on
Archived: د. حبيب حداد: حتى نكون صادقين مع شعبنا ينبغي ان نكون اولا صادقين مع انفسنا
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
أثار التدخل الروسي المباشر والمكثف الأخير في بلادنا موجة من ردود الفعل والمواقف المتباينة وعلى كافة الأصعدة وخاصة حول تداعياته ونتائجه المحتملة . البعض رأى فيه عدوانا سافرا ينتهك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة ويمثل بالتالي خرقا للشرعية الدولية ,وذهبت بعض اطراف المعارضات السورية الخارجية الى دعوة الشعب السوري لمقاومة هذا الاحتلال كي يلقى المصير نفسه الذي لقيه سلفه في افغانستان . لكن بعض اطراف المعارضة الأخرى رأت في تعزيز الدور الروسي في المسألة السورية عاملا مساعدا في التوصل الى الحل السياسي المطلوب لهذه المسالة التي اضحت اليوم قضية عالمية تستوجب انطلاقا من تقاطع مصالح الدول المعنية بالشأن السوري حلها ووضع نهاية قريبة لها .اذ يرى هؤلاء ان التدخل الروسي هذا , في الوقت الذي يحجم فيه من دور ايران المهيمن الأن على الوضع السوري , فانه من جهة اخرى سيدفع الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية ودول الخليج وتركيا المتورطة جميعها بصورة مباشرة في المأساة السورية عن طريق دعمها المباشر للمجموعات المسلحة الارهايبية على الأرض السورية ,سيدفعها الى الاقتناع بقبول تسوية مع روسيا الاتحادية , بحيث تحفظ مصالح الجميع وتنهي هذه الحرب الكارثية التي يبدو أن هذه الأطراف قد أيقنت أن استمرارها أصبح خطرا داهما يهددها جميعها , كما ويعرض الأمن والسلم العالمي لأفدح الأخطار .
من وجهة نظرنا كنا ومازلنا ,ومنذ الأشهر الأولى الأولى لانطلاقة الانتفاضة الشعبية السلمية ’ قبل حوالي خمس سنوات نؤكد على خطورة حرف هذه الإنتفاضة عن مسارها السلمي الطبيعي لأن ذلك يعني دفعها الى المربع الذي يريده النظام ,ويعني من جهة اخرى تشريع حدود وطننا لتدخل جميع القوى والجهات الأجنبية التي تحركها مصالحها ومطامعها بالدرجة الأولى , والتي لا تريد لوطننا الخير والأمن والاستقرار, ولا تعبأ اساسا بتطلعات شعبنا من اجل الحرية والكرامة والحياة الديمقراطية السليمة . كما كنا مثل الكثيرين من ابناء شعبنا وقواه الوطنية الديمقراطية الذين حرصوا على الدوام أن يكونوا أمناء على تجسيد ارادته ورفع صوته الذي غيبه نظام الفساد والقهر والاستبداد منذ اكثر من اربعة عقود , على الوقوف في وجه كل اشكال التدخل الأجنبي في شؤون بلادنا , كم ووقفنا مع هذه القوى في ادانة كل الدعوات التي نادت بها هيئات المعارضة الخارجية بالتدخل العسكري الخارجي لاسقاط النظام القائم نيابة عنهم ,تلك الدعوات المتكررة طوال السنوات الماضية والموجهة من قبلهم الى ما سموه بالدول الصديقة للشعب السوري والتي ارتضوا مع الأسف أن يكونوا أدوات تنفيذية في أجنداتها المتعارضة مع مصالح شعبنا الوطنية ومع قضاياه المصيرية . كذلك الحال بتغطية مواقف الحكومة التركية الحالية باحتلال اجزاء واسعة من بلادنا تحت ذريعة ما أطلقوا عليه انشاء المنطقة الأمنة كي تنتقل اليها ما سميت بالحكومة المؤقتة والائتلاف وبقية تشكيلات اطراف المعارضة المتواجدة فوق الأرض التركية ؟؟؟ ان الذين كانوا ومازالوا منذ بدايات الثورة السورية وحتى اليوم يطالبون بل ويستدعون التدخل العسكري الخارجي من قبل جهات دولية واقليمية معروفة للجميع لا يحق له اليوم معارضة التدخل الروسي ,فأن نؤيد ونستدعي ونشرع لتدخل خارجي من نوع معين وان ندين ونعارض ونستنكرفي الوقت نفسه تدخلا خارجيا من نوع آخر فهذا هوعين التناقض في المواقف وهذا ما يجرد مثل تلك المواقف عن أي مستوى من الوعي الوطني المسؤول.
باختصار فان مواقف المعارضات السورية الخارجية المستنكرة للتدخل الروسي الحالي والداعية للتدخل الاقليمي والدولي العسكري المباشر طوال السنوات الأربع الماضية انما يحتم علينا أن نعيد هنا تأكيد وجهة نظرنا من هذه المسألة بالنقاط التالية :
أولا – اننا نرفض من حيث المبدا اي تدخل خارجي في شؤون بلادنا ,وخاصة التدخل العسكري المباشر, ونرى فيه عدوانا مباشرا على وطننا , مهما اتخذ من ذرائع ومبررات , وفي الوقت نفسه الذي اصبحت الأزمة السورية الآن بالأبعاد الإقليمية والدولية التي وصلت الها واتخذت فيها طابع حرب أهلية مذهبية كارثية مدمرة, أصبحت مسؤولية المجتمع الدولي ممثلا مباشرة بالأمم المتحدة وبمجلس الأمن الدولي ,فان الشعب السوري بحاجة الى كل اشكال الدعم والمساندة من الشرعية الدولية ممثلة بمجلس الأمن الدولي على اساس الفصل السادس أوالسابع اذا اقتضى الأمر, لانهاء هذه الحرب وتحقيق تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة وفي الانتقال الديمقراطي الحقيقي .
ثانيا – ان اي اجراء دولي كما ذكرنا يجب ان يكون صادرا عن مجلس الأمن الدولي من جهة وقبل ذلك يجب ان يكون متبنى من قبل هيئة معبرة حقا عن ارادة الشعب السوري , لهذا فقد عارضنا مع غيرنا التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة داعش وغيرها من المنظمات الارهابية لأنه لم يحظ بالشرعية الدولية قبل الحديث عن مدى فعاليته وأغراضه ,ومن جهة أخرى فقد كنا وما زلنا نرى ان الخطوة الأولى في طريق المسار الجدي لانجاز الحل السياسي للأزمة السورية هي التوصل لايجاد هذه الهيئة التمثيلية المعبرة عن ارادة الشعب السوري وهي تتحقق بانجاز خطوتين متكاملتين وملحتين ولا تحتملان الارجاء والتسويف ,اذا كان يراد لمؤتمر جنيف3المقترح ان ينجح في تحقيق هدفه .أول هاتين الخطوتين تلقى على عاتق اطراف المعارضة الوطنية الديمقراطية السورية في توحيد رؤيتها وبرنامج عملها . هذه المهمة الوطنية المركزية كانت وماتزال تستدعي من كل قوى المعارضة الوطنية ان تتجاوز حالة التشرذم والانقسام والتناحر التي تعيشها ,وتتجاوز الهيئات والمؤسسات التي تمترست فيها بعض اطرافها طوال السنوات الماضية ,مدعية من خلالها انها الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري وثورته ,فاسهمت الىحد كبير في تشويه هوية هذه الثورة ومن ثم اغتيالها وكانت اخطر الخطايا التي ارتكبتها دعوتها للتدخل العسكري الأجنبي المباشر وكانت بذلك تتصرف من منطلق ردود الفعل لمواقف النظام وحلفائه , وهكذا افتقدت الرؤية السديدة لمسار الثورة واهدافها عندما فشلت في تحقيق وحدتها على قاعدة انجاز البديل الوطني الديمقراطي العلماني ,وعندما رهنت القرارالوطني المستقل لشعبها لمختلف الأطراف الدولية والاقليمية .وثاني هاتين الخطوتين المطلوبتين بعد انجاز الخطوة السابقة تتمثل في انعقاد المؤتمر الوطني السوري العام تحت اشراف الأمين العام للأمم المتحدة ومجموعة الاتصال الإقليمية المقترحة ,وهذا المؤتمرالذي سيضم ممثلين عن النظام والمعارضة والمجتمع المدني سيتولى وضع واقرار البرنامج التنفيذي ,المحدد المهمات المرحلية والآجال الزمنية, للسير في طريق تنفيذ التحول الديمقراطي المنشود الذي يجسد تطلعات شعبنا . اذ هذا البرنامج الذي ينبغي ان تكون اول مهامه وقف هذه الحرب المجنونة والمدمرة لكل مقومات وجودنا الوطني والانساني لا بد ان يحظى بموافقة مجلس الأمن الدولي وان يجري تنفيذه تحت اشرافه المباشر , اذ أن هذا هو الحل السياسي الممكن التطبيق من خلال الواقع وما يفرزه ميزان القوى المؤثرة في الأزمة السورية.
ثالثا – لقد حان الوقت بالنسبة لنا نحن السوريين على تعدد توجهاتنا ومرجعياتنا السياسية والايديولوجية ,وعلى تنوع مكوناتنا القومية والاثنية والدينية والمذهبية أن ندرك أن وطننا يقف الآن في مهب العواصف والأعاصير التي تهدد حاضره ومستقبله بل ووجوده من أساسه , وأن مسؤولية انقاذ وطننا من المأساة التي يعيشها تحتم علينا أن نفتح عقولنا وصدورنا وأن نصارح أنفسنا اننا كنا , اولا وآخرا ,,ونتيجة الدور القاصر والمشوه الذي قامت به نخبنا السياسية والثقافية طوال السنوات الخمس الماضية .نتحمل المسؤولية الأولى فيما وصل اليه وطننا اليوم من بؤس وضياع وهوان . انها الخطوة الأولي التي ينبغي الاعتراف والاقرار بها اذا كنا قادرين فعلا ان نستوعب دروس هذه التجربة المريرة التي عشناها بكل ايجابياتها وسلبياتها .وهي الخطوة الأولى اذا كنا قادرين على ان ننتصر على ذواتنا ونستعيد ثقة شعبنا المفقودة حاليا . فبغير هذه الوقفة الصادقة مع أنفسنا ومع شعبنا وتحديد الأخطاء التي مارسناها والخطايا التي ارتكبناها ,لا يمكن التوصل لوضع نهاية للتراجيديا التي يعيشها وطننا ,ولا يمكن لشعبنا ان يضع اقدامه على طريق الغد المنشود.
اقرأ:
د. حبيب حداد: هل تعود سورية دولة مدنية ديمقراطية موحدة لكل مواطنيها (3-3)