on
Archived: حسين العودات: من أزمة سوريّة إلى تنافس دولي
حسين العودات: السفير
لم تعد الأزمة السورية أزمة سورية لا من قريب ولا من بعيد، بل أصبحت بداية تنافس دولي على تحقيق مصالح وكسب مواقع متنوعة في شرق المتوسط وفي البلدان العربية عامة. وإذا تعرض أحد لجانب من جوانب هذه الأزمة، فإنما يكون حديثه وسيلة لتأكيد موقف أو تحقيق مكسب أو ترجيح رأي، ولا يخطر له الدخول الجدي لساحة هذه الأزمة رغبة بحلها. وقد تأكد ذلك بعد التواجد العسكري الروسي في سوريا.
إنها المرة الأولى التي تتواجد القوات العسكرية الروسية وقبلها السوفياتية في بلد خارج منظومة البلدان الاشتراكية السابقة، باستثناء تواجدها الكارثي في أفغانستان، حيث لم تكن الظروف الدولية كما هي الآن، وحيث استطاعت الولايات المتحدة بما هي زعيمة قطب دولي كبير أن توقع الجيوش السوفياتية حينها بمطبات عديدة، وحولت الوجود السوفياتي في أفغانستان والتدخل الذي مارسته السلطة السوفياتية لحماية النظام الأفغاني إلى حرب مقدسة إسلامية ضد الغزو «الإلحادي»، وجندت لذلك آلاف المتطوعين «الجهاديين» بالتعاون مع بعض الدول العربية وبتبرعات مالية سخية من هذه الدول ومن منظمات إسلامية عديدة. وانطلت اللعبة على كثير من الشعب الأفغاني وعلى الشعوب الإسلامية على أن الغزو هو غزو جيوش بلد ملحد ضد الإسلام والمسلمين، واستنزفت تلك الحرب الاتحاد السوفياتي وساهمت في تهيئة النظام للسقوط.
على أي حال، ليس من الحكمة قياس الشروط الحالية للتدخل الروسي في سوريا بالشروط التي كانت موجودة في أفغانستان في ذلك التاريخ، فالتواجد العسكري الروسي في سوريا يقتصر على التدخل الجوي ولم يباشر حتى الآن بأي تدخل بري. كما أن الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية ما زالت غير حاسمة المواقف من هذا التدخل وخاصة من أسبابه وتوقع نتائجه. وهي، وإن حذرت جميعها من التدخل العسكري الروسي في سوريا وتوقعت أن يكون كارثة على روسيا ومستنقعاً تغرق فيه، إلا أنها لم تتوصل إلى معرفة نهائية بأهداف هذا التدخل، وما زالت تفاوض روسيا على تعديل أهدافها وأساليبها، وتبحث عن طريقة لقبول التدخل الروسي سواءً بزعمها أنه يعقلن السلطة السورية ويجعل مواقفها معتدلة ويعمل على إقناعها بإخراج الميليشيات غير السورية والتواجد العسكري الأجنبي من سوريا، أم بقبولها تسوية سلمية متوازنة تحاول السياسة الروسية أن تصل إليها، وهدفها الرئيس هو تحقيق تسوية «لا غالب ولا مغلوب»، وتجنب أي هزيمة مكشوفة للسلطة السورية وللرئيس الأسد خاصة.
في ضوء ذلك، فإن الجميع مرتبك. فالروس يحاولون الآن إقناع الدول الغربية والرأي العام العالمي بأن تدخلهم العسكري ما هو إلا مساهمة في هزيمة المنظمات الإرهابية، والدول الأوروبية والولايات المتحدة مترددة بين تشجيع الروس على تحقيق هذه الأهداف وبين الخوف من مطامعهم في المنطقة. ويقول طرف ثالث إن التدخل العسكري الروسي ما هو إلا لحماية المصالح الروسية في شرق المتوسط وخاصة في سوريا والعراق سواء منها القاعدة البحرية في طرطوس، أم لناحية طموحها بالفوز بعقد للبحث عن الغاز في المياه الإقليمية السورية، أم لمنع مرور أنابيب الغاز القطرية والإيرانية إلى أوروبا، وهو ما يؤدي بالتالي إلى كساد الغاز الروسي وهو مصدر مهم من مصادر دخل الدولة الروسية.
بغض النظر عن هذه المواقف والمصالح جميعها فإن السلطة الروسية بقيادة الرئيس بوتين وجدتها فرصة للاستقواء على الدول الغربية، وتذكيرها بأن روسيا ما زالت دولة كبرى لها حلفاؤها في العالم ومصالحها أيضاً، وهي قادرة على حماية هذه المصالح، وعلى ممارسة دورها كدولة كبرى ذات تأثير في السياسة العالمية، وإحياء مجد الاتحاد السوفياتي السابق نسبياً. وهذا ما يتمناه الرئيس بوتين ويحلم به، بل هذا ما تتمناه تيارات سياسية روسية عديدة ومؤسسات شبه حكومية أيضاً.
والملاحظ أن دور الدول الإقليمية تراجع تراجعاً كبيراً لمصلحة المنافسة بين الدول الكبرى، فالسياسة الإيرانية، كما يبدو، فقدت بعضاً من أظافرها. ولذلك فهي حذرة من التدخل العسكري الروسي من جهة ومن الموقف الأوروبي والأميركي من جهة أخرى، كما أن دور العربية السعودية والدول الأخرى تراجع أيضاً، ولم تساعد التحركات والمبادرات التركية سلطة أردوغان لتبقى كما كانت قوية ومؤثرة، فماتت فكرة المناطق الآمنة، ولم يعد لتركيا موقع مهم يستشيره الجميع ويأخذه بعين الاعتبار، وفشلت فعالية محاولات السلطة التركية التشويش على السياسة الروسية أو تهديدها، كما لم تنفع مع هذه السياسة التحذيرات التركية بما فيها تفعيل الحماية الجوية لتركيا. وفي مختلف الأحوال، صارت الأزمة السورية مأساة يتداولها الكبار ويحاول كل منهم لي ذراع الآخر من خلالها من دون الاهتمام بمصالح الشعب السوري، أو بنهر الدماء الذي يجري في سوريا والاقتصاد الذي ينهار، ومنظومة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي تم تدميرها، وتعميق الصراع الطائفي في البلاد، وتأخير التسوية المتوازنة التي تخلص السوريين من الصراع وتدمير بلادهم إلى أجل غير مسمى.
لم يعد الصراع في سوريا إذاً بين فئات سياسية أو اجتماعية أو حتى عسكرية سورية متعددة بما فيها السلطة التي تحكم البلاد، بل أصبح قضية دولية يتداولها الكبار ويتبارون في تسجيل نقاط سياسية وعسكرية بعضهم على البعض الآخر، من دون أن يحسبوا حساباً لآلام السوريين ومصالحهم. حتى أن بعض حواشيهم سمت التدخل الروسي في الصراع السوري حرباً مقدسة وبررت بالتالي الحرب الدينية التي تشنها المنظمات الإرهابية مثل «داعش» و «النصرة» وغيرهما، واستحضرت صراعات بدأت قبل ألف عام وأتاحت لرجال دين مسلمين كثيرين أن ينادوا «بالجهاد» ويحولوا مفهوم الجهاد الإسلامي الذي هو في الأساس دفاع عن الوطن ووقوف بوجه الغزو الأجنبي، إلى حرب ضد الآخر غير المسلم من أبناء الوطن، ما يؤدي بالضرورة إلى إلغاء فكرة المواطنة في البلاد واستطراداً فكرة المساواة والمشاركة والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتبرير جميع الآثام السياسية والاجتماعية والمذابح التي تجري في سوريا باسم الحرب الدينية. وقد لوحظ صدور بيانات عديدة تدعو للجهاد ضد الروس من رجال دين، وقد تصرفوا بذلك من دون تردد وبشجاعة.
يطرح سؤال نفسه على جميع المحللين السياسيين وغير السياسيين وهو: هل يؤدي هذا التدخل إلى صدام عسكري جزئي أو كلي بين القوتين الكبريين، خاصة أن كلتيهما لها قوى عسكرية في شرق المتوسط متحفزة لمواجهة الأخرى، وأن كل يوم يمر يزيد الظروف تعقيداً والتحفز توتراً، ما يجعل المنطقة على صفيح ساخن؟
لا أعتقد بأن الأمور ستصل إلى صدام عسكري مقرر مسبقاً من أي من السياستين الروسية والأميركية. ولكن مثل هذه الحالات توجد شروطاً تخرج عن إطار المقرر وغير المقرر. ولكن الحرب الشاملة مستبعدة دائماً لأن كلاً من الطرفين يعرف الخسائر التي ستنجم عنها والدمار الذي ستؤدي إليه، فكل منهما يمتلك أسلحة فتاكة لم تكن في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فلا بد أنه يخشى نتائج الحرب الشاملة. وعلى ذلك فستبقى الأزمة السورية في التداول وضمن التكتيكات التي تزعج الآخر وتقلقه وتمنعه من تحقيق انتصارات جدية وحاسمة. وستبقى المسألة السورية، كما يبدو، في تداول القوى الكبرى وتستخدم لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بتسوية سياسية في سوريا ولا بحل الأزمة القائمة.
اقرأ:
حسين العودات: انهيار المنظومة التعليمية السورية