Archived: د. حبيب حداد: المسألة السورية في منظار المجتمع الدولي والمعارضات السورية

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

تطرح الأحداث والتطورات المتسارعة المتعلقة بالمسألة السورية اليوم العديد من الهموم والتساؤلات الملحة التي تتعلق بمصير وطننا كدولة ومجتمع  وكيان موحد . ومما يضاعف من اهمية وحيوية تلك التساؤلات ما نشهده على الصعيد الدولي من حراك مكثف بشأن التوصل الى توافق وحل لهذه المسألة بين الأطراف الدولية المعنية  ,وفي غياب شبه تام  للطرف صاحب القضية ألا وهو الشعب السوري .

لقد أصبحت المسألة السورية في واقع الحال ومنذ اربع سنوات على الأقل قضية دولية بامتياز,هذا أمر لايجادل فيه اثنان كما نعتقد ,وذلك بعد ان انخرطت فيها دول الأقليم والاطراف الدولية الفاعلة ,كما اصبحت الآن على رأس القضايا التي تواجه الأمم المتحدة ممثلة بمجلس الأمن الدولي . كل المراقبين المحايدين الذين يمتلكون الحد الأدنى من النظرة الموضوعية للأمور يتفقون ان هذا المآل الذي انتهت اليه الانتفاضة السورية السلمية انما كانت اسبابه الرئيسة :عسكرة هذه الانتفاضة أساسا , ومسؤولية النظام الأولى في ذلك , ومن ثم عجز أحد الطرفين , اي النظام والمعارضات المسلحة عن حسم هذا الصراع لصالحه ,والذي تحول فيما بعد الى حرب اهلية مذهبية مدمرة بأبعادها الاقليمية والدولية الراهنة . وقد حدث كل هذا في الوقت الذي أخفقت فيه كل الأطراف المعنية بالشان السوري :الداخلية والاقليمية والدولية, في التوصل الى حل سياسي تفاوضي يضع حدا للمأساة السورية ويلبي الحد الأدنى من تطلعات الشعب السوري التي انطلقت من أجلها ثورته بالإنتقال من واقع القهر والتهميش والاستبداد الى آفاق الحياة الحرة الديمقراطية الكريمة .

تساؤلات لابد ان كل مواطن سوري اليوم ,سواء كان داخل الوطن أم في الشتات , يطرحها على نفسه وهو يتابع الجهود الدولية المحمومة والهادفة الى التوصل الى تسوية مقبولة من اطرافها . تسوية تتناول حاضر سورية ومستقبلها وتكون على الأغلب جزءا من تسوية شاملة , أو ذات علاقة مباشرة بالحلول المطروحة لقضايا المنطقة كلها, التي تهم تلك الأطراف الدولية الفاعلة . لا بد لنا وقبل استعراض عام لمواقف الدول والاطراف التي تقف الى جانب النظام ,وتلك التي ادعت أو صنفت من قبل المعارضات السورية في الخارج وفي مقدمتها المجلس الوطني ومن بعده الإئتلاف الوطني , على أنها اصدقاء الشعب السوري ,أن نتوقف عند مواقف المعارضات السورية تجاه الأحداث الأخيرة المتمثلة بالتدخل الروسي المباشر ومختلف المواقف التي أثارها ,وبالحراك الدولي الذي أعقبه والذي يعتبر بلا شك مرحلة نوعية ومستجدة في مسار الأزمة السورية .

لقد واجه العديد من اطراف المعارضة السورية الداخلية والخارجية وخاصة منها تلك التي اعطت لنفسها صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري تلك التطورات ,مع الأسف ,بنفس المواقف التي درجت عليها طوال السنوات الأربع الماضية والتي ترجع الى رؤية قاصرة والى منطق ردود الفعل عندما دعت بعد التدخل الروسي المباشر الى النفير العام والى توحيد صفوف مجموع الفصائل العسكرية المقاتلة بما فيها داعش وجبهة النصرة وأضرابهما ,أي ان الدعوة لم تقتصر على كتائب الجيش الحر , لمواجهة الغزو والاحتلال الروسي …., أما البعض الأخرفقد تجاوز واقع ومعضلات تلك المعارضات الذاتية التي حالت دون ان ترتفع الى مستوى مسؤلياتها الوطنية طوال السنوات الأربع الماضية  وفي مقدمتها غياب وحدة الرؤية السياسية لديها ووحدة برنامج عملها , وافتقادها للقرار الوطني المستقل ,وارجع هذا البعض اسباب فشل المعارضات الخارجية الى عامل وحيد هو عدم منح القيادات السياسية لمؤسسات المعارضة الخرجية الفترة الكافية لكي تمارس دورها وتنمي خبراتها وتطور كفاءاتها وتوسع من معارفها وعلاقاتها على الصعيد الدولي ….ولعل أشد ما يحز في نفس المواطن السوري وما يصدم حسه الوطني العقلاني البسيط , مواقف بعض تلك الأطراف والشخصيات التي كانت او ماتزال تنسب نفسها الى اليسار الماركسي والثوري التي تبنت نفس المواقف ورأت ان السبيل الوحيد لتحرير سورية من الاحتلال الروسي  وحلفائه , أي النظام وايران وحزب الله وبقية الجماعات الطائفية الأخرى ,هو توحيد كل المجموعات الارهابية المسلحة على الأرض السورية وقيام جبهة من جميع الدول الاقليمية المساندة لها ودعوتها الى التدخل المباشر في الحرب الدائرة على امتداد الجغرافيا السورية   ,اذ من خلال تنفيذ هذه الاستراتيجية التي يدعو لها يمكن تحرير سورية وصيانة وحدتها وبناء النظام الديمقراطي العلماني البديل الذي قدم الشعب السوري من اجله كل تلك التضحيات الغالية ,والذي هو أعز اهداف تلك الدول الاقليمية التي يناشدها بسرعة التدخل المباشر لانقاذ سورية ؟؟؟ كان المواطن السوري ومايزال يتساءل : هل اصبحت المعارضات السورية في ضوء تجارب السنوات الماضية أدرى وأسلم وعيا بطبيعة العلاقات والمصالح الدولية التي تحركها في هذه المنطقة من العالم ؟

لكن مايبدو حتى الآن ,ونحن هنا لا نقصد اعطاء صورة سوداوية متشائمة لواقع الحال بقدر ما يهمنا تشخيص الواقع الموضوعي وادراك حقائقه التي هي حجر الأساس لبناء كل موقف صحيح ,و مايمكن استنتاجه اليوم ان معظم مجموعات المعارضة الخارجية ,بغض النظر عن النوايا والدوافع الوطنية من غيرها ,انما تواصل ,سواء على صعيد المواقف أم على صعيد الممارسة ارتكاب نفس الأخطاء والخطايا التي راكمتها طوال السنوات الأربع الماضية عندما انساقت وراء عسكرة الإنتفاضة والانخراط في اجندات الأطراف والأنظمة الاقليمية والدولية .ومن وجهة نظرنا ان هذا المسار الخاطئ والمدمر الذي سلكته معظم اطراف المعارضة الوطنية السورية انما يعود تأسيسا الى عاملين رئيسيين أو خطأين فادحين يتعلقان بطبيعة الوعي والرؤية السياسية :أولهما عدم الثقة والايمان بقدرة الشعب السوري على تحقيق اهداف ثورته بأسلوب الحراك الشعبي السلمي ,وتصميمه على انتصار هذا الخيار مهما تطلب من تضحيات ,باعتباره الأسلوب الوحيد الذي يكفل صيانة وتصليب وحدته الوطنية واكتساب تأييد ودعم شعوب أمته ,وكل قوى التقدم والحرية في العالم أجمع ,وثانيهما المبالغة في تقدير قوة نظام الاستبداد والتخلف والفساد وتصورعدم امكانية قهره, في استناء لمصير كل الأنظمة المشابهة التي انتهت على صعيد العالم كله خلال العقود الثلاثة الماضية .

لقد ادى هذا المسار كما هو معلوم الى دفع الانتفالضة في طريق مسدود ,وفاقم في أزمتها وفسح المجال بآلية ردود الأفعال لانتعاش الحركات المذهبية والطائفية والارهابية سواء منها التي تقف الى جانب النظام ام تلك التي تواجهه ,.حركات وقوى متخلفة أضحت تهدد الوجود الوطني ككل ’,وتجهز على كل القيم والانجازات الحضارية التي جسدها شعبنا على امتداد تاريخه القريب والبعيد ,وأدت بالنتيجة الى جعل الارهاب الخطر الأول الذي لا يهدد شعوب المنطقة فحسب وانما العالم كله .

وفي مقاربتنا لمحاولة استجلاء مواقف مختلف اطراف المجتمع الدولي الفاعلة وذات التأثير المباشر أو غير المباشر في المسألة السورية, في هذه المرحلة , فإن هذا الموضوع يطرح علينا ثلاثة اسئلة مترابطة . أولها ماهي طبيعة مواقف تلك الأطراف الدولية من المسألة السورية  في ضوء استراتجية كل منها ومصالحها في هذه المنطقة من العالم ؟ .وثانيهما هل عرفت مواقف تلك الدول  تغيرا ملموسا ,سلبا أم ايجابا فيما يخص قضيتنا الوطنية ,خلال السنوات الماضية من عمر الأزمة السورية ؟.وثالث هذه الأسئلة هو هل يمكن لنا نحن السوريين أن نعول على مواقف تلك الأطراف الدولية  وتقاطع استراتيجياتها في دعم كفاح شعبنا من اجل تحقيق مطالبه في الحرية والديمقراطية والتقدم ؟.

لقد وقفت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ادارة اوباما ,موقفا واضحا وثابتا من قضايا الشرق الأوسط بصورة عامة ومن المسألة السورية بصورة خاصة , ,لا كما يعتقد بعض الواهمين وقصيري النظر بأن الادارة الامريكية قد نكثت بعهودها وتخلت عن التزاماتها التي قطعتها تجاه الشعب السوري وان سياستها من الأزمة السورية تتسم بالتردد وعدم الحسم وخذلان أصدقائها,او ان ادارة أوباما قد عقدت صفقة مع ايران بعد الاتفاق النووي  لتقاسم النفوذ في المنطقة  ,او انها تتراجع وتنسحب امام الاندفاعة الروسية الأخيرة ؟؟؟ هناك ثوابت وأولويات في السياسة الامريكية التي تستهف خدمة مصالحها بالدرجة الأولى في هذه المنطقة ومصالح اسرائيل وامنها ,والتباين في سياسات الادارات الأمريكية الخارجية المتعاقبة تعود الى الاسلوب الذي يتبعه كل رئيس في ادارة و تنفيذ تلك السياسية . ادارة أوباما اعلنت منذ مجيئها انها ستسحب قواتها من أفغانستان والعراق وأنها لن ترسل قوات مقاتلة للخارج وتكتفي بالدعم عن طريق الخبراء والمستشارين والمعونات اللوجستية لكل الدول والأطراف التي تخدم استراتيجيتها , هكذا يمكن تفسير مواقفها من المسألة السورية ومن الحرب في اليمن ومن الاتفاق مع ايران بأنها تتبنى الحلول الديبلوماسية والسياسية للصراعات والأزمات في المنطقة انطلاقا من تحديد هذه الادارة للأسباب الحقيقية لمشاكل هذه المنطقة ,ففي تعاملها مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية اعلن أوباما وفي اكثر من مناسبة لأصدقائه الخليجيين الذين كانوا ينتظرون امكانية توريط حليفهم الأكبر بأن الاخطار والتحديات الأساسية التي تهدد هذه الأنظمة ليس مصدرها الخارج مثل ايران وغيرها ولكن مصدرها الأساس هو مجتمعات تلك الأنظمة نفسها بسبب غياب ابسط الحريات وحقوق المواطن الأساسية ,وهناك عامل آخر يسهم في تحديد طبيعة السياسات الأمريكية  في منطقة الشرق الأوسط هو تراجع اهمية هذه المننطقة في سلم أولوية السياسة الأمريكية التي تركز الآن على منطقة الشرق الأقصى وماتمثله الصين من نمو وتحد متسارع ,من جهه وبعد الاكتشافات الأخيرة لكميات النفط الكبيرة في ا لولايات المتحدة وخليج المكسيك من جهة ثانية , لانعتقد ان هناك اليوم تباينات اساسية في دول حلف الناتو من مسألة الحل السياسي للأزمة السورية اذا استثنينا موقف فرنسا من موضوع توقيت رحيل النظام, قبل المباشرة بالمرحلة الانتقالية أو خلالها والذي اصبح الآن اقرب الى الموقف الأمريكي بأن هذا الرحيل يمكن ان يتم في فترة ما من المرحلة الانتقالية ,أما تركيا بوصفها عضوا في الناتو فما زالت تراهن مع قطر والسعودية على ضرورة التدخل المباشر الى جانب المجموعات المسلحة على الأرض وما زالت تكرر مواقفها ومطالباتها بضرورة قيام منطقة آمنة في الشمال السوري في الوقت نفسه الذي تنطلق فيه في كل تصرفاتها من ان الخطر الأول الذي يهددها هوخطر قيام الادارة الذاتية التي يشرف عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سورية .وكما يجمع معظم المراقبين المحايدين فان جميع اعضاء دول الناتو اضافة الى قطر والسعودية ستلتزم بالموافقة على الحل السياسي الذي قد تتوصل اليه روسيا والولايات المتحدة في قادم  الأيام ,

لا شك ان الخطوة النوعية الروسية الأخيرة قد وضعت جميع الأطراف المعنية بالشأن السوري أمام معطيات جديدة واربكت معظم تشكيلات المعارضات السورية التي سارعت وقابلتها بالرفض والادانة استجابة لمواقف الدول التي ترتبط بها, ونكاد نجزم ان هذه الأطراف لا تعي حتى الآن حقيقة مواقف الدول التي تحركها والتي من المنتظر ان تتبدل انسجاما مع الموقف الأمريكي من مضمون التسوية المطروحة .

سيظل التدخل الروسي المباشر الأخير, المحور الرئيسي لكل الجهود الدولية خلال الأشهر القادمة ومدى تقاربها بشأن صيغة الحل السياسي الذي سيتم التوصل اليه للأزمة السورية وفي هذا السياق سيكون لروسيا الدور الأكبر في الزام ايران وحليفها النظام السوري بتنفيذ ما يخصهما في بنود هذا الاتفاق  كما ينبغي ان ندراك ان في مقدمة الاسباب التي مهدت الطريق امام امكانية هذا التوافق هوقناعة المجتمع الدولي المشتركة بان خطر الارهاب لم يعد محصورا في هذه المنطقة وانما اصبح خطرا شاملا يهدد الأمن والاستقرار العالمي ويحتل الأولوية في اهتماماته .وضمن هذا الأفق ,أفق التوافق الدولي المنتظر كما نعتقد, ينبغي التعامل مع جهود الأمم المتحدة ومبادرات مبعوثها الخاص السيد دي ميستورا .

ان الأشهر القليلة القادمة تعتبر مرحلة مصيرية حاسمة بالنسبة لمصير سورية ومستقبلها ,ان لم نقل بالنسبة للمنطقة كلها .والغائب في معترك هذه الجهود الدولية المتسارعة هو الطرف صاحب القضية – الشعب السوري – لعدم وجود الجهة أو الهيئة التي تجسد ارادته وترفع صوته .

فهل تستطيع القوى الوطنية الديمقراطية السورية الحقيقية ان تتجاوز واقعها وتتدارك تقصيرها فتكون في مستوى هذا التحدي وتبادر الى تحمل مسؤولياتها ,

اقرأ:

د. حبيب حداد: أزمة المعارضات السورية بين مواقف ردود الفعل وافتقاد الرؤية الواضحة