Archived: الكورد يهاجرون… إحدى وصايا الحاقدين

شفان ابراهيم: صوت الآخر

لم يشهد التاريخ الكوردي الحديث موجهة نزوح كبيرة,بعد هجرة المليونية كما يشهد اليوم. أفواج كبيرة من الأسر والشباب يرسمون في مخيلاتهم الفردوس الألماني. يرددون الجملة ذاتها وإن اختلف الأسلوب.    ..( شو رح نسوي هون). 

جاني، جاني.. كانت صيحة الأم الباحثة عن ابنتها (جانة) كفيلة باختراق سكينة الليل بين الحدود التركية البلغارية، حيث يختبئ أكثر من 1700 مهاجر غير شرعي أغلبهم من الكورد. جاني تاهت وسط الازدحام ولم يكن أي احد من المختبئين على استعداد للفت انتباه حرس الحدود لمكان وجودهم، وهو ما كان كفيلاً بكتم الأم لصيحاتها وتوسلاتها للعثور على ابنتها، في تلك الأثناء كانت جانة هدية شيطانية لآكلي لحوم البشر.

قبل 11 شهر أرسل محمود ابنه القاصر(محمد) الذي لم يبلغ سوى 9 أعوام ليستقر في دوسلدوف بصحبة عمه وأسرته، محمد طلب من القاضي دعوة والديه ليستقرا بقربه، وحين يكبر محمد ماذا سيقول لوالده محمود الذي استغل قاصراً للوصول إلى بلاد الفرنجة ؟ وهو الذي لم يدخر جهداً للنيل منهم ونعتهم بالكفرة والمرتدين. الحدود الممتدة بين مدن كوردستان في كل من سوريا وتركيا هي الأخرى ليست بمنأى عن التجمهر والتحشد، قبل حوالي عشرة أيام عُثر على جثة إمرآة في الخمسين من عمرها فقدت حياتها برصاصات حرس الحدود، فيما سبق حذرت الدولة التركية من مغبة الدخول خلسة إلى مضارب تركيا، وهو ما يترجمه العسكر التركي بمنع أي تسلل كوردي أو غير كوردي إلى الطرف الآخر ولعل حوادث القتل والضرب والكسر خير دليل على ذلك.

 مؤخراً أصدرت الحكومة الألمانية قراراً بإلغاء قانون بصمة دبلن الملزم إعادة اللاجئ إلى أي دولة، إلى الدولة التي بصم بها أول مرة، وفي اغلب الأحيان كان المهاجر يبصم في بلغاريا وهو ما من شأنه إفساح المجال أمام الملايين للهجرة الاستقرار في مخيمات اللجوء في ألمانيا من جهة، وإفراغ المناطق في سوريا والمناطق الكوردية من جهة أخرى.

 روى لنا أحد التائهين عبر الأسلاك الفاصلة بين الدرباسية وقزلتبه عن أسباب هجرته قائلاً: كلهم مذنبون، من جهة يُجبروننا على التجنيد الإجباري، من جهة أخرى المجلس غير مفعل وتأخر عقد مؤتمره الثالث كثيراً، ومن جهة أخرى الخلافات السياسية بين الأطراف الكوردية أججت من تعاسة الموقف والحياة.

 لا لون للحياة، لا طعم لها، لا معنى للحياة إن لم يتمكن الأب من شراء الدواء لاطفاله أو قطعة حلوى ولو مرة واحدة كل خمسة عشر يوماً.

 من جهتها فإن المحطات الفضائية الكوردية ومنذ بضعة أيام تحاول جاهدة تسليط الضوء على مأساة تفريغ المناطق في عموم سوريا والمناطق الكوردية على وجه الخصوص، ولعل تركيزنا هنا على هذه الأخيرة، يكمن في حالة الاستغراب كيف تتمكن عوائل نازحة من دير الزور والرقة حمص وحماة وادلب وغيرها، من العيش في هذه المناطق ويهاجر أبناؤها؟ وإن كان الكورد قد استقبلوهم بواجب إنساني وتكريساً للعيش المشترك، لعله سؤال الوجود الكوردي على أرضه.

تلك المحطات استضافت فتاة من كوباني سردت للمحطة قائلة، ندمنا على القدوم إلى هنا ، مقدونيا ليست أرضنا وليست بلدنا ربما نعود حين تستقر الأوضاع، لتعبر عن حالة مأساوية أكثر سوداوية من حالة الخروج نفسها، هؤلاء سينتظرون ريثما تستقر الأمور وتهدأ رحى الحرب وتنعم المنطقة بالخيرات ثم يعودون لنشاهدهم في أبهى حالاتهم. ولنكن منصفين أيضا، صحيح أن الهروب والسفر ليس الحل الأمثل لكن من فقد أسرته، وأصدقاءه، أقرباءه أو فقد الأمل في حياة شبه مقبولة، ومن لا يمتلك مقومات البقاء، لا يمكن الضغط عليه للبقاء، والأمر الأكثر سخرية إننا نكتب هنا مساوئ السفر والرحيل والهجرة، وقد نجد أنفسنا يوما على إحدى قوارب الموت. ربما من بقي في الداخل هو الفارس الحقيقي، لكن من يخرج هو ذلك الشجاع الذي يمتلك قرار الرحيل، ويمتلك شجاعة الهروب، الأسوأ دوماً أن الكوردي يحارب نفسه، يجاهد ضد ذاته، ينتقم من وجوده، يتصرف بردة فعل معاكسة في الاتجاه وتتجاوز الفعل الأصلي في شدته لكن في تدمير كيانه وبنيته، اليوم الكوردي ينفذ مخططات الأنظمة المتعاقبة على سدة الحكم، وينفذ جميع المراسيم والإجراءات العنصرية التي طبقت بحقه بغية تهجيره ونسف وجوده، فقط هو الكوردي الذي يفقد وعيه وتركيزه حين تكون تطبيقاته في خدمة أعدائه وبالضد من مصلحته.