on
Archived: حسن الصفدي: الإصلاح بين اليمين واليسار
حسن الصفدي: كلنا شركاء
بداية لست مع الإصلاح ولا من دعاته. لغةً: الصلاح ضد الفساد، والإصلاح ضد الإفساد. إذاً هما كلمتان تتضمنان حكم قيمة، وبهذا فهما ملائمتان تاريخياً للوعظ والإرشاد والمناشدة عند اليمينين من جانب، وللتوعية والمناداة بالمحاسبة لدى اليسار من جانب آخر، فكلاهما يرى في الفساد حالة طارئة، في حين أن الفساد، بنيوياً وماركسياً، ما هو إلا انعكاس الوجه الآخر لصورة البنية الفوقية للمجتمع. بكلام آخر أساليب الكسب غير المشروع ليست سوى ظل طرائق الكسب المشروع المتعارف عليها، تفشو مع تفشيها.
على كل حال مادام هناك حديثٌ يدور حول وجوب الإصلاح، فهذا معناه أن هناك رأي سائد في أن أسلوب إدارة مؤسسات الدولة المعنية ليس على ما يرام. بهذا الصدد سبق أن قال أحد علماء الاجتماع: “إذا كانت حضارة مجتمع ما في محنة ينبغي توجيه أصابع الاتهام نحو المثقفين”.
وإذا كان التأكيد على الاحتفاظ بكامل الاحترام والتقدير، لأولئك المثقفين الذين عانوا الأمرين، على كافة الأصعدة في سبيل قناعاتهم وآرائهم الاجتماعية، واجباً، فلابد من الإشارة بالمقابل إلى حشود المثقفين/ المتعلمين الذين لم يرضوا بالتنازل عن طرف من مكاسب هينة أو مزايا طفيفة، فصمتوا، وهم يرون ما لا يجوز السكوت عنه، كيلا يخسروا الشيء القليل. ولا حاجة إلى التطرق إلى مهادني ومتملقي السلطة، فهؤلاء ليسوا سوى متكسبين، أو متمسحين بأعتاب السلطان.
غير أنه لابد من لفت الانتباه إلى أنه مع استمرار الإصرار على تبني تقسيم المجتمع ثنائياً، إلى تقدميين ورجعيين ومرور زمن على ذلك، فقد جرى، عن قصد، تجاهل أن هناك تقسيماً آخر ثلاثياُ أكثر موضوعية يضع المحافظين في الوسط!! بالتالي أدى هذا إلى التشويش على مفهوم الطبقة/ الفئات الوسطى، الذي ما أكثر ما جرت محاولات إلغائه وحذفها نظرياً.
وهكذا، بعد مرور عقود، يجري اكتشاف أن تقدمياً اهتدى بعد زوال الغشاوة، وهو في واقع الحال ما كان تقدمياً أصلاً، بل تقليدي اصطف مع التقدميين فترة ما لأمر ما، فلبس لبوسهم. كذلك يكتشف التقدميون وجود متدينين متنورين!! الذين ما كانوا ظلاميين إطلاقاً، بل كانوا ومازالوا محافظين فعلاً، غير أنه، لعدم التفاتهم إلى الآخر، لم يروا تنورهم. ناهيك عن أنه واقعياً ليس جميع التقدميين ثوريين، وإن كان الثوري تقدمياً بالضرورة، وأن ليس جميع المتدينين رجعيين وإن كان بعضهم كذلك!!.
لا يضير التذكير أن الرجعيين [هذه الكلمة ترجمة ملتبسة من يومها كترجمة الاشتراكية. وأزعم أن المعنى المقابل للمصطلح الغربي الاسترجاعيين، كما أرى أن كلمة سلفيين أقرب تناولاً لشيوعها] يحنّون إلى ماضٍ ذهبي، ويخالون أن في الإمكان استعادة هيكليته، مع بذل قليل أو كثير من الجهد. في حين يريد المحافظون الحفاظ على ما هو قائم، مع العمل على إصلاح ما هو فاسد، وهذه أيضاً حال الكثرة الغالبة من المعدودين على الفكر التقدمي. أما اليساريون فمنهم الراديكاليون الذين يرون وجوب التغيير الجذري للأمور التي تعترض تطور المجتمع. على أنه يوجد، بين اليمينيين كما اليساريين، الانقلابيون الذين يتبنون قلب الأنظمة القائمة بالقوة العسكرية غالبا، لمعرفتهم مقدار نفوذهم شعبياً، ومن ثم المتابعة بعد إتمام السيطرة الخفية أو العلنية.
هنا يبدو ناجعاً تذّكر أن الديمقراطية (فقط، وليست المضاف إليها الشعبية) الناظم، الوحيد المعروف والمجرب في الزمن الحالي، لضمان التعايش وتأكيد قبول الآخر، بل الآخرين، والاعتراف بحقهم في المشاركة والمساهمة في بناء المجتمع الذي يضمهم. ومن ثم عبر هذا تتراءى الحلول الناجعة في لزوم تغيير ما أنشأ البيئة المناسبة لظهور وانتشار ما هو غير صالح أو فاسد. غير أن تغيير المعروف أمر غير مألوف، لذا يلاقي ذلك الكثير من العنت وعدم التفهم والمعوقات والتحريفات.
في هذا الصدد لا بأس في التذكير بسقراط الذي رفض الهرب المتاح له، وفضل تنفيذ القانون، بشرب السم، على كسر النظام بالفرار. سقراط ما كان إصلاحياً، ولو كان كذلك لهرب، بل كان يدعو إلى تغيير أنماط التفكير السائدة (لهذا حكم عليه بالموت). لاحقاً يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر غاستون باشلار: “معظم الناس لا يريدون التفكير ويفضلون الموت عوضاً عنه“.
إنه لأمر ملح السعي إلى تحليل بنى التفكير السائدة في المجتمع وتقصّي ملامحها التكوينية، وأسباب فشل تمثّل مستجدات المجتمع المدني، والبحث عن كوامن التوافق وتناظرها بين التشنّجات اليمينية والتهجّمات اليسارية، كلُّ على شاكلته، لكن اليمين واليسار يلتقيان في الرفض الصريح، لبعض المتطلبات الملحّة أو المسائل الإشكالية من جانب، وعرضهما حلولاً عائمة، أو تقع في المستقبل البعيد من جانب آخر.
من الذي دبج المقالات ساخراً من الديمقراطية، ناعتاً إياها بالغربية وكأنها وصمة، ومن المطالبين بها من جهة، ومن الحريات المدنية (وعلى الأخص حقوق الإنسان والمرأة والطفل) من جهة أخرى؟! أليسوا أولئك الذين كانوا وما زالوا يضعون أنفسهم في مواقع تقدمية (وإلى جانبهم يمينيون يستعدون لاستلام الراية) في حين أنهم ينتمون إلى مجموعات ما زالت تعيش وهمَ أمجادٍ تتخيل أنها صنعتها!!
حوالي ثلاثة أرباع القرن والصراع يدور، في بلادنا، بين إيديولوجيات أربع، (سبق أن بُطِشَ بثلاثٍ منها على منوال الحكاية المعروفة في كليلة ودمنة) كل واحدة كانت ومازالت، تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة!! أين منها ذلك المفهوم المغيّب الذي يجعل المطلق في ذاته نسبياُ إزاء غيره؟ وما زال الجهد يبذل من جانب أنصار كل منها لتكرار إثبات ما سبق أن اقتنعوا به!
ويتم التغاضي عن أن الإيديولوجيا تكون الضلال بعينه في بعض الأحيان (هل نسينا النازية؟) ويفوتنا أن لا شيء ثابت، وأن لابد من المراجعة وإعادة النظر، وإلا لما كان غاليلي ولبقيت الأرض مركز الكون.
اقرأ:
حسن الصفدي: أليس التلاعب بالكلمات ضحكاً على اللحى..