Archived: نيويورك تايمز: بوتين، شيخ سوريا

نيويورك تايمز: ترجمة مركز الشرق العربي

عندما تطلق بلدك حملة جوية مفاجئة في مكان بعيد, فإنك بصورة طبيعية سوف تطرح أسلئة حول الأهداف والتكاليف والتبعات. ولكن من الواضح أنها ليست الطريقة الروسية. منذ أن بدأ الكرملين بحملة القصف في سوريا, سألت الناس هنا عما يعتقدونه حول فورتنا في الشرق الأوسط الممزق الذي تسوده الفوضى ولكن دون جدوى. الموضوع مطروح هنا, ولكن ليس بالطريقة التي تعتقدونها.
بالنسبة لمعظم الروس, فإن النقاش حول الحكمة من الغرق في صراع طائفي يبعد  مئات الأميال ليس أمرا مثيرا يستدعي ببساطة مشاهدة الصور التلفزيونية للسفن التي تطلق صواريخ كروز في الظلام. في حين أنني غير قادر على معرفة الأثر الذي تتركه القنابل والصواريخ الروسية على الناس في سوريا, فإنني أعرف أن الإعلام هنا في روسيا يثير الرعب, ليس بين أبناء بلدي فقط, فالتلفزيون الروسي التابع للدولة يقول للناطقين بالروسية إن العالم انتهى. اللقطات المثيرة للصور العسكرية أصبحت عنصرا أساسيا من عناصر البرمجة الموجهة, وجزء لا يتجزأ من العملية في سوريا. (حتى الشهر الماضي, أبقى القتال في أوكرانيا الناس متسمرين أمام الشاشات, ولكن الحكمة القديمة لا زالت صحيحة :”بعيد عن العين, بعيد عن العقل”). 
بدلا من ذلك, أشخاص مثل زاخر بربلين, صاحب أكثر الروايات مبيعا واليساري, تحول مرة أخرى إلى متحمس لبوتين, وأصبح يفضل نظم الشعر حول مدى وسعة النفوذ الروسي. حيث كتب في مدونته مؤخرا ::” تخيلوا أي نوع من المشاعر المختلطة تشعر بها بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي حول المدى الذي انطلقت منه الصواريخ من بحر قزوين”. على الرغم من أن قصة خيانة جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة لروسيا سائدة بين البسطاء من الناس, إلا أن كلماته, التي كان يعني بها أولا وأخيرا أوكرانيا, كلمات نموذجية بين المعلقين الأكثر موالاة للكرملين.
قال مشيرا إلى إطلاق صواريخ كروز من السفن الروسية الموجودة في بحر قزوين التي استهدفت سوريا على بعد أكثر من 900 كم:”إنها لفتة رائعة, نوع من رسائل “السلام للعالم”, علامة مرسومة على بحر قزوين بأصابع غير مرئية”.
على ما يبدو فإن هذا التعليق لا معنى له في سياق نظرة الكرملين الملتوية للعالم. إنها جزء من رد الرئيس فلاديمير بوتين الفاشل للغربيين الذين قالوا إن روسيا هي عبارة عن قوة إقليمية في حالة هبوط. من خلال تصرفه في سوريا – التي تم التأكيد عليه من خلال اجتماعه مع الرئيس بشار الأسد هذا الأسبوع- فإن بوتين يعلن بوضوح وقوة بأن روسيا لا زالت تحافظ على دور ديناميكي في الجغرافيا السياسية. تحت ستار إجراء دستوري, فقد أعطاه البرلمان الروسي سلطة مطلقة, ووافق على الإجراءات التي تسمح للقائد العام للقوات المسلحة باستخدام الجيش “خارج أراضي الاتحاد الروسي على الأسس والمبادئ والقيم التي يقبلها القانون الدولي”. هذا الإجراء غير محدد بمنطقة جغرافية معينة ولا يذكر سوريا تحديدا.
هذا الإغفال واضح جدا. في تغطيتها المكثفة للحرب السورية,بالكاد تذكر وسائل الإعلام الروسية التابعة للدولة – وهي النوع الوحيد تقريبا المتوفر للروس- الانقسامات العرقية أو الدينية أو دوافع الجهات الراعية لمختلف الأطراف المتقاتلة. مصطلح “داعش” عادة ما يستخدم دون تمييز باعتباره  طائفة مشتركة بين جميع المجموعات المتقاتلة.
قال بوتين على التلفزيون الروسي في 11 أكتوبر :” لانرى أي فرق بين الشيعة والسنة”. هنالك الكثير من الطرق التي تستخدم في هذا التجاهل المتعمد. بالنسبة لبوتين, فإن حقيقة أن المجوعات المتقاتلة ربما تحظى بدعم الغرب والسعوديين أو الإيرانيين ربما ينتقص من النقطة الرئيسة التي يريدها. عبر التظاهر بتجاهل هذه الفروقات فإنه يستخدم المسرح العالمي لإظهار أكثر المواضيع المحلية الرئيسة بالنسبة له – وهو أن أي نشاط تقوم به أي منظمة لا تحظى بموافقة الدولة فإنه يكون معاديا للسلطة القائمة. 
كما أكد مرارا وتكرارا, فإن جميع المنظمات, حتى الدينية, تتلقى تمويلا أجنبيا ولديها أجندات خارجية. هؤلاء الوكلاء لا يمكن إلا أن يكون لديهم هدف نهائي واحد وهو تغيير النظام. هدفهم في سوريا هو إسقاط الأسد, كما هو حال المنظمات غير الحكومية في روسيا التي تسعى إلى إسقاط بوتين. بالنسبة لرئيسنا, ليس هناك أي فرق بين أحرار الشام أو جبهة النصرة أو داعش ( أو منظمة السلام الأخضر أو منظة العفو الدولية). وليس هناك وراءهم  سوى التمويل الأجنبي والنوايا الشريرة. 
من خلال انحيازه إلى جانب الأسد, فإن رئيسنا يكون قد خلق “الشيخ بوتين”, الصديق النبيل الذي جاء لمساعدة الحكام العلويين الذين يقبعون تحت حصار المتمردين السنة. لقد جعل من روسيا حليفا شيعيا بحكم الواقع ولكن يبدو أنه لا يأخذ الانقسامات الطائفية بصورة جدية, وذلك بسبب نظرته التي تركز على الدولة كمحور لجميع الأمور. قال في مقابلة أجراها معه التلفزيون الروسي مؤخرا :” إننا لا ننوي الدخول في أي قتال ديني. لدينا هدف واحد فقط: وهو دعم الحكومة الشرعية”. حقيقة أن معظم المسلمين في روسيا هم من السنة لا يبدو أنها تشكل أي إزعاج بالنسبة له. يبدو أنه يعتقد أنه حالما يتم استبعاد جميع الجهات الفاعلة من غير الدول أو تصبح تحت سيطرة الحكومة فإن جميع المخاطر التي تهدد النظام السوري سوف تزول.
في روسيا, وبعد 15 عاما تحت قيادة بوتين, فإن جميع أشكال الثقافة السياسية تدور حول الدولة. إنه يتصرف في الشرق الأوسط كما لو كانت المنطقة إقليما روسيا آخر, فيه مشاكل وهو  بحاجة إلى الانصياع إلى الدولة المركزية. لا يسعفني الاعتقاد بأن بوتين يرى دور روسيا في سوريا وكأنه صورة معكوسة لما حاول الرئيس بوش فعله في العراق. ولكن في حين أكدت  الولايات المتحدة أن الديمقراطية هي علاج ناجع للجميع, فإن بوتين يدفع باتجاه الوصول إلى دولة استبدادية كدواء ناجع لجميع العلل التي تعاني منها هذه المنطقة المضطربة

اقرأ:

نيويورك تايمز: بوتين يريد إنشاء “سوريا الصغيرة” للأسد