on
Archived: روجيه عوطة: بشار الأسد يلبي دعوة.. بشار الأسد
روجيه عوطة: المدن
أثناء إصغائه لفلاديمير بوتين، كان بشار الأسد، الذي لبى دعوة نظيره الروسي إلى زيارة موسكو، يبلع ريقه ويهز رأسه موافقاً على كل عبارة تبلغ آذانه. سحبه “القيصر” صوب تصريحه، الذي لم يدلِ بجديد، ولهذا السبب، استمر المقيم في قصر المهاجرين في الإستماع إليه، راضياً به وعليه، أو بالأحرى بنفسه وعليها.إنتظر دوره كي يتكلم، وخلال ذلك، بدا كأنه يفكر في ما قد يقوله لشبيهه. لقد مر وقت طويل على مكوثه في سوريا، وها هو ينتقل، للمرة الأولى منذ 2011، من البلاد إلى خارجها. من الصعب أن يجد الكلمات الملائمة لزيارة منقذه، فماذا ينبغي عليه أن يقول؟ ماذا ينبغي لفمه أن يلفظ؟
تذكر كلام الكثير من زائريه، لا سيما الممتثلين له، وبينهم لبنانيون في زمن الوصاية. وتذكر حلفاءه، ثم، استحضر ذلك النائب في “مجلس شعبه”، الذي، ذات يوم، همّ على الإشادة به، قائلاً له: “الوطن العربي قليل عليك، وإنت لازم تقود العالم يا سيادة الرئيس”.
قرر الاسد أن يحذو حذوهم جميعهم. أن يستعير اللسان الراضخ منهم، مستخدماً إياه ليقرن الشكر بالإنقياد، ولإبطال المخاطبة وجعلها علامة على الطاعة.
هنا، بشار الأسد يقابل بشار الأسد، يجلس بقربه، يتحدث معه كأنه واحد من المذعنين له. هكذا شاهدنا في الصور الصحافية والتقارير المتلفزة، والتي كررها التلفزيون السوري مراراً.
ظهر سيد “قصر المهاجرين” تلميذاً متذللاً أمام حاكم “قصر الكرملين”، وأدى ما يمارسه الأذلاء في حمده والإثناء عليه. فالذي اعتاد على تزلف الزائرين له في سوريا، سيعتاد، وبوصفه ضيفاً ضعيفاً، على تأدية تملقه لمرادفه في روسيا.
حانت اللحظة، التي يقوم خلالها بشار الأسد بالدور الذي لطالما أداه نزلاء الخضوع له. أخذ مكانهم، وتكلم مع صورته التي ألفوها عنه. شكر الدولة الروسية ومسوؤليها وشعبها كي يشكر رئيسها. أطرى إغاثتها لـ”وحدة سوريا وإستقلالها وسيادتها”، أي لنظامه. وكاد أن يتوجه لبوتين بالقول: “بلادي قليلة عليك…”، لكنه، استبدل عبارة “مجلس الشعب” بـ”إنتشار الإرهاب الذي نراه منتشراً اليوم كان يمكن لولا قراراتكم وخطواتكم أن يكون أكثر إنتشاراً وأكثر ضرراً ليس فقط في منطقتنا وإنما في مناطق أوسع”.
قالها الأسد، بعدما أضحى نائباً في مؤسسة الضّعة. قالها لذاته المجسدة في “الأسد الروسي”، لمخلّصه: “سوريا قليلة عليك، وإنت لازم تكافح الإرهاب بالعالم، لازم تنقذني أنا والعالم يا سيادة الرئيس”.
خلط الأسد بين الصورة التي شكلها زواره عنه من جهة، وحضوره أمام بوتين، مسعفه، من جهة أخرى. ارتبك، وتعتع في كلامه، لدرجة أنه، وهو البارع في اللغو، وجده نفسه مجبراً على تفسير عباراته: “وما أقصده هنا”! ورافعاً إياها على محمل الشرح.
كأن “سيد السوخوي” ينتظر منه إلقاء محفوظه، أو تسميع درسه، الذي يجيب على إستفهام بائن: “ماذا تفعل روسيا في سوريا؟”، فيرد الأسد:”في هذا الإطار، أتت مشاركتكم الأخيرة وإعلانكم عن جبهة من أجل مكافحة الأرهاب، ولا أحد يفكر في مشاركة إن لم يكن لديه في النهاية هدف سياسي يخدم هذا الشعب”.
تالياً، بدا الأسد “حافظاً” لرواية مخلّصه، ومستسلماً لها بكل إلتزام وجزم، “وأؤكد ما أكدتم أنتم في أكثر من مرة”.
بشار حافظ الأسد صار “بشار حافظ الفرض” الروسي. هذا ما يشير إليه كلامه، ليس مع بوتين، بل أمام بوتين الذي يمتثل لبوتين نفسه. فـ”قائد عرين المقاومة والممانعة” لا يجلس بقرب نظيره، بل يقف في مقابل نفسه بعدما أقلع عنها وأضحى زائرها. كما يقف في مقابل منقذه، متضرعاً إليه، ويجثو في سردية تخليصه له، قائلاً:”لهذه الأسباب، لأسبابك، لأسبابي، لأسباب العالم، أنت مخلصي”.
وعلى الرغم من كون الأسد “حافظ” درسه الروسي، غير أن ذلك لا يمنع العبارات من الإختلاط عليه. فعندما ختم كلامه بتبجيل بوتين من جديد، كان قد بلع ذروة إلتباسه، كزائر ناشئ، على ذاته، كمستقبلٍ قديم، بحيث أنه بدلاً من أن يشكر “الشعب الروسي”، شكر “الشعب السوري على كل ما قدمه من أجل السلام في بلدنا”.
وبذلك، وقعت العبارة من لسان المستقبِل الكامن على لسان الضيف الظاهر، ليس بسبب تطابق أحرفها، بل لأن الناطق بها لم يزر سواه. إنها وقعة لسانية تفيد بأن بوتين أصبح هو، هو، بشار الأسد، الذي يتحكم بسوريا من روسيا.