Archived: جليلة الترك: الهدف من محادثات فيينا.. عذر أقبح من ذنب

جليلة الترك: كلنا شركاء

يعتقد كثيرون من الساسة والمتابعين والمهتمين بالشأن العام في سوريا والمنطقة، أن ما يجري التحضير له، وما يدور الحديث حوله من مبادرات أو حلول سياسية في سوريا، يهدف حقيقة إلى إعادة إنتاج النظام بوجوه جديدة وإفلات رموزه وأركانه السابقين من المحاسبة، من خلال عناوين الحفاظ على “مؤسسات الدولة” وحمايتها من الانهيار.

لا أجد نفسي مختلفة كثيراً مع وجهة النظر تلك، خاصة وأن كل ما تم تقديمه حتى الآن من خطط ومبادرات تشي بذلك، فمن مبادرة الجامعة العربية إلى خطة كوفي أنان، ومن بيان جنيف 1 وتفسيراته المتعددة، إلى مساعي الاخضر الابراهيمي وخطط ستافان ديميستورا، إلى محادثات فيينا اليوم، وما زال العالم يدور في تلك الحلقة المفرغة “حل سياسي”.

وأكثر ما يثير التعجب والاستغراب ويبعث على التفكير بذلك، هو أن هذا الحل المنشود يهدف بحسب الدول الكبرى إلى الحفاظ على “مؤسسات الدولة” وحمايتها من الانهيار!!
وعلى فرض أنه كان الهدف الحقيقي فعلاً، فهل تستحق تلك “المؤسسات” إطالة عذابات السوريين بهذا الشكل بحجة الحفاظ عليها وحمايتها من الانهيار ؟! فأية حجة واهية، بل أي عذر أقبح من ذنب.

أيها المخادعون، متى كانت سوريا في عهد آل الأسد دولة حتى تكون لها مؤسسات؟!!!
تلك التي تسمونها “مؤسسات”، وعبر ما كانت تمارسه من قمع وقتل وتهجير واعتقال بحقنا طيلة العقود الماضية، هي السبب فيما هو حاصل اليوم في سوريا.
خاصة “مؤسستي” الجيش والأمن، اللتين وخلال السنوات الخمس الماضية فقط تسببتا بقتل وجرح واعتقال وتغييب مليوني سوري تقريباً، وتهجير أكثر من عشرة ملايين آخرين!!

هل تعتقدون حقاً، أنه بمقدوركم جعل السوريين يتناسون العذابات التي تسببت بها تلك “المؤسسات” والقائمين عليها؟! وهل تظنون أن الجروح  التي نجمت عنها ستلتئم بذلك؟ أم هل ستختفي الندوب التي خلفتها في أجسادنا، ونحن جالسون ننظر إليها وهي يعاد إنتاجها بعد كل ما حصل، ليتم تسليمها لجزارين آخرين؟!

باختصار.. إن ما تسمونها “مؤسسات الدولة” هي تلك الواجهات التي تسلط آل الأسد من خلالها على رقاب السوريين، وامتصوا دماءهم طيلة عقود. هي تلك المسالخ البشرية التي يقتل المواطن فيها تحت التعذيب، وتنتهك حقوقه وكراماته، هي تلك الهياكل المهترئة التي يجري فيها الفساد مجرى الدم في شرايين الجسد البشري، وهي نسخة أصلية عن عصابة آل الأسد “النظام” التي يستحيل إصلاحها أو تقويمها، ولا ينفع معها إلا البتر والاستئصال.

ولا أعتقد أنه سيكون بمقدورنا اليوم أو غداً، أن نحقق حلمنا ببناء دولة نحترمها وتحترمنا، وتحفظ لنا حقوقنا وكراماتنا ونؤدي تجاهها ما علينا من واجبات، ونقيم معها عقداً اجتماعياً جديداً متيناً، قبل أن نقوم بهدم شامل لتلك “المؤسسات” التشبيحية مادياً ومعنوياً ومحاسبة القائمين عليها، لنتمكن بعد ذلك من بناء مؤسسات حقيقية تلبي طموحاتنا وتتناسب مع الاثمان التي دفعت في سبيلها.

أما مسألة إعادة إحياء تلك “المؤسسات” أو المحافظة عليها وفيها ما فيها، فسينتج لدينا بذلك مسخ يقال عنه “دولة” وهو أبعد ما يكون عن ذلك، ولكم في مصر “السيسي” خير مثال.

أما من يتحدث عن حالة العراق ليخيفنا بها، فهو يعرف حقيقة أن ما حصل في العراق يختلف كثيراً عما حصل ويحصل في سوريا، وأنه لم تعط الفرصة للعراقيين من أجل إعادة بناء دولتهم بالشكل الصحيح، وإنما تم تسليمها لايران وأزلامها من أمثال نوري المالكي وقادة الميليشيات الطائفية، فارتكبوا بحق شعبهم جرائم فظيعة وعاثوا في العراق فساداً، فكان ما كان.

أخيراً وليس آخراً، ما بني على باطل فهو باطل، ولو أرادوا إلباسه لبوس الحق بالقوة.
ونحن في سوريا لن نرضخ بعد اليوم لكائن من كان يريد أن يسلبنا حقوقنا وكراماتنا بالقوة، أو بالمراوغة و الخداع.
في سوريا اليوم رجال يدافعون عنها، يعجز الصبر عن صبرهم، وتخجل الشجاعة أمام شجاعتهم، إيمانهم بالح راسخ كالجبال، وعطاؤهم بلا حدود.
وباذن الله سيكون لنا ما نريد، صامدون… وسننتصر.