Archived: عمر قدور: أردوغان ليس سورياً

عمر قدور: المدن

نام النازحون السوريون في تركيا ليلة الأول من تشرين الثاني- نوفمبر وبالهم مطمئن بعد فترة انتخابية عصيبة. هذه المرة لم يلاحقهم النحس في ملجئهم إذ استُخدمت قضيتهم في البازار الانتخابي، وأبدت أحزاب المعارضة نيتها في التضييق عليهم حال فوزها. السوريون لم يكونوا الوحيدين في حالة ترقب، فلا شكّ في أنها كانت الانتخابات التركية الأكثر ترقباً لنتائجها في محيطها الجغرافي. مَن راهنوا على سقوط حزب العدالة كثر في المحيط الإقليمي والدولي، ومن راهنوا على فوزه لم يتوقعوا حجم الفوز الذي تحقق. الانتخابات ونتائجها بعثا رسالة مفادها أن الداخل هو صاحب القرار في الديمقراطيات، وأن الضغوط الخارجية قد تؤثر إلى حد ما لكنها ليست الفيصل، حتى إذا كان الأتراك قد اختاروا عملياً تفويض حكومة مستقرة بدل الانزلاق إلى حكومة أقلية ضعيفة سيشكلها حزب العدالة أيضاً.

إنما، مع حفظ الأولوية للاعتبار الداخلي، لا يمكن تجاهل اعتبارات الأمن القومي المتصلة بالحدث السوري. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض معارضي سياسة أردوغان في سوريا، وبعض من يبدون تحمساً لبقاء بشار في السلطة، يفعلون ذلك على قاعدة عدم السماح لأكراد سوريا بالحصول على وضع مشابه لأكراد العراق فيما لو سقط النظام. الأمر يتعلق أولاً بحساسية تركية تجاه القضية الكردية عموماً، لا محبة بنظام الأسد، ولا باعتبارات أيديولوجية تخص إسلامية حزب العدالة فحسب كما يسوّق الترويج الإعلامي. ولا يخفى أن أداء حزب الشعوب الديمقراطي، إثر تحقيقه نسبة أعلى من المتوقع في الانتخابات السابقة، قد أعطى إشارة سلبية لم تشجع ناخبيه الأتراك على الاستمرار في دعمه. فالحزب سوّق لفوزه بوصفه فوزاً كردياً فقط في الداخل، وبوصفه فوزاً للمحور الإيراني خارجياً.

لا يخفى أيضاً أن فوز أردوغان الأخير يزعج بعض دول الخليج، بما فيها بعض داعمي المعارضة السورية، وقد دفعت فصائل المعارضة ثمن الخلاف في الملف المصري إثر انقلاب السيسي. ومن المؤكد أن الإزعاج يزداد بمقارنة الانتخابات التركية بنظيرتها المصرية، سواء من حيث الأداء الديمقراطي أو من حيث نسبة إقبال المواطنين على صناديق الاقتراع. من المنتظر أن يسوّق الإسلاميون هذه المقارنة لصالحهم، غير أن التسويق الأيديولوجي لا يحجب المقارنة الأصل بين الاستبداد والديمقراطية. الأهم من ذلك على الصعيد السياسي، أن كارهي أردوغان من محبي السيسي لا صلات جيدة لهم بالمعارضة التركية، وأفضل علاقات لهم بتركيا أتت في ظل حكم العدالة. وهم لا يملكون تصوراً بديلاً حتى في الشأن السوري فيما لو خسر حزب العدالة. مع الأسف تصورهم يقتصر على الثأر من أردوغان ليس إلا.

على صعيد الملف السوري، يصحّ القول أن لا تغيير جوهرياً سيطرأ على تعاطي حكومة حزب العدالة الجديدة. قد يكون الفوز حافزاً للتمسك بالموقف المعروف إزاء تنحية الأسد، من دون أن يملك هذا الموقف ديناميات قوية، ما لم يكن مشفوعاً بتنسيق إقليمي عريض يشمل السعودية في الدرجة الأولى. مثل هذا التنسيق قد يضغط على الروس وعلى إدارة أوباما من أجل تنشيط مسار الحل، بدل أن يضغط الروس وإدارة أوباما على كل دولة منفردة لفرض التفاهمات الروسية الأميركية. ومن المعلوم أن الروس وقوات النظام بدأوا باستهداف الشمال من أجل قطع خطوط الإمداد والسيطرة على الحدود التركية. إفشال المخطط الروسي بإحكام السيطرة على الحدود هو أهم استحقاق يواجه داعمي المعارضة الآن، لأن تحققه يعني ترجيح ميزان القوى نهائياً لصالح النظام وأرجحيته في أي حل مقبل.

بالطبع، أردوغان ليس سورياً، وللقاعدة الاقتصادية التي انتخبته مصالح ضخمة مع الجارين الروسي والإيراني، أي أن الشطط لن يبلغ به حد التضحية بمصالح تركيا. هذا ما ينبغي أن يأخذه في الحسبان أولئك الذين يعلّقون آمالاً ضخمة على فوزه. وينبغي التمييز بين العاملين الإنساني والسياسي، فالأول الذي يخص استضافة تركيا النازحين السوريين لا يعفي حكومة حزب العدالة من النقد على عموم أدائها السياسي، ومن ذلك الإستثمار في التنظيمات المتطرفة أسوة بقوى دولية وإقليمية أخرى. أما على صعيد الإمدادات العسكرية فيعلم الجميع أنها خاضعة لاعتبارات خارجية لا لمتطلبات الوضع السوري، ومن ذلك حسابات الحكومة التركية والشد والجذب بينها وبين القوى الإقليمية والدولية، ولعل الكثيرين يتذكرون كيف تم انتزاع مدينة كسب الحدودية من سيطرة النظام بدعم تركي، وكيف جرى الانسحاب الطوعي منها بطلب تركي أيضاً.

لقد منحت صناديق الاقتراع أردوغان النسبة الكافية ليحكم، لا ليتحكم، ويجوز القول بأن حزب العدالة فاز لكن الأردوغانية انهزمت. هذا هو المعنى العميق للحفاظ على الديمقراطية، وأيضاً عدم الخروج من الكمالية إلى معطف الأردوغانية. أيضاً هذا هو المعنى المطلوب تفهّمه في أوساط المعارضة السورية، سواء على سبيل الاستفادة من الدرس الديمقراطي، أو على سبيل وضع “زعامة” أردوغان في حجمها الواقعي وعدم انتظار الكثير منه. وإذا كان الاختلاف مفهوماً بين مؤيدي بشار والمعارضين حول حكم العدالة فإن ما يثير الشفقة الخلاف بين الوسطين العربي والكردي، لأنه بمثابة تطفل على القضية الكردية في تركيا من جماعات لا تملك بعد مصيرها في أرضها. وأن تعكس الانتخابات خسارة القوميين الأتراك والقوميين الأكراد معاً فهذا بمثابة الدرس الذي لا يبدو قوميو سوريا من أكرادها وعربها جاهزين للتعلم منه بعد.

اقرأ:

عمر قدور: أصحيح أن بوتين قادر على تنحية بشار الأسد؟