on
Archived: سعاد خبية: التدخل (الروسي-الإيراني) في سوريا (تكامليٌ) لحماية بشار الأسد
سعاد خبية: مصر مباشر
بعد استعبادها من جميع الاجتماعات الدولية السابقة حول الملف السوري باعتبارها أحد محاور الصراع والداعم الرئيس لنظام الأسد ، تشارك إيران اليوم بقوة في اجتماع – فيينا – الخاص بالملف السوري والذي تحضره سبعة عشرة دولة ليس من بينهم ” السوريون ” ، حلمٌ وغايةٌ لطالما رغب الإيرانيون بالوصول إليها باعتبارها إقرار دولي بمصالحها ودورها ومكانتها كمتحكم في المصير السوري ، تحققت هذه الرغبة أخير على يد الروس الذين فرضوا وجود الإيرانيين على هذا الاجتماع وضغطوا في اتجاه إعطاءهم تلك الورقة .
علاقة تكاملية جمعت الشريكين في الدم السوري على طول مراحل مايسميه البعض “الأزمة السورية ” كان القاسم المشترك بينهما دوماً هو وحدة الهدف بدعم بقاء واستمرار بشار الأسد في الحكم ، تقاسمت الدولتان مهام تلك الحماية ضمن واقع دولي بقيت معطياته شبه ثابتة من حيث إدارة الملف السوري وتقاسم الأدوار الدولية حيال ذلك ،فيما تناوب الطرفان تبني جوانب الدعم فيه مابين دبلوماسي كانت روسيا الرائدة فيه بقوة من خلال استخدامها مرتين لحق النقض الفيتو ضد قرارين دوليين كانا يسعيان لتجريم الأسد بتهمة ارتكابه جرائم حرب في سوريا ، وأحبطت كذلك خمسة مشاريع قرارات أخرى كانت ستقدم لمجلس الأمن بذات الخصوص فلم تسمح بمجرد تقديمها ، فيما كان دورها الأبرز لاحقا بامتصاص النقمة الدولية وإعطاء الأمريكان الذريعة لعدم اتخاذهم أي موقف عقابي تجاه الأسد جراء استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين السوريين وقتله 1600 منهم ، ليتم الاكتفاء بمصادرة سلاح الجريمة وترك القاتل حرا طليقا ! ، كما لايخفى على أحد أن جهوداً كبيرة بذلتها موسكو ومعها طهران بغية تشويه سمعة المعارضة السورية وتفتيتها ، وتجاوز كياناتها، من خلال الدعوة إلى مؤتمرات متفرقة ومتضاربة حول القضية السورية لتمييع اجتماع المعارضة وسحب أي شرعية عنها كان منها فكانت تختار اسماء المعارضين وتستبعد ذاك وتقرب هذا ( لقاء موسكو 1 التشاوري (من 26 إلى 29/02/2015) ولقاء موسكو 2 التشاوري (من 06 إلى 09/04/2015) وتجمعات بديلة (مؤتمر القاهرة في 23 و24/01/ 2015)، والتركيز على تمدد القوى المتطرفة، وفي مقدمها “داعش”، وتغييب التركيز على جرائم الأسد التي يستمر بارتكابها بشكل متصاعد حتى اليوم ، وانطلاقا من تلك الجهود في تغييب صوت المعارضة السورية حاول الروس وضع المجتمع الدولي أمام أحد خيارين لا ثالث لهما، إما التعامل مع نظام الأسد، أو القبول بسيطرة “داعش” وأشباهها.
اتساق وتناغم واضحين منذ بداية محاولات احتواء الثورة السورية وتثبيت الأسد ظهر مابين الدور الروسي والإيراني ، والذي تجلى بتقديم الدعم الاستخباراتي وتوفير حاجة نظام الأسد من المستشارين العسكريين والأمنيين والسياسيين والإعلاميين إضافة للدعم المادي المفتوح لنظام الأسد ، ناهيك عن الدور البارز الذي لعبته إيران عبر حلفاءها واتباعها (حزب الله اللبناني والميليشيا العراقية الطائفيين ) وجهودهما في القتال المباشر وخوض المعارك على الأرض السورية واقتحام المدن وتدميرها وتهجير أهلها وماخلفه ذلك من تغيرات ديمغرافية طالت الكثير من المناطق على أساس طائفي ، وكله في سبيل سد ثغرة كبيرة يعانيها نظام الأسد بعد أن تحلل جيشه وقتل منه أكثر من 150 ألفا باعتراف النظام نفسه ، وعزوف الشبان السورين وشبان “طائفته” عن الخدمة العسكرية وهرب معظم الشبان خارج الحدود السورية أو انضمامهم للقتال إلى جانب فصائل المعارضة التي تقاتل ضد نظام الأسد أو الفصائل الإسلامية المتشددة .
مشهد عام يوجز ماقدمته الدولتان خلال الأربع سنوات ونيف الماضية في سعيهما للحفاظ على نظام بشار الأسد الذي يشكل وجوده استمرارا طبيعيا لازما لنفوذهما ومصالحهما الإستراتيجية في هذه البلد ، تلك المصالح التي ليس من اليقين أن تتقاطع مع بعضها خارج هدف الإبقاء على حليفهما المشترك وقد بدأت ملامح افتراق “نفسي ” تظهر جلية عند الاحتكام لمرحلة مابعد التدخل الروسي المباشر وابرام صفقة ايران حول ملفها النووي قبل ذلك ، لم يكن التدخل الروسي الأخير تحولا في موقف الأسد تجاه إيران كما قد يرى البعض ، كما أنه لايمثل توجها جديد للرهان على روسيا وترك إيران تحت دعاوى ربطها للمساعدات التي تقدمها له بحصولها على ضمانات في شكل عقارات مختلفة فقد كان هذا الأمر محققا للإيرانيين قبلا ومنذ سنوات طويلة دون أن يكترث به بشار الأسد أو يتذمر واستمر بيع سوريا للإيرانيين بشكل علني وفج ، أما السبب في رفض فلأن موقع الأسد الحالي أصغر من أن يكون لديه خاصية اتخاذ القرارالرئيس في الاختيار بين المتاحات ، وقد عمل سابقا وعبر مراحل تطور الصراع الحالي في سوريا على الموازنة بين الدوريين الروسي والإيراني لضمان استمرار الدعم له ، غير أن النظام ممثلا برئيسه فقد حاليا كل قدرة على إحداث هذا التوازن أو التحكم به ، فما يمتلكه من أوراق وقوة في سوريا أقل بكثير من أن يفاضل بين دولة ترى نفسها ” عظمى ” كروسيا تجد مصلحتها الإستراتيجية في بقاءه كورقة للمناورة والضغط الآن ، وبين دولة أخرى استنفذت قواها في دعمه ،غير أنها لاتزال ترى فرصتها للمناورة وتحقيق مشروعها في المنطقة من خلال استمرار وجوده كرأس للنظام في سوريا ، فيما تحكم علاقتها بروسيا عوامل ترتبط بوحدة الهدف غير أنها تفترق في لحظة حصاد المكاسبة (المفترضة ) في المنطقة .
تغير التعاطي الإيراني بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا بذاك الحجم أدى لتغير واضح في سلوك الإيرانيين ، ودفع للاعتقاد بأن إيران باتت في حال توجس ورغبة في إثبات ذاتها ودورها في سوريا بعد التدخل الروسي العسكري واستحواذه على المشهد في سوريا فبدأنا نسمع عن أعداد قتلاها في سوريا ورتبهم بشكل رسمي وبدأت الجنازات الشعبية والتأبين الرسمي لمن تسميهم شهداء ” الجهاد في سوريا ” كما بدأت تعطى المجال الواسع للحشد والتعبير في شوارعها وعلى وسائل إعلامها حول ذلك ” الجهاد ” و تتحدث عن حجم تضحيات إيران في هذه المعركة ، وتنشرالمعلومات حول حجم الخسائر والمدفوعات الإيرانية ، فيما تحدث البعض عن نية إيرانية بإمكانية إرسال قوات عسكرية برية للقتال في سوريا ، لتقول بذلك بأنها شريك فعلي للروس الذين أثبتوا امتلاكهم للجو فيما الأرض للإيرانيين ، مايمثل حسب مراقبين توجسا إيرانيا حقيقيا من النفوذ الروسي ورغبة بحجز مكان لها ، شعور لازال يتقاطع مع مفاعيل الاتفاق النووي الإيراني ومخرجاته بالنسبة للروس وشعورهم بخسارة فرصة القبض على (عنق الايرانيين ) كما كان خلال فترة العقوبات السابقة وما أعقب ذلك اليوم من انفتاح الإيرانيين على أوروبة وأميركا إبان رفع العقوبات عنهم وخشية روسيا من تفوذ إيران لو تم له السيطرة على طريق عبور الغاز عبر سوريا إلى المتوسط ، مما سيشكل حينها خطرا على الاقتصاد الروسي المتهالك ، خلاف في المصالح ليس بالضرورة أن يؤثر على تحالف الدولتين بما يرتبط بدعم بقاء الأسد ولكنها ستؤثر بالضرورة على رغبة كل منهما بتحقيق الفائدة الأكبر لها من دعمها له.
فشلت إيران كلاعب رئيسي إلى وقت قصير في حسم الصراع في سوريا لصالح الأسد ، لعب في ذلك عوامل عدة تتعلق بطريقة إدارة إيران للمعركة وموقعها ووضعها الإقليمي والاقتصادي والعقوبات الدولية عليها ، عومل كانت بعمومها قوية حدت من إمكاناتها لحسم الأمر لصالح حليفها ، فلم تجرؤ إيران قبلا على مجرد التصريح بعدد قتلاها كما لم تصرح بطبيعة المساعدات المقدمة من جانبها للأسد ولا بنوعها وحجمها وطبيعة الدعم المقدم له لاعتبارات خارجية وداخلية ، كما أنها لم تستطع الدخول عسكريا بحرب برية مباشرة ومعلنة ضد خصوم حليفها الأسد في سوريا ، يضاف إلى ذلك وبشكل رئيس ضعف سلاحها الجوي الذي أرهقته العقوبات الدولية السابقة عليها ، ومعروف حجم ودور وقيمة هذا السلاح في الواقع العسكري الغير متكافئ في سوريا وقدرته على إحداث فرق ملموس في ظل غياب القدرة الدفاعية الجوية المطلقة لدى فصائل المعارضة ، ناهيك عن الدعم الاقتصادي الكبير المقدم من قبل طهران مقابل الامتيازات الاقتصادية الكبيرة المتاحة لها في سوريا ، ومع ذلك لم يفلح الخط الائتماني الإيراني المقدم للنظام السوري من تحقيق ضمان اقتصادي للنظام وكان تهالك قيمة الليرة السورية هو الفيصل .
كان كل ذلك متاحا وميسرا أمام الروس الذين قبضوا على اللحظة التاريخية المناسبة معتمدين على غياب وفراغ كبيرين تركهما الغياب الغربي الأمريكي خاصة عن الملف السوري ، وهي مساحة ستبقى متاحة للحركة واللعب أمام روسيا إلى حين حسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتغييرالسياسة الخارجية الأمريكية ومقاربتها للملف السوري ، وريثما تحسم الانتخابات الأمريكية لصالح أيّ الحزبين ستبقى روسيا سيدة المشهد في سوريا ترتكز في مواقفها وتحركاتها على تلك المساحة ، وعلى استمرار تناغمها مع إيران في هدفهما المشترك المتعلق ببقاء واستمراربشار الأسد ، في حين أتاحت لها التغطية النارية الواسعة التي اعتمدتها في هجومها على الأراضي السوري ضد مواقع المعارضة “المعتدلة ” بهدف سحقها دون التصريح المباشر بتلك الرغبة مستندة ظاهرياً على ادعائها بأن ضرباتها موجهة ضد مواقع داعش فقط ، لترك مساحة مناورة أمامها من خلال إبقاء خط للحوار مع فصائل المعارضة العسكرية ، وهو ما أفصحت عنه موسكو مؤخراً بقولها أنها تتواصل مع قائمة في المعارضة المسلحة مكونة من أكثر من 30 فصيلاً. كما تجدر الإشارة إلى أن التدخل الروسي الناري الواسع دفع المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات مغايرة عن الإستراتيجية السابقة لها ، مفردات وعناصر مشهدية مختلفة تجعل من روسيا سيدة الصراع الحالي في سوريا فيما تضع إيران في مرتبة التابع ليس غير ، ولن تستطيع ضمان نفوذها السياسي والاقتصادي في سوريا مستقبلاً بالشكل الذي تظن موسكو بأنها تضمنه لنفسها اليوم من خلال تدخلها العسكري السافر بذلك المستوى وعبثها بعناصر المشهد السوري لصالح نظام الأسد رغم ماقدمته إيران من خدمات ليست بالقليلة لصالح مشروعها التوسعي الاستحواذي في المنطقة ليبقى المشهد السوري بكل مايعتريه من فوضى مفتوحا على تدخلات ومقاربات أخرى قد لاتكون نتائجها ضمن أي من تلك الحسابات لكلا الدولتين .