Archived: حسن الصفدي: أليس التلاعب بالكلمات ضحكاً على اللحى..

حسن الصفدي: كلنا شركاء

لا جدال في أن دارسي الفقه والضالعين فيه، لا يمكن أن يكونوا في غفلة عما يعنيه التباين بين مفردات اللغة العربية، وإلا لتاهوا بين الالتباسات والملابسات الكامنة خلف كل مفردة يخالون أنها مرادفة، وما من مرادفات متطابقة المعنى في اللغة بل شروح وتفاسير أو التفافات إن شئت، وهنا المفارقة..

يرد مرشد النهضة على مطالبات الحركات النسوية التونسية بالحفاظ على المساواة بين الرجال والنساء في الدستور، وبالتالي في قانون الأحوال المدنية، بما معناه أن التكامل أنسب؟!!..

عندما قرأت أقواله عجبت، وما لبث العجب أن زال إذ تذكرت أن الرجل يبقى إسلاميا معاصراً في محاكمته القضايا الطارئة كافة على منوال واحد، وهذا من حقه، غير أن هذا لا يعني أن وعيه، للإسلام الحضاري وإبداعاته الرائعة، ليس بأعلى ممن يدعي أنه سيعيد مجد الخلافة التي لم ترد في القرآن الكريم كما لم يوص بها الرسول، بالتالي ليست من أصول الدين على حد قول  “الشيخ على عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم“، غير أنها إبداع مسلمين في حينه لضرورة نجمت عن واقع طرأ، بالتالي فهي تراثٌ، وليست أصلا يفسد، إنكار وجوبه حاليا، إيمان المرء..

غير أنه ليس من حقه فرض تصوره – الخاص، وربما الشخصي باعتباره منظراً لجماعته – لأحكام الشريعة دستورا علي التونسيين وأنسالهم. فآراء أيّ إسلامي لا تعدو كونها في أفضل الأحوال “فتوى” والفتوى في الأساس ليست ملزمة إلا لصاحبها والقابل بها، ومن حق طالب الفتوى ألا يعمل بموجبها إذا لم يقتنع بها… من جانب آخر ليس لولي الأمر أن يفتي بعد انقضاء عهد الخلفاء الراشدين. ومن ينظر إلى ركام الفتاوى في السنوات الأخيرة يمكنه تفهّم الأمر..

العجبُ نجمَ عن إحلال التكامل محل المساواة، وشتان ما بين معاني اللفظين، فالمساواة تكون بين شخصين، وإن شئت نِدّيْن، أما التكامل فيكون بين أجزاء لابد من تناسبها أو تلاؤمها! فإذا كان هناك من يرضى للمرأة أن تكون جزءاً، فهل يرضى للرجل ألاّ يكون واحداً مكتملاً؟! ولن أستفيض..

المساواة تؤدي بالضرورة إلى صيرورة الأفراد جميعاً أشخاصاً مكلفين بالأعباء والواجبات نفسها على حدّ سواء، أي دون تمييز. ولا نتحذلقن بإيراد شواهد ومأثورات منتقاة بغرضيّة من تاريخ طويل، (على امتداد ما يدعى عندنا عصر النهضة، حتى اليوم، لم يصدر عن أي مؤسسة إسلامية – على تعددها – رأي فيما يخصّ سبي النساء والأطفال. وهذا أمر يمكن تفهمه، إنما هل يجرؤ أحد حالياً – مفتياً كان أو مؤسسة – على تأكيد إباحته كي تنحل مسالة ملك اليمين المستعصية حاضراً؟!) فشجون الحاضر أعقد من أن تكون البلاغة بلسماً لها. 

فيما يخص التكامل بين الرجال والنساء، لم أجد بخصوصها غير حال واحدة يتشارك فيها الإنسان مع الحيوانات قاطبة، فهل النهضة تعتمد الداروينية في بحثها قضايا تتعلق بالجندر؟!

حتى هذا التكامل الجسدي البنيوي معقود على إيجاب وقبول يمارس بين أنداد أحرار مسؤولين، – بالغين راشدين – إلا إذا كان مرشد النهضة يراه ملحقاً بعقود البيع والشراء، فيغدو التكامل مناطاً بإيجاب بائع وقبول شار جزءاً يتكامل معه؟!.

في هذه الحال يتم تناسي أن الأطفال الناجمين عن التكامل محل مسؤولية كلا الأبوين، كل فيما يخصه، وهنا تتجلى الحرية في أجمل حالاتها، ألا وهي حرية الفرد في اختياره وفي تحمله مسؤولية خياره. لندع العاطفة جانبا، فما من امرئ يخلو منها وإن تعددت تظاهراتها التي يصل بعضها إلى حد الرغبة في التملّك، فالأم الجاهلة الغافلة عن حقوقها، بتهيئة مستحكمة، لن تربي ولدا ذا شخصية كذلك الذي تربيه أم واعية لحقوقها مدركة لواجباتها.   

أخيرا إذا كان هناك إسلاميون ضالعون في علوم اللغة، فليس العارفين بالعلوم الوضعية بأقل ضلوعاً منهم، لسبب هيّن هو سعيهم إلى تمكين علومهم ومعارفهم، وإيغالهم في البحث والاطلاع، فليس لديهم وقت ضائع يقضونه في الترنم بترداد المترادفات ورصف المفردات. غير أنهم يتفهمون إيناس النشوة التي يحصل عليها الصوفيون ببساطة بالغة لأنهم يحبون الجميع ويعلنون ذلك، أعني كل الناس مؤمنين وغير مؤمنين فهم جميعاً خلق الله وهو الذي يهدي من يهدي منهم بمشيئته، لا بالبداء……….     

اقرأ:

حسن الصفدي: عندما يحلف الحماصنة