on
Archived: حسن الصفدي: الأدلجة والتلفيق
حسن الصفدي: كلنا شركاء
من المحتمل جداً أن يَعجَب يساريٌ، ذو اتجاهٍ ما، من عنوان المقالة، فنذكّره بقول ماركس: “الإيديولوجيا مضللة”، المقولة التي تُمَكّن من تفسير لم عمّ الضلال معظم الحركات اليسارية العربية، حين اعتمدت ثبات الدوغما بدلا من حيوية المنهج التحليلي للماركسية، واحتمالاته المفتوحة.
من المحتمل، كذلك، أن يندهش يميني، من منحى ما، من العنوان، فنذكره بإلحاح أئمتنا الكبار، في القرنين الثالث والرابع الهجريين، على وجوب تحاشي التلفيق في، وبين، المسائل المنظور فيها، مما يؤدي حُكماً إلى الخلط بين الملتبس والصريح، إذ أنهم خبروا مآزق المنطق الصوري، وإشكالية أن ما يوضع في المقدمات يتبدّى في النتائج. غير أنهم لم يقاربوا المنطق الجدلي لاستغراقهم في مباحث علم الكلام.
واقعياً تكرّس الجماعات الدوغمائية، على اختلاف توجهاتها، يميناً ويساراً، جهودها في تعميم شموليتها التي لا ترتاح إلى الشراكة، بالتالي يُصاب تمددها بالانشقاق، وأحياناً بالتصدّع، أو بالتفرّع، بطبيعة الحال، فالحياة لا تتوافق مع الثبات. وما تفتأ التفرعات الناشئة، المتلبّسَة بنزوعٍ موروثٍ بالتبعية إلى دوغما ما، تجنح إلى توهّم امتلاك حقيقة مطلقة بعينها، الأمر الذي ما يفتأ يحرّضها، لوثوقها بصواب إطلاقها، على الاعتقاد أن في إمكانها، إبطال، أو إثبات بطلان حقائق الآخرين المزعومة، وفق منطقها الخاص – الإيديوتلفيقي.
قد يحدث، في أحيان نادرة، أن ينتاب بعض تلك الجماعات، إحساس بالضعف، بسبب تبدّل الأحوال، فتنحو، عندها، إلى التفطن إلى دعوة الآخرين – ومنهم ذوي العقائد المفترض بطلانها – إلى الحوار، أو التوافق، أو التحالف، إزاء أمرٍ بعينه، مصرّحة أنه: نظراً للأخطار الطارئة أو المحدقة أو.. أو.
ولمّا كانت مسائل الحياة المتجددة ما تنفك تطرح قضاياها بقوة وتسارع. في حين يدفع فقدان القدرة على مواكبة مستجدات العصر، بالضرورة، بكمٍّ، ليس بالهين، ما يزال محكوما بالانحباس في قمقم الدوغما، إلى الاضطرار، ومن ثم اعتياد قبول تلفيق الإجابات، مرفقاً بعدم التنبه إلى تناقض السلوك، واللامبالاة بالتصرفات، والتصريحات، السالفة واللاحقة.
بالتالي يستمر، بحكم العادة الآسرة، ترداد الخُطب بالأسلوب الحماسي العتيق، وتكرار المناداة بشعارات سالفة غابرة، وابتزاز العواطف الشعبية، لسبب جدّ بسيط: التخبط في فخ الأدلجة، أو مصيدة التلفيق، بدلاً من اللجوء إلى النظر وفق مناهج البحث العلمي، التي ما تفتأ تتطور ما تطورت الحياة، لأنها منبثقة منها، والتي تتطلب، بذاتها ولذاتها، وقتاً وجهداً جهيداً للتخلي عن بعض ما كان مألوفا في الأحوال الرتيبة. وهذا ليس بالأمر الهين.
مع تحاشي الخوض في الحديث عن تلفيقات الإيديولوجيات المتفشية في عالمنا العربي، لنتقصّ، فقط، علاقة الإيديولوجيا بالجغرافيا. من المعلوم أن الإنسان يصنع تاريخه على الأرض التي يعيش عليها، ويجهد فيها، لتحصيل معاشه. ثم تأتي إيديولوجيا ما لتبشّر بأولويتها في رعاية شؤون الناس، فاصلة الإنسان عن أرضه لتربطه بها. لماذا؟ بكل بساطة، لأن أرض الناس الذين يعتنقون تلك الدوغما تغدو أرضها، فإذا ما نزحوا عنها، أو أجلوا، أو تغيّروا، لا تعود الأرض ذات شأن. ولا داعي للتطرق إلى الأمثلة فهي صارخة، ما تفتأ تتردد بكائياتها.
من الطبيعي أن يبقى الناس مؤمنون بما، سبق، أو أرادوا، الإيمان به، فالعقائد لا تفنى وإنما تتكاثر وتتفرّع. كما من المألوف معرفة الناس عيوبَ أنظمة عيشهم، وارتباكَ أنماط تفكيرهم في مواجهة متطلبات التحديث، لكنهم، بحكم بنية التربية المجتمعية، ما يفتؤون يتشبثون ببعض التقاليد الموروثة، يُكسِبونها عبر الزمن غلالة من القدسية، مما يجعل من الصعب عليهم تقبّل النقد، الموجّه إليها، مهما كان بنّاءً. لذا يميلون إلى مقاومة التغيير، وأحياناً بضراوة، على الرغم من ضرورته.
لقد تصادف في حالات معينة، استثنائية، اصطدام تقدم المدنية في مجتمع ما بمعوقات ناجمة عن مجابهة التقدم بالأساليب الدوغماتلفيقية. وقد يحدث تحت وطأة الظروف، بالإضافة إلى التردي الاقتصادي، انتكاس مجتمع حضري ما فيتبدّى، أي يعود إلى البداوة، أو شبهها، وقد حصل مثل هذا تاريخياً.
أخيراً، استنادا إلى المعطيات السالفة، بمَ يمكن تفسير خوضَ، من كانوا حتى عهد قريب يكفّرون الانتخابات ومُبْدِعَتهُا الديمقراطية، غمار معارك انتخابية نيابية؟!!
من أطرف ما قيل، منذ مدة، قول فائزٍ منهم في الانتخابات “إنه تربى – في جماعته – على خدمة المصالح العامة. ولو كانت المصالح الخاصة هدفه لعمل في السياسة”؟؟!!
قال القدماء: “البلاغة الإيجاز” فهل هناك وصف لذاك القول التراجيكوميدي أبلغ من: “شرّ البليّة ما يُضحك”.
اقرأ:
حسن الصفدي: أما زالت هناك حضارة عربية إسلامية قائمة؟