Archived: سلام كواكبي: بين مجرم حرب وقائد ثوري

سلام كواكبي: هنا صوتك

قام ما يُسمى بـ “جيش الإسلام” والذي يسيطر على جزءٍ من محيط دمشق، بنشر أقفاصٍ حديدية في شوارع مدينة دوما التي تدمرها قاذفات الموت الحكومية. في هذه الأقفاص، التي يُحيلنا استعراضها إلى التجارب الداعشية، عشرات من الرجال والنساء الذين أسرتهم قوات هذه المجموعة التي تدّعي قرباً بالثورة السورية وهي ما فتئت تحارب عناصرها المدنيين والعسكريين الذين لم يخضعوا لسلطانها. أقفاص حديدية كدروع بشرية بحجة مواجهة قصف الطائرات.

هنا، يُسجّل هذا الفصيل المتطرف اسمه على رأس لائحة مجرمي الحرب. وبالتأكيد، فإدانة ما يقوم به ستقتصرعلى نسبة ضئيلة من سكان المنطقة الواقعين تحت نير الحصار والقصف السلطوي، خوفاً من ردود فعل هذه الميليشيا التي أثبتت أنها تدافع عن مصالح ذاتية وأوهام إيديولوجية تبريرية.

أما النخبة الثورية، إن وجدت، فهي مطالبة بإدانة واضحة لهذه الجريمة البشعة التي تُضاف إلى سجل حافلٍ من الانتهاكات. وهي مطالبة بالاعتذار عن تبريرات سابقة ومتتالية للأعمال الإجرامية بحجج عدة. ما يفعله زهران علوش هو أوضح تعريف لمجرم الحرب وهو النقيض الصارخ للقائد الثوري.

تحفل روايات التاريخ بقصص الحروب والنزاعات المسلحة والثورات الشعبية بصيغتيها السلمية أو العنفية. وفي هذه المرويات كثير من الفظائع التي تتناقلها الكتب كما بعض الصور التوثيقية والأفلام الوثائقية. ومن الممكن أحياناً أن تعكس بعض الأفلام السينمائية مشاهد متقنة مما يمكن تخيّله وتصويره ليُعبّر عن فظاعات الحروب وعذابات الضحايا.

وتُعتبر الحالة السورية مثالاً صارخاً لما يمكن أن يرتكبه الإنسان من جرائم. ولقد سمحت لنا برؤية مشاهد كنّا نعتقد بأنها لا يمكن أن تتكرر في زمننا الجاري. وبالفعل، فقد “نجحت” المقتلة السورية المستمرة في تكذيب كل ظنوننا مستعرضة تخريباً مادياً وبشرياً من جرّاء قصف حربي أعمى لم تجرؤ أسوأ الاحتلالات الاستعمارية أو التوسعية أو الاستيطانية على ارتكابه.

امتلاك الوحشية وممارستها والتفاخر بها كانت ظاهرة سلطة الاستبداد منذ البدء، وهذا يدخل بشكل شبه “طبيعي” في التحليل البنيوي لمؤسساتها ولمنطقها السياسي والأمني. وقد تابع المهتمون وحشية تصرفات القوى الأمنية وشبه الأمنية التي تفاخرت باستعراضاتها الدموية وصوّرتها وتناقلتها. وكان التبرير لتناقل مثل هذه الفيديوهات أو الصور من قبل أهل السلطة أنفسهم بأنها محاولة لنشر الرعب وتخويف من لم يجرؤ بعد على الاعتراض السلمي أمام واقع التغوّل الأمني.

أشرطة فيديو تُظهر، بما لا يدع أي مجال للشك، وحشية التعامل مع الموقوفين من خلال التعذيب الجسدي والنفسي والوصول إلى القتل أمام عدسات الهواتف النقّالة والتي كان أصحابها يقهقهون منتشين بأفعال زملائهم ومرددين العبارة الشهيرة “أهذه هي الحرية التي تبحثون عنها؟”

قامت مراكز التوثيق الحيادية بتجميع ساعات طويلة من الأدلة التي استعرضتها لجان أممية مختصة وضمتها إلى ملف جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية المعلّق أمام أعين المجتمع الدولي. وساهم ملف “القيصر” بتوثيق آلاف من حالات الموت تحت التعذيب، ويمكن أن يُعتبر من أهم الملفات وأشدّها موثوقية في عرف المحققين الدوليين. وعندما تتوفر الإرادة السياسية، فسيكون هو الحجر الأساس في تحقيق العدالة النسبية.

وبمعزلٍ عن التصنيفات، من جيشٍ حر إلى فصائل إسلامية متشددة وأخرى معتدلة، بدا بأن الطرف الآخر المنغمس طوعاً أو جبراً في المقتلة المستمرة هو الأقل ارتكاباً لجرائم الحرب، وإن ارتكب انتهاكات عديدة يمكن أن يصل بعضها إلى حافة التعريف القانوني لهذه الجرائم. ووجد الكثيرون تفسيرات عديدة قاربت أحياناً التبرير “الانساني” والنفسي لضحايا الانتهاكات الجسيمة والذين يمكن أن يقوموا، هم أو أهلهم، بتجاوزات “طبيعية” للانتقام من المذابح والتشريد والقصف والقتل الطائفي والتغيير الديموغرافي.

تجنّب الكثيرون هذا الملف، وإن قاربوه، فبحذرٍ شديد. وعلى الرغم من حذرهم، فقد نابهم الشتم والتعنيف. وبرزت عبارات المقارنة والتشبيه، وأغنى الشتّامون مواقفهم بالإشارات المستمرة إلى انتهاكات قوى النظام. وبدا أن ذلك هو إعادة انتاج للغة سلطوية كانت وما تزل تواجه من ينتقد الانتهاكات والاعتقالات التعسفية بالإشارة إلى الانتهاكات الاسرائيلية. وكان مطلوب ممن يود انتقاد الانتهاكات أو الإشارة إليها ولو مواربة، أن يكتفي بالعدو الصهيوني ولا يتطرق إلى “العدو” المحلي. هو المنطق ذاته الذي تطبّعت به أجيال وستدفع أجيال مقبلة ثمن ترسّخه في الثقافة العامة.