Archived: باسل العودات: أي دبِّ أتى إلى سورية؟

باسل العودات: المدن

دخل الدب الروسي سورية فجأة ودون استئذان، مدججاً بأسلحته وقوته الكاملة، فاجأ الجميع وأربك الجميع، ولم تكن أهدافه واضحة، ولا مبرراته مقنعة أو مكتملة الأركان، خلع فجأة قناع الحيادية وضرب بعرض الحائط كل الكلام (المعسول) الذي أسمعه لبعض المعارضين السورييين وأقنعهم به بأنه حيادي حريص على عدم انهيار الدولة.

دخل الدب الروسي سورية دون أن يسأل أحداً أو يطلب من أحد الإذن، صمّ أذنيه عن أصوات السوريين الصارخة المتألمة، وغض نظره عن جراحهم وألمهم وأوجاعهم، ولم يأبه بالقوى الدولية والإقليمية الشريكة في الشأن السوري والتي عضت على أصابعها لامتصاص هجمته الأولى.

ورغم مرور نحو شهر على بدء العمليات العسكرية الروسية لم يتّضح بعد ماذا يريد الدب الروسي، ما هي الاستراتيجية التي يتبعها، وماذا يصنع الآن، ولا إلى أي شيء يُمهّد، الجميع يتوقع ويُرجّح، المؤشرات الأولية دفعت المعارضة السورية لإعلان روسيا بلداً محتلاً، ودفعت النظام للابتسام ملء شدقيه النازفين.

جاء الدب الروسي، فسارعت المعارضة المسلحة لتجميع نفسها وأعلنت النفير العام، والجماعات المسلحة الأكثر تشدّداً أعلنت الجهاد ضد (الكافر) الأزلي، والنظام أعلن انتصاره قبل أن يحرز أي انتصار، وقادة ميليشياته بدأوا يجمعون (غلّتهم الملطخة بالدماء) استعداداً للهروب إن كشّر لهم الدب عن أنيابه، وسارعت الدول الداعمة للمعارضة لفتح أقنية أوسع للسلاح للتصدي لهذا (الغزو)، وإيران ( تعوذت بالشيطان) خوفاً من اضمحلال دورها، وسارع التاجر الإسرائيلي المُحنّك لعقد صفقة قبل بدء اللعبة، ورغم هذا لم يعرف أحد ماذا تخطط له روسيا حتى الآن، وما إن كانت ستنجح به أم لا.

وبما أن الأزمة السورية هي الأزمة اللامعقولة، فمن المسموح نظرياً قياس الأمور من منطلقات مُتخيّلة ومقاربات غير تقليدية، وعليه لمحاولة الإجابة عن ماذا تخطط له روسيا في سورية، يمكن الانطلاق من أصل الرمز الروسي، وهو هنا (الدب)، الرمز الذي ارتبط تاريخياً بروسيا وحكامها وقوتها الضاربة، (الدب) ملك الغابة الباردة وأكبر الثدييات اللاحمة، الذي طوّر نمطاً حياتياً خاصاً أثّر على خصائصه الجسدية فتأقلم مع البيئة منخفضة الحرارة، (الدب) الماهر بالمشي على الثلج والجليد، وبالسباحة في المياه المفتوحة، والذي ينام طوال الشتاء بسبات عميق ليستيقظ ويلتهم أكبر كمية بأسرع وقت ليخزنها للسبات القادم، وهو الحيوان الذي اتّخذه الروس رمزاً لقوتهم وجبروت حكامهم وبسالة جيشهم وثقتهم بنفسهم.

هذا (الدب) ـ الرمز ـ هو غير ذلك (الدب) الذي يقبع بالمخزون الثقافي والفكري العربي والمرتبط بالقوة المفرطة والذكاء القليل، وبـ (البلطجي) الذي لا يُفكّر، أو الشخص الأكثر غباءً بين أقرانه، صاحب الجسم الضخم والعقل الصغير، وهو الحيوان الذي يتّخذه العرب رمزاً للشخص المذموم والغبي غير المرغوب به.

من هنا يجب معرفة أي (دب) أتى إلى سورية، فالنتائج التي ستشهدها سورية في الأيام القادمة تعتمد كلياّ على معرفة من جاء إليها، أيّ دب من المذكورين أعلاه، ذلك (الدب) الرمز للجبار، صاحب الطبع الهادئ والقوة الكامنة، الذي فهم الطبيعة وتأقلم معها ولم يطلب منها أن تتأقلم معه، والذي يعرف متى يأكل ومتى يترك فريسته حرّة، ويعرف إلى أي مدى يخوض في مياه الأنهار والبحار، أم ذلك (الدب) الرمز للأغبى بين أقرانه.

في الحالة السورية هناك بديهيات، لا يمكن لأي قوة أن تغيّرها أو تكسر قاعدتها، على رأسها أنه لا عودة للوراء، ولا عودة لزمن الحكم الشمولي الطاغي، ولا للدولة الأمنية الطائفية، ولا لأحلام الأبدية بالحكم أو توريثه، ولا يدعم هذه البديهيات دفع السوريين مئات ألوف الضحايا فقط، بل يدعمها أيضاً إصرار الملايين من الناجين ـ حتى الآن ـ من المحرقة السورية على أن لا عودة إلى الوراء ولا لزمن القادة الخالدين ولا لزمن الخوف والرعب والاستكانة، وهذا الأمر لا يرتبط بطريقة زوال النظام، ببطء أم بسرعة، بحل سياسي أم عسكري، بالتدريج أم بقفزة واحدة، هذا الأمر يرتبط بحتمية التغيير.

وبالتالي، فإن كانت روسيا تُمهّد بطريقتها (السرّية الغامضة) للسيطرة على قرار النظام، ولإزاحة إيران من المشهد السوري، ولحل ميليشياتهما الطائفية المنفلتة من عقالها والتي لطّخت سورية بسيئات مشهودة، ولدعوة المعارضة السورية العسكرية للمشاركة بوضع الحل العسكري لمحاربة الإرهاب والنمط السياسي للدولة المقبلة، وتسعى لإفراز قيادة سياسية وعسكرية لسورية عاقلة تعرف لعبة التوازنات الدولية الجديدة في المنطقة، عندها يمكن القول أن (الدب) الذي أتى إلى سورية هو الدب الروسي الرمز للجبار.

أما إن كانت روسيا تخوض حرباً ضد الشعب لمجرد إنقاذ نظام متهالك منبوذ ملطخة يداه بالدماء، وللدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في منطقة باتت غير صديقة لها، أو لتحارب الإرهاب بوسائل ثبت فشلها، أو لتساعد كسرى (الهجين)، أو لتستعيد على حساب السوريين دوراً دولياً أضاعته برعونتها، بهذه الحالة يمكن الجزم بأن (الدب) الأغبى بين أقرانه هو الذي أتى إلى سورية، وعندها يمكن بثقة القول أن روسيا ستخسر وسورية كلها ستخسر وتجر معها المنطقة كلها للخسارة.

من الصعب الجزم الآن أي مصير تنتظره سورية مع القادم الجديد، ولكن، بما أن الزمن لا يمهل، والأحداث تتسارع ولا مجال فيها للتأمل والانتظار، والموت ينتشر كما الطاعون في كل مكان، فإن مجرد أيام تفصلنا عن معرفة أي (دب) أتى إلى سورية

اقرأ:

باسل العودات: التدخل الروسي في سوريا يقود المسيحيين إلى المقصلة