزارات وأعضاء مجلس الشعب، وتصل هذه المحاصصة حتى إلى إدارات مؤسسات الدولة والمؤسسات التعليمية وسواها، ذلك بالرغم من أن الطائفة العلوية- وهي الطائفة التي ينتمي اليها الأسد- طائفة أقلوية، ولا تعدو كونها أكثر من مليونين ونصف المليون نسمة، بنسبة لا تتجاوز نسبتها 2 %، وهي نسبة غير دقيقة، وغير حقيقية؛ نظرا لغياب الإحصاءات الدقيقة؛ ولأن النظام أيضا، ومنذ وصوله للسلطة في عام 1970، كان حريصا على ترويج أرقام مبالغ فيها لعدد العلويين في البلاد.
ومثل أي حكم ديكتاتوري؛ كان لابد من رفع شعار “الأمن والأمان”؛ إرضاءً للجميع، الأكثرية السُّنية قبل الطوائف الأقلوية الأخرى، وكذا بالنسبة للأقليات الأخرى؛ باختيار موالين من هذه المجموعات، وتسليمها بعض المناصب في الدولة، مع التأكيد على مركزية الحكم في البلاد، وسطوة الأمن على مؤسسات ووزارات الدولة جمعاء.
أما “امتيازات”، فهي كلمة مبالغ بها قليلا، فما هي الامتيازات في ظل حكم موغل بالقمع، وغياب حرية التعبير؟ في ظل مجتمع يكفي أن تكون فيه صاحب رأي مختلف؛ ليُزَج بك في سجون لا يعلم بها غير الله، ولم يخل السجن السسياسي يوما من معارضين من مختلف الطوائف، ومن مختلف الأعراق والأديان.
والامتياز الوحيد كان للعلويين القادرين على الوصول الى أية وظيفة أو منصب، أو خرق أي قانون بما يخدم مصالحهم، وهذا ما يتاح أيضا لأي مقرب من الأمن، ومن السلطة، ومن أية طائفة كانت؛ ففي دول الفساد تُعطى الامتيازات للفاسدين.
بماذا تفسرين قيام داعش بالتربص بالمسيحيين؟
بالنسبة لي، لديَّ قناعة شِبه مطلقة بأن داعش هي صنيعة لمجموعة أجهزة استخباراتية، على رأسها الأمن السوري، بقيادة بشار الأسد؛ لأن من يعرف سوريا، وإسلام سوريا، جيدا، يُدرك تماما أن لا حاضنة اجتماعية، ولا مجال لظهور هذا الكائن المسخ المسمى داعش. قيادات داعش خرجت من السجون السورية بعفو رئاسي خاص بداية الثورة السورية.
وإذا نظرنا بقليل من التحليل والعمق لما تفعله داعش اليوم، سنصل ببساطة الى استنتاج وحيد، بأن كل ما تفعله يخدم النظام السوري، فعندما تستهدف داعش المسيحيين، سينبري الأسد ليقول “انظروا.. إنه الإرهاب، وأنا حامي الأقليات”، وعندما أحرقت داعش الطيار الأردني معاذ الكساسبة، كم بدت براميل النظام المتفجرة فوق رؤوس المدنيين مقبولة بالنسبة للبعض. وكلما اقتربت نهاية النظام؛ سنرى أفعالا أشد وحشية من داعش؛ ليرى العالم بأن الأسد هو أفضل الموجود.
لقد صنع النظام السوري “داعش” كبديل عنه؛ من أجل المقارنة بالسيئين، واختيار الأقل سوءا بينهما لا أكثر؛ لذلك أقول “داعش صناعة استخباراتية سورية، بتعاون عراقي، وتغطية أمريكية”.
لماذا قررتِ مغادرة سوريا؟ وهل تعرضتي وأسرتك لمضايقات كـ”دروز”؟
لم يكن انتمائي الطائفي يوما سببا في اتخاذي مواقف أوأفكار؛ فأنا لا انتمي للطائفة إلا باسمي، ولا أدَّعي العلمانية، ولكني أتبع دينا آخر، ومنذ زمن، وأعتبره موضوعا شخصيا لا أجاهر به. لذلك؛ فإن ما تعرضت له في سوريا، ومنذ أكثر من 15 عاما، كان بسبب عملي في الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان، والتي يعتبرها النظام السوري عملا سياسيا معارضا، ولم أنتمِ يوما للحزب الحاكم، وهذا مشكلة بالنسبة لصحفية تعمل في الصحافة الرسمية، وليست علوية!
أما خروجي من سوريا؛ فكان بسبب موقفي من النظام، والخوف على نفسي، وعلى أسرتي، من تبعات انتقامات غير محسوبة النتائج، في وضع استثنائي بكل ما تحويه الكلمة من معنى.
إذا سقط النظام؛ هل تعود الأقليات المهاجرة إلى الشام أم لا؟ ولماذا؟
نعم أجزم بذلك؛ فمَن غادر سوريا غادرها بسبب الحرب، بسبب الخوف من الموت، من الجوع، بسبب فقدان منزله أو أرضه أو منطقته، وبسبب معارضته للنظام، ووقوفه مع الثورة، قلة هم مَن غادروا سوريا هربا من داعش، أو من التطرف الإسلامي الذي بدأ يظهر في سوريا مؤخرا، ففي حال سقط النظام؛ الكل عائد؛ لأننا مدركون أن التطرف صنيعته؛ وبانتهائه سينتهي.
من منظور حقوق الإنسان والحريات بكل أنواعها، ما مدى اتساق ذلك مع الادعاء بأن النظام السوري نظام علماني؟
عملت كمتطوعة في الجمعيات المدنية -غير المرخصة – المدافعة عن حقوق الإنسان، وعن السجناء السياسيين، وقضايا المرأة وحقوق المرأة، لأكثر من 15 عاما، إضافة لعملي الإعلامي الموازي؛ لذلك أقول النظام في سوريا نظام (مصلحجى)، شعاراتي. أيُّة علمانية لنظام امتلأت سجونه بسجناء الرأي، الماركسيين والليبراليين، ولم يفرج إلا عن الإسلاميين؟ وحقيقته الوحيدة أنه موغل بالطائفية، وطائفته هي مصلحته، نظام عصابات مافاوية لا أكثر.
هل كان من المتوقع حدوث ثورة سوريا في ظل القبضة الحديدية للنظام طوال أكثر من ٤ عقود؟
نعم، فقد شهدت سوريا ما يشبه الثورة في عام 1982 في مدينة حماة، وتم قمعها بطريقة وحشية للغاية. قصص نسمعها اليوم مِمَن عاشوها لا يمكن أن تخطر على بال، قاد الحملة آنذاك رفعت الأسد. قائد ما كان يسمى بـ”سرايا الدفاع”، وهو شقيق حافظ الأسد.
لم تنتشر أخبار مجازر حماة خارج سوريا إلا بعد سنوات من ارتكابها؛ بسبب التعتيم الإعلامي عليها من جهة، وعدم وجود وسائل الاتصال الحديثة آنذاك من جهةٍ أخرى، ثم جاءت أحداث مدينة السويداء، جنوب سوريا، عام 2001، وهي معقل الأقلية الدرزية في البلاد، وحُوصرت المدينة بالدبابات، واستُشهد حوالي خمسين شابا درزيا في تلك الأحداث؛ لتُوأد بأرضها خلال أسبوع واحد، لنفس السبب السابق، إذ لم يعلم بها أحد إلا بعد نهايتها.
ثم كانت انتفاضة الأكراد 2004 في مدينتي الحسكة والقامشلي شمال سوريا، والتي تعامل معها النظام بالتهديد بالقوة، ودخلت وساطات العشائر مع قيادات أمنية وسياسية، أعطت للأكراد وعودا بالإصلاح– لم تُنفذ- وأخمِدت الحركة أيضا في حينها. وصولا إلى شرارة الثورة التي اندلعت في درعا2011؛ فكان للمناخ العربي العام ووسائل الاتصال، وسهولة الوصول إليها، الدور الكبير في اشتعال الثورة في كل المدن السورية دفعة واحدة، الواحدة تناصر الأخرى.
ما ملاحظاتك على الجيش السوري الحر وتمثيله للثورة السورية؟
الجيش السوري الحر تحديدا يحوي كل أطياف السوريين، هو جيش وطني لا عقائدي، جيش معتدل، وهو بالنسبة لي وللكثيرين الأمل الوحيد في الانتصار على هذا النظام، وأيضا على القوى الإسلامية والتكفيرية في سوريا؛ فهو اليوم أملنا في قيام سوريا المستقبل، دولة ديمقراطية علمانية تعددية، سوريا بلد كل السوريين.