Archived: عمر كوش: تحّولات تركيا… ما الذي حدث وماذا سيحدث؟

عمر كوش: الحياة

حين وصلتُ إلى تركيا منذ ما يقارب الأربع سنوات، هرباً من قمع النظام الأسدي وبطشه، أصبتُ بالصدمة والدهشة مما حقَقَته في مختلف المستويات، وهي شكلت مثالاً ونموذجاً بالنسبة إليّ، وإلى العديد من الهاربين السوريين من جحيم نظام الأسد، من حيث استقرارها السياسي والأمني والاقتصادي، فضلاً عن قربها الثقافي والاجتماعي، والإحساس بعدم الغربة عن الأتراك الذين تجمعنا بهم روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة والدين، حتى أن بعض السوريين في تركيا كان يعبّر عن أحاسيسه بالامتنان والرضا جهاراً، وبأنه بدأ يشعر، للمرة الأولى، بأنه إنسان كريم، ومرحب به في هذه البلاد، التي يقال إنها جنة الله على الأرض. تركيا اليوم، تبدو مختلفة على المستوى السياسي، خصوصاً بعد تفجيري أنقرة الإرهابيين، اللذين ضربا قلب العاصمة السياسية للبلاد، في وقت تستعد فيه لانتخابات مبكّرة في الأول من الشهر المقبل، وتعيش حالاً من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، نتج عنها مشهد سياسي غائم، ينبىء بتحولات سياسية كبرى.

وتعود بداية عدم الاستقرار السياسي إلى أحداث «غيزي بارك»، التي جرت في منطقة تقسيم باسطنبول عام 2013، حيث لم يخطر في بال رئيس الوزراء التركي آنذاك، رجب طيب أردوغان، المطمئن إلى إنجازاته ونجاحاته الاقتصادية، أن يخرج الشباب الأتراك، من الجنسين، إلى ساحات اسطنبول وعدد من المدن التركية، احتجاجاً على سياساته، وأن يطالبه بعضهم بالاستقالة، فالرجل صاحب إنجازات ومشاريع اقتصادية كبرى، ليس آخرها مشاريع عملاقة، تتجاوز موازنة 21 مشروعاً اقتصادياً منها مجموع موازنات 130 دولة في العالم.

لم يأبه جمهور الشباب المحتجين، الذي خرج إلى «ميدان تقسيم»، بالإنجازات الاقتصادية ونسب التنمية المرتفعة، ولم يكن العامل الاقتصادي، أو المعيشي، دافعه للإحتجاج، إنما خرج في البداية مستنكراً اقتلاع أشجار حديقة «غيزي» في ساحة تقسيم، بغية تحويلها إلى كتل اسمنتية لبناء مشاريع سياحية. وحين ووجه بقسوة رجال الشرطة، راح يستحضر جملة الإشكاليات التي يأخذها على الحكومة، وامتعاضه من تصرفاتها وسياساتها، وعقد العزم على المضي في احتجاجه مع انضمام قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى، التي أسهمت في امتداد الاحتجاجات إلى مدن رئيسية أخرى، مثل العاصمة أنقرة وأزمير وأضنة وسواها، ولم يخل الأمر من أعمال تخريب لممتلكات عامة وخاصة، بالتزامن مع دخول أحزاب المعارضة التركية ساحات الاحتجاج، فهي تُمارس على الدوام نوعاً من «فقه النكاية» ضد أردوغان وحزبه وما يمثل، فالتحقت بحركة الاحتجاج مستغلة غضب المحتجين، كي تجيره لحساباتها الانتخابية والدعائية، إضافة إلى بروز دور بعض العناصر اليسارية واليمينية المتطرفة، وبعض من ينفذون أجندات النظامين السوري والإيراني.

أما الحدث المفصلي الآخر، الذي مرّت به تركيا أخيراً، فهو نتائج انتخابات السابع من حزيران (يونيو) 2015، أي بعد عامين من أحداث «غيزي بارك»، التي أظهرت أن خيار الناخب التركي في المرحلة الراهنة هو خيار تعددي، لذلك لم يمنح الأتراك حزب العدالة والتنمية الحاكم فرصة أخرى، ليحكم البلاد بمفرده، بل دفعوا الأحزاب إلى تشكيل حكومة ائتلافية، لم يكتب لها التحقق.

الخيار التعدُّدي

ولعل وجاهة الخيار التعددي، تجد أسبابها في أن الفوز المتكرر لحزب العدالة والتنمية في أكثر من انتخابات، محلية وتشريعية ورئاسية، دفعت قادة الحزب وأنصاره إلى الاعتقاد بأنهم الوحيدون المؤهلون لقيادة البلد، وزاد من ثقتهم بشكل جعلهم يغفلون عن حل بعض مشكلاته السياسية والاقتصادية والثقافية، علماً أن هذا الحزب يحكم تركيا منذ أكثر من 13 عاماً، إذ فاز، منذ تأسيسه في 14 آب (أغسطس) 2001، بأربعة انتخابات عامة، في أعوام 2002، و2007، و2011، فضلا عن تصدره انتخابات 2015. كما فاز في ثلاثة انتخابات محلية، في أعوام 2004، و2009، و2014، إلى جانب فوزه في انتخابات الرئاسة التركية، التي أُجريت العام المنصرم.

إذاً، أعوام طويلة من التمتع بغالبية مطلقة، شكّل خلالها حكومة بمفرده، خسر حزب العدالة والتنمية غالبيته في البرلمان، في انتخابات تشريعية مثيرة، أدخلت حزب الشعوب الديموقراطي، صاحب الغالبية الكردية إلى البرلمان التركي، بعد تخطيه عتبة العشرة في المئة المطلوبة.

غير أن خيار تشكيل حكومة ائتلافية في تركيا، استدعته – أيضاً- ضرورة معالجة الاستقطاب السياسي الحاد في المجتمع التركي، الذي أدت إليه الممارسات السياسية للأحزاب فتحوّل إلى استقطاب مَرَضي، لا علاج له سواء الخيار الائتلافي، القائم على إرساء مبادئ التفاهم والتوافق والتصالح في تركيا، وليس الدخول في معركة كسر عظم للظفر في الصراع على السلطة.

وكانت صيغة جديدة في معادلة الحكم في طورها للتشكل، في مرحلة تطمح فيها تركيا إلى استعادة استقرارها السياسي والمضي في تقدمها الاقتصادي، كي تتمكن من لعب أدوار محورية في محيطها الجغرافي، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط المضطربة.

غير أن أحزاب المعارضة ومعها ناخبوها وأنصارها، رفضت المعادلة الائتلافية والتغيرات التي كان مرشحاً لها أن تؤثر في هوية تركيا المركبة، مع ظهور التخوف من تبديد إرثها العلماني، خصوصاً أن الرئيس رجب طيب أردوغان، يأمل بأن يبقى في منصبه الرئاسي لولايتين متتاليتين، كل منهما من 5 سنوات، ما يتيح له قيادة تركيا خلال إحيائها الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جمهورية أتاتورك.

ومع سعي أردوغان الذي لن يتوقف، باتجاه تحويل النظام البرلماني إلى نظام رئاسي، برز تخوف لدى معظم المعارضين من شخصنة الحكم وشخصنة السياسة في تركيا، إذ يعتبرون أن أردوغان يسعى نحو تركيز السلطات وحصرها بيده، من خلال تعديلات دستورية قد لا تبدو في متناول يده، في هذه المرحلة، لأن حزبه الحاكم لا يمتلك غالبية برلمانية كافية، يمكن بواستطها تمرير تعديلات دستورية، تعمل على تحويل طبيعة الحكم من برلماني إلى رئاسي أو شبه رئاسي، وذلك على رغم دعوة أردوغان الأحزاب التركية إلى تخطي «خلافات الماضي»، والسعي إلى «عملية مصالحة اجتماعية جديدة» بين الأتراك، بوصفه رئيساً لما يقارب الـ 78 مليون تركي، الذين ذكّرهم بإنجازاته الاقتصادية، مع التأكيد على الهوية التركية التعددية الجديدة التي يسعى إليها، وعلى سعيه إلى السلام الداخلي المنشود.

أما على الصعيد الخارجي، فيتحدث بعض صنّاع السياسة الأتراك عما يسمّونه «تصحيح مسار» السياسة الخارجية التركية، بعد المتغيرات والتطورات في المنطقة، خصوصاً بعد صعود وتمدد تنظيم «داعش»، وبروز خطر إنشاء دولة كردية في الشمال السوري، محاذية للحدود التركية.

المرحلة الأخطر

ويبدو أن تركيا دخلت المرحلة الأخطر، تذكّر بمرحلة التسعينات من القرن العشرين المنصرم، مع عودة التفجيرات والمواجهات العسكرية مع حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى انخراط تركيا في الحرب على «داعش»، ومواجهتها سائر تداعيات الأزمة السورية.ولا شك في أن المتغيرات الجديدة، خصوصاً دخول روسيا الحرب في سورية لمصلحة نظام الأسد، فرضت تحديات أخرى، مختلفة، إذ وجدت تركيا نفسها في وضع جديد لا تُحسد عليه، بات يفرض على مهندسي سياستها الخارجية، تحديات وتبعات جديدة، يجب أن تأخذ في الحسبان مختلف التطورات، واللاعبين الجدد، خصوصاً بعد سقوط حكم «الإخوان المسلمين» في مصر، وتحجيم دورهم في معظم الدول العربية، إلى جانب مستجدات الأوضاع في العراق، وفي سورية، وسواهما.

ويرى خبراء أن أنقرة من أكثر المتأثرين المباشرين بهذه الأحداث، ويعتبر الباحث التركي نصوحي نغونور، أنه يتوجب على القيادة التركية إتخاذ قرارات سريعة وصحيحة، توازي سرعة التحولات في المنطقة، فأنقرة تتأثر بالملايين التي تهاجر إلى أرضها حفظاً لأرواحها، كما تواجه التحديات الأمنية على الحدود مع سورية.

ويذهب نغونور إلى أن تركيا باتت تعاني مما تقوم به القوتان العظميان في العالم، باحتكارهما اللعبة السياسية وتمرير الكرة ما بينهما. أما كيف سترسم تركيا خطها السياسي الجديد، فذلك هو السؤال، لأن المراقبين يجمعون على أن التدخل العسكري الروسي المباشر، والعمليات العسكرية الجوية التي بدأتها، تشير إلى أنّ روسيا دخلت حرباً في سورية طويلة الأمد، كما أنّ تركّز وجودها العسكري في الساحل السوري والعاصمة، يفتح المجال واسعاً أمام سيناريو إنشاء دولة علوية (سورية المفيدة)، الأمر الذي من شأنه زيادة تعقيد المطلب التركي بإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري.

وأدت المتغيرات السريعة في الأزمة السورية إلى مراجعة الخبراء الأتراك سياسة بلادهم، فاعتبر بعضهم أن هناك أخطاء، ووصلت الأمور بآخرين إلى المطالبة بتغيير الوجهة، وهذا لا يعني الموقف من النظام السوري، وإنما التغيير ضمن إطار نوعي من التفاهم مع مواقف الدول الأوروبية وأميركا.

وفي حال عدم الاستقرار السياسي، إلى جانب تطورات الصراع الدولي والإقليمي على سورية وفيها، وقع تفجيرا أنقرة، في العاشر من الشهر الجاري، ليشغلا الأوساط السياسية التركية ويطرحا تساؤلات حول الجهة أو الجهات التي تقف وراءهما، وما الهدف المنشود منهما. وإن كانت أصابع الإتهام الرسمية، ذهبت إلى أن من يقف وراء التفجيرين، هو إما تنظيم «داعش» أو حزب العمال الكردستاني أو جبهة التحرير الشعبي الثورية، إلا أن زعيم حزب الشعوب الديموقراطي، صلاح الدين ديمرطاش، اتهم الحكومة بالوقوف وراء التفجيرين، ولأنهما استهدفا حزبه.

وهكذا، فإن تركيا ما أن أسدلت الستار على تفجيري ديار بكر وسوروج، اللذين وقعا قبل انتخابات السابع من حزيران، وبعيدها، حتى، ضرب تفجيرا أنقرة الانتحاريان العاصمة التركية، لتصبح التفجيرات مادة للتوظيف السياسي للأحزاب، قبل ثلاثة أسابيع من انتخابات الأول من الشهر المقبل.

ولا شك في أن هذين التفجيرين سيكون لهما تأثير على شعبية حزب العدالة والتنمية، حيث يلاحظ بعضهم تآكلاً في ثقة الجماهير التركية بالحزب، وقد يؤثر ذلك على عدد أصواته في الانتخابات.

غير ان قادة الأحزاب التركية استبقوا الإجراءات والتحقيقات، ليوجهوا الأنظار إما نحو الحكومة والحزب الحاكم، أو إلى نظرية المؤامرة التي تستهدف الحكومة وتركيا، وراح الفريقان يتبادلان الاتهامات. فقد أحال رجال الحكومة وأنصارها الهجوم إلى أصابع خارجية، والاستخبارات الأجنبية، في حين أن أنصار المـــعارضة اتهموا الحــكومة بالوقـوف وراء التفـجيرين.

وسارع مناصرو حزب العدالة والتنمية إلى إزاحة التهمة عن كاهل الحكومة وأجهزة الأمن التي، يرى بعضهم، أنها أصيبت بالوهن بعد تسريح وسجن وإبعاد كفاءاتها وخبراتها، بذريعة انتمائهم لما تسمّيه الحكومة «الكيان الموازي» (جماعة الداعية فتح الله غولن، الذي يعتبره قادة حزب العدالة والتنمية سبب كل شر وبلاء في تركيا).

ولم يتردد قادة أحزاب المعارضة التركية وأنصارها في اللجوء إلى نظرية المؤامرة ذاتها، من خلال اتهامهم الحكومة بالتواطؤ مع منفذي جميع التفجيرات وغض النظر عنهم. إضافة إلى اتهامها بالتقصير في حماية المتظاهرين، وعدم مراعاتها ما تشهده البلاد من مواجهات وأعمال عنف.

ولا شك في أن التفجيرين يشكلان تحدياً كبيراً للدولة التركية، وليس لها فقط، بل لجميع اللاعبين في الساحة السياسية، حسبما يقول الكاتب إسلام اوزكان، لأن موقع الانفجار قريب من مبنى الاستخبارات التركية، ومن مؤسسات أخرى للدولة، أي أنهما حصلا على مرأى الجميع ومسمعهم. والسؤال هو: كيف أمكن للمنفذين أن يدخلوا هذا الكم من المتفجرات إلى أنقرة؟

غير أن من الممكن أن تهدف التفجيرات في تركيا إلى إبعادها عن الأزمة السورية، وقد يكون تنظيم «داعش» من يقف وراءها، للنيل من تعاون تركيا مع الولايات المتحدة، أو ربما يريد حزب العمال الكردستاني أو الاتحاد الديموقراطي الكردي في سورية نقل الصراع إليها، وقد يكون هناك رابط بين التفجيرات والانتخابات التركية، لكي يتمكن حزب الشعوب الديموقراطي من تخطي العتبة الانتخابية، أو لمنعه من تجاوزها. وهناك احتمال بأن يكون الهدف ضرب «السلام الداخلي»، وعودة الصراع التركي- الكردي.

والمحصلة أنه، وقبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية، يسير الوضع في تركيا نحو الأسوأ، من ديار بكر إلى أنقرة، حسبما يقول الباحث مصطفى أوزهان، الذي يعتبر أن «المشكلة ليست في الانتخابات، بل باتت في إدارة تركيا، حيث خرجت الأحداث عن سيطرة الحكومة، وهناك خطر على السياسة، لأن المعارضة ضعيفة، ولا تشكل بديلاً حقيقياً، وبالتالي، فإن تركيا مقبلة على المجهول»

اقرأ:

عمر كوش: محاور وأحلاف عربية إزاء التدخل الروسي بسوريا