on
Archived: سلام الكواكبي: المثقف السوري .. المظلوم
سلام الكواكبي: هنا صوتك
منذ بدء الحَراك السوري وانطلاق المظاهرات الاحتجاجية والتي جوبهت بدموية تتناسب مع تركيبة النظام السياسي السوري القائم منذ 1970، هذه التركيبة التي كتب عنها كثيرٌ من الأجانب وقليلٌ من العرب ونادرٌ من السوريين، انتصبت “محاكم التفتيش” بحق مجمل النخبة الثقافية السورية.
وانتشرت بحقها اتهامات شتى. فهي التي لم تكن على دراية بالثورة، وهي التي لم تكن قادرة على استيعاب مسارها في بداياته. كما أن بعضها ابتعد عن الثورة بحججٍ مختلفة ليس أولها أنها حركة غوغاء وليس آخرها بعدها الديني. واختلط حابل المثقفين بنابل النشطاء، وصار المثقف عرضة للانتقاد المستمر ومطية للتشفي المؤلم عن حق وبنصف حق وبربع حق ومن دون أي حق.
غاب عن الجميع، مثقفين وغيرهم، بأن عشريات متعاقبة من الاضطهاد والاستبداد والقمع المنهجي نجحت نسبياً في تطويع جزء هام من النخبة. عشرياتٌ امتلأت فيها السجون بأصناف متنوعة من المثقفين، وترسخت فيها ثقافة الخوف. وكما كانت السجون ممتلئة، عرف مثقفون سوريون طريقهم الى الهجرة أو الاعتكاف. ولمواجهة القحط المهيمن والتصحّر المرغوب، لجأ كثير من المبدعين إلى تبني مبدأ التقية والخدعة الأدبية أو البصرية. ومع ذلك، فقد كانت أعين القائمين على نشر القحط وتوسيع التصحّر مفتوحة بشهوانية عالية المستوى من الحقد والرغبة في الانتقام من كل تعبير حر.
وتمّ تكليف بعض “المثقفين” برعاية أدوات الهيمنة الفكرية على مجموع المثقفين. كما أنهم كُلّفوا، في إطار الدولة الأمنوقراطية العتيدة، بتوزيع شهادات حسن السلوك وحسن الانتماء والقبوع تحت “سقف الوطن” الذي شيّدته عقليات أمنية. وصار الحقد المتراكم نتيجة قصور فكري أو ضحالة أدبية أو انعدام موهبة، هو ديدن العمل للقائمين على تأطير الإبداع في حدوده الدنيا.
وحاول بعض المهاجرين منهم الابتعاد عن الهم المحلي أو أنهم عالجوه من منظور أكثر استشراقية ونيوكولونيالية من أصحاب المذهبين الغربيين. ومارسوا المزاودات الليبرالية بالمعنى الفوضوي فكرياً علّها تجلب لهم بعضاً من جوائز أو اعتراف شكلاني سخرّوا كل ابداعاتهم في سبيله، مما أدى حتماً إلى ترفّعهم عن مجتمعاتهم “الأصلية” و”المتخلفة”.
كما استطاعت الأجهزة الأمنية بمختلف مسمياتها (اتحاد كتاب، صحافيين، نقابة فنانين…)، من استقطاب الكثيرين عبر التوظيف وتوزيع المنح والعطايا وكذلك الإفساد دون فساد من خلال المحافظة على الحد الأدنى من التعبير المؤطّر المسموح به.
اندلعت الثورة، ووجد الكثيرون من مثقفي سوريا أنفسهم في حيرة قاسية، فلم يكن منهم إلا ما ندر جزءاً تأسيسياً في هذا الحَراك. ومن لحق بالقطار الثوري أثناء المسير، شعر، أو أُشعِرَ بأنه ليس أساسياً وبأن القطار متدرج به أو من دونه. كما أن المثقف السوري، اكتشف، على مضض، بأنه ترفّع طويلاً عن مجتمعه ونفى في اللاوعي انتماءه إلى طبقاته الشعبية وجَهِلَ مساراته وتعقيداته ومشاكله الحقيقية، مكتفياً بتحليلات نظرية في أغلبها ومصممة في مقاهي المثقفين التي تمنع عنهم الخوض مثلاً في مسارب العشوائيات ومجاهل الأرياف. وحتى أولئك المتحدرين أصلاً من هذه البيئات الغالبة على النسيج السوري، ترفّعوا عنوةً عنها وهجروها، إن لم يكن جسداً، فعلى الأقل وعياً وتوعيةً.
وظهر هذا الترفّ‘ جليّاً في كتابات “استغربت” و”شجبت” الطابع المحافظ المهيمن على الجموع الغفيرة، وكأنهم جاؤوا من كوكب آخر. وفي الحقيقة، فالكائنات الفضائية/الثقافية هي التي تجهل أو تتجاهل حقيقة مجتمعها التي تبعد تجليّاته الأبرز عن مقاهيهم بضعة مئات من الأمتار.
بالمقابل، فعدد لا بأس به من المثقفين جَهِدَ وعَمِلَ وخَبِرَ جيداً طبيعة مجتمعه وتحاور وتصالح مع مكوناته وأنتج فكراً تراكمياً وتأسيسياً متميّزاً. لكنه وجد صعوبة أيضا في أن يُقبَل من الجموع كمؤطّر فكري أو كمرجع. وتهمّش دوره أكثر مع غلبة لغة العنف كما لفظته الهيئات السياسية المعارضة حديثة التكوين وضعيفة التفكير وعالية الثقة بالنفس بعيداً.
المثقف السوري المنسجم مع دوره العضوي إذاً هو ضحية لتراكمات وتقاطعات عدة، فمن العدل أن لا يكون في مرمى تصويب كل أسلحة النقد لأدائه. ولكنه في نفس الوقت ناقد ومنقود، وعليه أن يتقبل أن يكون دوره في طليعة ما يُحلّل ويُنقد. أما ذاك الذي يتنطّح للابتعاد عن حقل الموت القائم في بلده، ويكاد يشمت بالضحايا لأنهم ليسوا على شاكلته الفكرية “العظيمة” ولم يفهموا ثوابته التحررية ومتحولاته التملقية المتغيرة صعوداً ونزولاً، فهو عدو نفسه ودوره والتزامه
اقرأ:
سلام الكواكبي: “المفاجأة” الروسية