Archived: حسن فحص: طهران وخيار الانتحار الاستراتيجي في سوريا

حسن فحص: المدن

تعتقد القيادة الايرانية ان التطورات السورية دخلت مرحلة جديدة ومتسارعة بعد الدخول العسكري الروسي على خط الازمة، وتصاعد العمليات العسكرية التي تجري بدعم مباشر وواسع من ايران، خاصة على محور الجبهة الشمالية. وأن هذه التطورات دفعت الى تنشيط الجهود السياسية والدبلوماسية المتشعبة، من اجل التوصل الى حل سياسي، يترافق حسب اعتقادها مع التقدم العسكري الميداني لقوات النظام وحلفائه.

طهران تنظر إلى التدخل الروسي على أنه يشكل ورقة رابحة لموسكو، تساعدها في التفاوض على الحل السياسي. من هنا جاءت الدعوة التي وجهها الرئيس الروسي فلايمير بوتين لنظيره السوري بشار الأسد لزيارة موسكو، وهي الزيارة التي شكلت مناورة سياسية لبوتين وجهت رسالة واضحة بالدعم الذي يقدمه الكرملين لحليفه في دمشق.

والدور الذي لعبته موسكو في التحضير للقاء الرباعي في فيينا، مهد الأرضية للاعتراف بالدور السياسي المحوري الذي تلعبه ايران في الازمة السورية، يضاف الى دورها الميداني الذي شكل بالتحالف مع موسكو رافعة دعم اساسية للنظام في دمشق.

ولا تخفي طهران اعتقادها بصعوبة الحل السياسي، خاصة مع استمرار الخلاف في وجهات النظر بين الاقطاب المؤثرين في الازمة  السورية حول  مصير الاسد بين رحيله وبقائه، الذي يعتبر العقبة الاساسية التي تعرقل اي تقارب بين المؤيدين والمعارضين.

من هنا، فإن المؤشرات التي تحدث عنها امين عام حزب الله حسن نصرالله، من أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً كبيراً وأن الحلول غير قريبة في الاقليم، يعبر عن اعتقاد شبه راسخ لدى طهران من ان الحل في سوريا غير ممكن فقط باعتماد الخيار السياسي، بل ان استمرار العمليات العسكرية الميدانية بدعم جوي روسي واستعادة السيطرة على المزيد من المناطق الاستراتيجية في مختلف مناطق سوريا، سيساهم في ادخال تغيير جذري في المعادلات الحربية ويعزز بالقدر نفسه من مواقع النظام وحلفائه على حساب الفريق الاخر.

ولا ترى طهران ان التقدم العسكري وتحقيق انجازات ميدانية سيكون سهلاً، بسبب الصعوبات والعوائق التي تواجه هذا الامر، خاصة في ظل الغموض الذي يكتنف التدخل العسكري الروسي وعدم قدرة موسكو على تحديد مدة لهذا التدخل وقدرتها على تحمل الاعباء المالية ونتائجه الاقتصادية والسياسية، وهو ما قد يتحول الى نقطة تفوق لدى المعسكر الخصم، خاصة تركيا والسعودية، حسب اعتقاد طهران، اللتين تعارضان بشدة الوجود الروسي والايراني في سوريا، وستندفعان بشكل اوسع لتقديم الدعم المالي والتسليحي للجماعات المقاتلة في سوريا.

وتعترف طهران ان احد اهم العوامل التي تعرقل جهود تحقيق تقدم ميداني، يعود الى حالة الانهيار والتفتت التي يعاني منها الجيش السوري، اضافة الى الصعوبات التي تواجه حلفاء النظام في تقديم دعم عسكري مباشر، ما يدفع على الاعتقاد بصعوبة وضع تصور او تحديد افق زمني واضح لوضع حد لهذه الازمة، على الاقل في المدى المنظور. وهو ما يحمل على الاعتقاد حسب دوائر القرار في طهران بضرورة توفير الارضية لتحقيق انجازات ميدانية من قبل الجيش السوري والنظام، الا انه من المستبعد ان تحقق قوات النظام إنجازاً حقيقياً، يقلب المعادلات ويؤثر على سير الاحداث. وعليه، فإن الاعتقاد السائد لدى طهران يقول بان حالة الاستنزاف ستستمر لمدة ليس بقليلة.

وبالمقدار نفسه الذي ترى فيه طهران الى التورط الروسي المباشر في سوريا، ترى ايضا الى حجم التحديات التي فرضتها التطورات الجديدة في هذه الازمة على الداخل الايراني، خاصة الاصوات “الداخلية” التي تتحدث عن تورط ايران خارج حدودها في لبنان وسوريا، وضرورة ان تتصدر الاوضاع الداخلية الايرانية جدول اهتمامات النظام.

وفي ردها على الاصوات الداخلية، تعيد طهران التأكيد على مبدأ الدفاع عن أمنها ومصالحها، لتسويغ هذه التدخل، من منطلق ان الدفاع عن وحدة الاراضي الايرانية يفرض على طهران ان تبنى دفاعاتها الامنية خارج حدودها، كما تفعل أميركا تحت شعار الدفاع عن المصالح الاميركية في العالم.

وتعقتد القيادة الايرانية ان المروحة الواسعة من الجيران الخمسة عشر الذين يحيطون بإيران يجعل من الصعب على طهران عدم التحرك، وقد استطاعت خلال المرحلة السابقة ان تعزز امنها من الجهة العراقية بعد ان استطاعت فرض حكومة مؤيدة وموالية لها واخراج الامريكيين من هذا البلد، كما ان الجهود التي تبذلها في سوريا الى جانب النظام هناك ستقطع الطريق على الاميركيين من تأسيس قاعدة لهم – نظام موال لأميركا – في هذا البلد.

وترى القيادة الايرانية ان الدفاع عن سوريا ونظامها لا تقف مهمته في الدفاع عن امن الحدود الايرانية، بل يهدف الى منع اسرائيل من الدخول الى الحديقة الخلفية لطهران في سوريا، واذا لم تتحرك  ايران في هذا الاتجاه ولم تعزز مواقعها في المناطق التي تمتلك فيها نفوذا، فإن الاميركي – العدو – لن يتردد في تحقيق خطوات على حساب طهران، وقد تصل فيه الجرأة مثلا، وحسب القيادة الايرانية، الى التفكير مثلا ببناء قواعد له على الحدود الايرانية في اقليم كردستان العراق، من هنا الدعم الايراني للحكومة العراقية يشكل خط دفاع اول واساسي بوجه مثل هذه الطموحات.

الاستراتيجية الايرانية تقوم على مبدأ الخطوات الاستباقية في ما يتعلق بقضايا الاقليم، وتعتقد انه في حال سقوط النظام السوري، ستكون طهران عرضة للتهديد وفي دائرة الخطر، لان طبيعة النظام الذي يسعى خصومها إلى إقامته في سوريا لن يكون ودوداً وايجابياً مع ايران. ما يستدعي منها العمل على منع حدوث ذلك، على غرار التجربة العراقية، لان اي نظام يقوم في هذين البلدين بعيدا عن دورها في تركيبتهما سيكونان اعداء لها في المستقبل، لذلك كان لا بد من اعتماد سياسة استباقية لمنع وصول سلطة معادية لايران فيهما، على مبدأ “الوقاية خير من العلاج” ومن منطلق العمل على معالجة الاخطار الكامنة في جوارها قبل ان تتحول الى تهديد حقيقي ضدها.

لا ترى قيادة النظام الاسلامي في ايران اي غضاضة من التأكيد ان سياسة هذا النظام واستراتيجيته في التعامل مع جيرانه لم تتغير منذ منتصف القرن الماضي، وهي تعتمد المبدأ نفسه الذي كان يعتمده النظام الملكي الشاهنشاهي الذي اطاحت به الثورة الاسلامية في التعامل معهم ومع قضاياهم، وما تحمله هذه الاستراتيجية من عداء وسعي للسيطرة والهيمنة، خاصة وان التسويغ السياسي لذلك يقوم على مقولة انه “في حال لم تقم ايران بالتدخل في شؤون الاخرين، فانهم – اي الانظمة في المنطقة والجوار الايراني – سيقومون بالتدخل في الشؤون الايرانية وتهديد استقرارها”.

وعليه فإن المنطق الذي تعتمده القيادة الايرانية للرد على الاصوات الداخلية المطالبة باعطاء الشأن الداخلي وحاجات الاجتماع الايراني الاولوية في سلم اهتمامات النظام، منطق يقول إنه “لو اكتفى النظام الايراني بالتركيز على حاجات ايران الداخلية فقط، فانهم لن يسمحوا لنا – اي الاعداء – بالعيش بهدوء واستقرار”. من هنا سيكون مبدأ التدخل الايراني في الاقليم والسعي لفرض الهيمنة عليه وتوسيع النفوذ فيه ضرورة “وجودية” لضمان الحفاظ على ايران ودورها

اقرأ:

إيران تؤيد مرحلة انتقالية مدتها ستة أشهر في سوريا قبل محادثات سلام