Archived: إيمان أنس: ما لم تخبركم به ريهام سعيد عن الثورة السورية

إيمان أنس: هافينتغتون بوست عربي

(1)

أصابني هذا الكمّ من الاهتمام الإعلامي الذي حظيت به حلقة المدعوة ريهام سعيد بالاكتئاب والضجر، للأسف إذا كنا ننتقد هذا النوع من الإعلام فنحن بشكل أو بآخر نشارك في رواجه، ونُكسبه الأهمية التي سعى لها، تحتل حلقات برنامجها شاشة التلفاز ساعات طويلة، مُشاهدات قياسية على اليوتيوب، ثم يتصدر عناوين المقالات الصحافية اسمها، ويتحدث عنها يسري فودة، نحن أيضاً نسهم في صنع هالة إعلامية وقدر من الأهمية لها، وهذا هو مرادها، لا يهمها إن كنا نتحدث عنها بالسوء أو النقد والذم، ما يعنيها هو أن يتصدر اسمها عناوين الصحف والأخبار حتى لو كان بمحتوى سلبي.

(2)

لم أكن يوماً من متابعي هذه ال_ريهام سعيد_ دون أي وصف أو لقب، لأني أؤمن بأن أفضل الطرق لمحاربة السفيه هو الصمت، ألا تعيره اهتماماً، ولا تجعله يشغل حيزاً أراده هو لنفسه حتى إذا كان على حساب هموم الناس وأوجاعهم، بل والأدهى على حسابه كرامته ومبادئه – إن وجدت. هذا النوع من المتواجدين على شاشات التليفزيون الذين أرادوا الشهرة أيما كان الثمن. ولكن الحديث هذه المرة واجب، بل فرض، لكن ليس عن ريهام، ولكن عن الثورة السورية العظيمة، جميعاً نعلم علم اليقين أن المراد من حلقتها الشنعاء هذه ليس إهانة الشعب السوري في حد ذاته، فهو لا يعنيها في شيء، لا يمثل أي شخص أو شيء أهمية لها إلا فيما يُجلبه لها من منفعة، أو ما يدفعه عنها من ضرر، توجهاتها السياسية والقضية التي تخدمها معروفة وواضحة وصرحت بها عياناً بياناً، والحلقة التي قدمتها لم تُهن بها الشعب السوري بقدر ما أهانت بها الشعب المصري، لم تذهب لتساعد أو لتقدم يد العون؛ بل لتقدم رسالة تهديد متوارية إلى الشعب المصري: “شايفين اللي بيطالبوا بالحرية بيجرالهم ايه، شايفين اللي بيثوروا على الظلم والفساد بيبقى ايه مصيرهم، خليكوا زي مانتم عبيد للبيادة”، كما صرحت على شاشات التلفاز سابقاً بأنها تتشرف بالبيادة، هؤلاء لا يمكن أن يفهموا ما معنى الثورات، وأهمية ما يقدم بها من تضحيات.

(3)

كنت آمل ألا يقع الكثير منا في هذا الخطأ الذي لطالما نصبت مصيدته لنا، كنت آمل أن يتعامل ذوو الصوت المسموع في هذه المهنة مع الموقف بحرفية أكثر من ذلك، أن نستغل هذه الوضاعة الإعلامية التي بثتها لنصرة هذه القضية والثورة العظيمة، وليس للتنظير عليها والتعامل مع ما نشرته كأنه كلام يستحق الرد وليس مجرد هذيان..

في ثورات الربيع العربي كانت الثورة السورية هي الأنجح، ولدت شرارة الثورة السورية من رحم الثورة المصرية في 5 من فبراير 2011، علي هيئة مظاهرات سلمية لمواجهة أحد أعتى وأشرس الأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي، مظاهرات سلمية، تطالب بالإصلاح والثورة على الفساد، فيكون الرد بالقتل، ولا أنصاف حلول لمثل هذا النظام، في حقيقة الأمر كان النظام المصري أشد رأفة مقارنة بنظيره السوري.

في 18 من مارس، وهو ما يمثل الانطلاقة الفعلية للثورة السورية، أصبح المطلب واضحاً “بإسقاط النظام”، مظاهرات سلمية، قتلى، تشييع جثامين، وقتلى أيضاً، لم يحترموا حتى حق هؤلاء الشهداء في أن يُشيَّعوا إلى مثواهم الأخير في سلام، قصف للمساجد، تعامل مع القتل والدماء باعتبارها نوعاً من التسلية حقاً وصدقاً.

(4)

مظاهرات سلمية على مدار 6 أشهر، لم يُطلق بها رصاصة واحدة ضد النظام على الرغم من تصفيته أكثر من 4000 شخص بينهم نساء وشيوخ وأطفال، في تطور منطقي للأحداث السابقة، انشق عدد من الضباط عن الجيش مكونين نواة الجيش السوري الحر للدفاع عن المدنيين في مواجهة النظام، لا أحد يستطيع إلقاء اللوم على الثورة السورية في المسار التي آلت إليه.. العنف لا يُناهض إلا بالعنف، والحرية لا تستجدى، بل تُنتزع..

الثورة التي ظلت صامدة لمدة ثلاث سنوات ونصف حتى الآن، بالرغم ما قدمته في سبيل الحرية من شهداء وصل عددهم إلى 300 ألف قتيل، كيف يجرؤ أي شخص مهما كان يركن إلى شاشة التلفاز في منزله ويتابع من بُعد أن يتكلم في حق هذه العظمة المتجسدة في شعب سوريا العظيم.

(5)

على الجانب الآخر من العالم، في حين يحرص العربي على احتقار أخيه العربي وإهانته، تضرب لنا صفحة المدون الأمريكي “ساكني نيويورك” مثالأ إنسانياً رائعاً، بالحديث عن قصص هؤلاء المهاجرين وإبراز الجانب الإنساني فيها، الحديث عن النضال، وما تكبده هذا الشعب من ثمن نفيس في مقابل نوله حريته وكرامته، وستظل الفجوة بيننا وبينهم في اتساع يصعبه إحكام غلقه.

اقرأ:

علا ملص: ريهام سعيد و (واوا) الثورات.!