Archived: رامي كوسا: (السوري القومي الاجتماعي).. ندّ لـ (البعث) أم شريكٌ له؟

رامي كوسا: السفير

بعدما نجحت انتفاضة الاستقلال في إنهاءِ حالة الانتداب على سوريا وطردِ آخر محتلٍ فرنسيّ خارج أراضيها العام 1946، دخلت البلاد مرحلة فوضى سياسية تمثّلت بعقدٍ ونصفِ العقد من الانقلابات العسكرية، بدأها حسني الزعيم العام 1949 وانتهت بانقلاب «البعث» العام 1963.
في زمن الانقلابات كُتبت دساتيرُ كثيرة، وعرفت سوريا أنظمة حكمٍ بعضها نيابيّ وبعضها الآخر رئاسيّ، وباستثناء نظامَي شكري القوّتلي وجمال عبد النّاصر (في عهده دُعيت سوريا بالإقليم الشماليّ للجمهورية العربية المتحدة)، لم تعرف البلاد فريقاً حارب التعدديّة السياسيّة كما فعل حزب «البعث العربيّ الاشتراكيّ» الّذي أعلن نفسه قائداً في الدولة والمجتمع، بُعَيْد انقلاب 1963، وقزّم الحراك السياسيّ في البلاد وجعله يقتصر على «جبهةٍ وطنيّة تقدميّة» يشكّل «البعث» نصف أعضائها زائداً واحداً، وجملةِ أحزابٍ يمكن أن نُصنّف نشاطها ضمن فئة «المعارضة الناعمة» الّتي لا تُثير قلق السّلطة، إضافةً إلى أحزابٍ محدثة وشبابية عرفت طريقها إلى الخريطة السياسية بعد صدور قانونِ الأحزاب الجديد العام 2011، إلّا أن نشاطها السياسيّ ظلّ خجولاً ومحصوراً بالهوامش الضّيقة الّتي يأذن بها الفريق السياسيّ الحاكم.
بعيداً عن السياقات السابقة جميعها، يبرز «الحزب السوريّ القومي الاجتماعيّ» كفريقٍ سياسيّ وازن في سوريا، وذلك برغم أنّ ولادته الثانية تأخّرت حتّى العام 2005 (يعود تأسيس الحزب إلى العام 1932، لكنْ تمّ حظر نشاطه في سوريا العام 1955 على خلفيّة اتهام أحد أعضائه بقتل العقيد عدنان المالكي).
عواملُ كثيرة تجعل الحزب «السوريّ القوميّ الاجتماعيّ» مؤهّلاً، وبشدّة، كي يكون فاعلاً في الحياةِ السياسية الّتي سوف تعيشها سوريا بعد انتهاءِ الحرب، ولولا أنّ مصادر تمويل الحزب، على مستوى المركز والأمانة العامّة، لا زالت تُشكّل علامة استفهام حولَ استقلالية عمل القومي وإخلاصه للتاريخ النضالي لمؤسسه الأوّل أنطون سعاده، لأمكننا أن نعتبر أن الحزب خصم غير سهلٍ لـ «البعث» على مستوى الحياة السياسية في سوريا.
يتباهى «البعث» بتاريخه النضاليّ ضد الكيان الصهيونيّ، وهذا امتيازٌ لا ينكره أحدٌ عن الحزب العروبيّ، لكنّ القوميين، أيضاً، يملكون تاريخاً نضالياً صدّر أعلاماً لن ينساها السوريّون، وليست سناء محيدلي، كما خالد علوان، إلّا غيضاً من فيضِ شهداء الحزب الّذي لم يدّخر جهداً في دعمِ كلّ أشكالِ المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيليّ في فلسطين ولبنان وسوريا، وعلى مستوىً موازٍ لا يستطيع «البعث» أن يستثمر كتائبه، الّتي تقاتل اليومَ إلى جانب الجيش السوري، لتسجيل امتيازٍ سياسيّ على خصومه جميعهم، فـ «القوميّ» أيضاً لم يتردّد في جعل جناحه العسكريّ، المتمثّل بـ «نسور الزوبعة»، ينخرط في الحرب إلى جانب الجيش الّذي يقاتل على اتّساع البلاد.
أساسُ إصرار «البعث» على تهميشِ خصومه يعود إلى نقطتين خلافيتين رئيستين، الأولى عملانية وتتمثّل برفضِ صقورِ الحزب تقاسمَ مقاليد السلطة مع أيّ فصيلٍ سياسيّ آخر. فهؤلاء لا يزالون، وبرغم من حذفِ المادة الثامنة من دستور البلاد، يتصرّفون بصفتهم أصحابَ نفوذٍ في الحزبِ القائد للدولة والمجتمع. أمّا النقطة الثانية فهي فكريّة تتعلّق بإصرار البعثيين على اعتبار جميع السوريين جزءاً من الأمّة العربية، وهذا ما بات مرفوضاً من قبلِ شريحة لا بأس بها من الشعب بعدَ خمسِ سنواتٍ من الحرب (في الوقت الّذي يُشيطن فيه قسمٌ من السوريين إيران، ومن خلفها «حزب الله» وبعض الفصائل العراقية الموالية لطهران، يُحمّل طيفٌ آخر منهم، أي من السوريين، العربَ مسؤولية تمويلِ وتسليح فصائلَ شاركت في قتلِ المدنيين وعناصر الجيش ويعتبرون أنّه لم يعد هناك ما يبرّر انتماء سوريا إلى «الأمّة العربية»)، وضمن هذا السّياق يبدو تنظير «القوميين السوريين» لــ «أمّة سوريّةٍ تامّة» بديلاً نظرياً مناسباً لطيفٍ شعبيّ تنبّه، متأخّراً، إلى تعدديّته التي ذوّبتها الشمولية الّتي اختصرت السوريين بالعرب وحدهم فظلمت المكوّنات غير العربية في البلاد كالكورد والآشوريين والآراميين والسوريانيين والأرمن وغيرهم. وهنا تـُظهِر عقيدة «القوميّ السوري» انفتاحاً مضافاً على السوريين بجميع أصولهم وانتماءاتهم، باستثناء اليهودِ منهم، مزيلةً أيّ تمايزٍ بين السوري العربيّ والسوريّ غير العربيّ.
يغمز بعضُ العارفين بالشأن السياسي الداخليّ إلى أن «القومي السوريّ» آخذٌ بالتحوّل إلى واجهةٍ حزبية لذرّ الرماد في عيونِ المشتكين من الشموليّة الّتي فرضها «البعث». يعزّز هؤلاء افتراضهم بالحديث عن مجاهرة الحزب بدعم الرئيس بشّار الأسد، وهذا ما يُمكن أن يوحي بأنّ القوميّ لم يعد يغرّد خارج سرب السّلطة، وأنّه بدأ يتحوّل إلى فصيلٍ سياسيٍّ «مرضيٍّ عنه» سلطوياً، وهو ما يفسّر تصالح الحزب القائد مع تنامي شعبية «القوميّ السوريّ» الّذي يتبنّى عقيدة تتنافى مع شعارِ الأمّة العربية الواحدة، وتتعدّى ذلك إلى حدِّ تقديم مقاربةٍ سياسية تنعى مشروع العروبة في سوريا (راجع مقالة «العروبة أفلست» لأنطون سعاده) وتُنظّر لأمّةٍ لا تعترفُ بانتماءٍ واحدٍ يجمع العرب بل بانتماءٍ واحدٍ يجمع السوريين فقط (راجع مقالة «حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الحقيقية» لأنطون سعاده).
بعضُ المصادر تُشير إلى أنّ الحزب، بما فيه من عسكرةٍ وإعلام ونشاطٍ سياسيّ ودعائيّ، بات يموّل نفسه اعتماداً على رؤوس أموالٍ محسوبةٍ على السلطة الحاكمة في سوريا، الأمر الّذي يُمكن أن يُصرَف سياسياً، إنْ ثبتت صحّته، بصورةٍ يصير فيها اشتغال «القومي» على تحقيق هدفه الرئيس بتوحيد الأمّة السورية أقربَ ممارساتٍ نظرية لا تشوّش على شعارات «البعث» الّذي لا يزال، حتّى اللحظة، يُصرّ على وجودِ أمّةٍ عربيّة واحدةٍ تمتدّ من المحيط إلى الخليج.
لقد ساهمت التوقيفات العرفية والأحكام التعسفيّة، خلال العقودِ الخمسة الأخيرة، في هجرةِ طيفٍ واسعٍ من المعارضين السوريين خارجَ البلاد. ولعلّ جزءاً يسيراً من مسببات الحرب الّتي نعيشها اليوم يعودُ إلى غيابِ منظّماتٍ سياسية (أحزاب واتحادات وحركات) قادرةٍ على احتضانِ الشريحة الشعبية المناوئة للحكومة وتوجيهها، لئلّا تخرج عن سكّة العمل الوطنيّ. مُحدّدات المشهد تبدو في طريقها إلى تغيّرٍ يُدلّل عليه حجم الحراك الدولي المُشتغل على عقدِ وساطاتٍ بين الأطراف المتنازعة بهدفِ إطلاقِ صافرة البداية لحلّ سياسيّ للأزمة السورية، الأمر الّذي قد يخلق مناخاً ملائماً لولادةِ تيّارات سياسيةٍ وفكرية مختلفة، ربّما ينجح بعضها، بصورةٍ منفردةٍ أو عن طريق الانخراط في تحالفاتٍ مع قوىً سياسية أخرى، في كسر الجمودِ الّذي فرض على السوريين.
إن التغيير السياسيّ في سوريا آتٍ. هذه حقيقةٌ يجب أن يتنبّه إليها القيّمون على «الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعي»، علّها تُذكّرهم بضرورة الالتزام بخريطة العمل السياسيّ الّتي رسمها أنطون سعاده، والتخلّصِ من كلّ الملاحظات المسجّلة على سلوك الحزب في الوقت الرّاهن.