Archived: د. رياض نعسان آغا: خطيئة بوتين

د. رياض نعسان آغا : الاتحاد  

لن تغفر شعوب روسيا الاتحادية لبوتين خطيئته في احتلال سوريا حتى لو أيدته الكنيسة، ولن يقبل بذلك ملايين من المسلمين في الكومونولث الروسي، ولم يكن في سوريا أحد يعادي الروس، وبيننا وبينهم تاريخ صداقة عريقة، ولم يكن السوريون عشاقاً قط للولايات المتحدة، ولكنهم صاروا في حال الغريق الذي يتلمس قشة يمسك بها قبل الغرق.

وقد استجاب كثير من المعارضين لدعوات روسيا للبحث عن حل في مؤتمرات موسكو، ولكنهم لم يجدوا جدية روسية في دعم الشعب، فقد كانت روسيا تحاول اصطناع معارضة تدعو للنظام بأشد مما يدعو الموالون له، حتى بدا الأمر مدعاة سخرية.

وأما خطيئة بوتين في تدخله العسكري، فهي أنه أعلن عداءه للشعب السوري عامة، حين قال إنه يعتبر المعارضة المعتدلة إرهابية، بمعنى أنه سيقاتل كل من اعترض على الحل العسكري الذي انتهجه النظام في سوريا، وهو الحل الذي قاد البلاد إلى الدمار بدعم وتشجيع روسي إيراني، ولم يستطع النظام أن ينهي ثورة الشعب ولا أن يحقق انتصاراً، سوى أنه فقد سيادته وقراره، وبات الإيرانيون يفاوضون أهل الزبداني مثلاً في غياب كامل للنظام. ولم يستطع النظام أن يفيد من دعمه الخفي للتنظيمات المتطرفة التي منحته دليلاً على زعمه الأسبق بأنه يواجه إرهاباً، فقد وقف الشعب كله ضد هذا الإرهاب، وأصر على أنه يريد الحرية والكرامة فقط، ويريد بناء دولة مدنية ديمقراطية. وحين شعر الروس بأن النظام اهترأ وأن الإيرانيين صاروا حكام سوريا الفاعلين، سارع بوتين للتدخل العسكري، لكنه أخطأ حين تدخل معلناً أنه ضد مطالب الشعب. ولا يغيب عنا أنه قدم هذا الإعلان كي يحصل على شرعية التدخل في كونه يلبي دعوة النظام، ولو أنه كان ذكياً لفعل كما فعل الأميركان الذي تدخلوا دون شرعية وهم لم يقفوا مع الشعب، لكنهم لم يتورطوا بالقول إنهم قادمون لدعمه، مع أنهم في العمق لم يهاجموه إلا بالتصريحات التي صار الشعب السوري يسخر منها ويتهكم.

ولو أن بوتين قال، إنه قادم ليحارب «داعش» فقط فربما كان السوريون لن يسموا تدخله احتلالاً، مع أنهم يكرهون كل تدخل خارجي، وهم يعرفون أن «داعش» وسواها من التنظيمات المتطرفة تستمد بقاءها من بقاء النظام، وحين ينتهي لن يبقى أحد مع المتطرفين؛ لأن غالبية من التحقوا بهم هم من الشباب الباحث عن لقمة عيش أو عن جدار يستندون إليه. أما الفكر الديني المتطرف، فهو عند الأغلبية مجرد ستار يختبئون خلفه، أو ردة فعل على تطرف أشد ستنتهي حين ينتهي التطرف المقابل.

وقد بدا أن العالم يريد إبقاء مؤسسة النظام خوفاً من انهيار شامل، ويعلن حرصه على مؤسسات الدولة، وشعبنا أشد حرصاً على مؤسساته؛ لأنه هو الذي بناها، وأعتقد أن غالبية المعارضين متفقون على أن السبيل إلى حل سلمي ينهي هذه المأساة هو في بداية حكم انتقالي لا يكون لأحد من المجرمين والقتلة دور فيه، ويجب أن تبدأ هذه المرحلة التمهيدية بتشكيل مجلس عسكري يقوم بإعادة هيكلة الجيش النظامي وقوى الأمن والجيش الحر، ونحن نحرص على أن يعود الجيش وطنياً يدافع عن سوريا وليس عن أشخاص. وكذلك نحرص على أجهزة الأمن التي ينبغي أن تكون مدافعة عن أمن المواطن وليس مهددة لأمنه، ولن تنجح أية مساعٍ تريد فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية. ومهما ازداد العنف ضد الشعب، فإن الموت واحد، وقد اعتاده شعبنا ولم يعد مرعباً له منذ أن أعلن أنه يفضل الموت على المذلة. وربما سيفيد الشعب السوري من الاحتلال الروسي بأن يتوحد في مقاومته للاحتلال، وأن يتحرك أصدقاء سوريا الذين لن يغيب عنهم أن بوتين يحقق حضور روسيا في المنطقة على حساب غيابهم، وندعو الله أن نرى نتائج إيجابية في الأيام القادمة بعد سلسلة اللقاءات العربية الروسية، وبخاصة مباحثات قادة السعودية والإمارات مع بوتين، ونحن واثقون من أنهم عبروا عما في وجدان الشعب السوري، وأنهم يحرصون على تلبية مطالب شعبنا في إيجاد حل نهائي يضمن وحدة سوريا، وانتصار شعبها، وبناء دولة مدنية ديمقراطية ينتهي فيها الاستبداد الذي قاد إلى هذا الدمار.

شاركها