on
Archived: باسل العودات: سوريا.. نحو مجلس عسكري
باسل العودات: المدن
جاء التدخل العسكري الروسي في سورية مفاجئاً للكثيرين من المراقبين والدبلوماسيين، الذين انصرفوا إلى تحليل أهدافه وأبعاده وتوقع مآلاته، وكان الموقف صادماً للمعارضة السورية التي رأت في هذا التدخل إصراراً روسياً على حماية النظام السوري والرئيس بشار الأسد شخصياً، فيما رأت فيه دول المنطقة والغرب عموماً تدخلاً مريباً، واكتفت كلها بالتنبيه والتحذير من نتائج هذه الخطوة.
شنت المعارضة السورية هجوماً على روسيا، تلك الدولة التي لم تترك فرصة لدعم النظام السوري منذ أربع سنوات وحتى اليوم إلا واستغلتها، وحذّرت من هذا التدخل واعتبرته عدواناً واحتلالاً وشراكة للنظام في قتل الشعب، وهددت بعض الفصائل المسلحة الأكثر تشدداً بأنها ستشنّ حرباً مفتوحة ضد القوات الروسية في سورية.
لم يكن هذا التدخل هو المفاجأة الوحيدة المتعلقة بالشأن السوري، فخلال الأيام التي تلت التدخل العسكري الروسي العلني فجّر زعماء أوربيون وإقليميون قنبلة سياسية ثانية، حيث أعلنوا عن موافقتهم على أن يكون بشار الأسد جزءاً من مرحلة انتقالية في إطار حل للأزمة السورية.
ارتبكت المعارضة السورية كثيراً، وكل ما رأته أن دول العالم بدأت تخذل السوريين، وجزمت بأن الرئيس الأمريكي فاشل وسياسته متهالكة، وأن أوروبا مستسلمة، ولم ينج زعيم من زعماء هذه الدول من انتقاد المعارضة، وبرعت في الانتقاد و(الشتم) دون أن تُقدّم بدائل أو خططاً لمقاومة هذا التدخل أو لعكس نتائجه، ولم تلعب سوى دور الضحية التي تنتظر مصيرها الذي لا تتحكم فيه.
لكن، في واقع الأمر، يبدوا أن هناك سيناريو آخر غير الذي تفترضه المعارضة السورية، حيث تجمعت جملة قضايا ومعطيات تؤكد على أن مسار الأزمة السورية بدأ يتغير، لكن ليس بالضرورة لصالح النظام السوري، ويمكن تمييز المعطيات بنوعين، معلومات وتحليلات.
على صعيد التحليل، يمكن الجزم بأن التدخل الروسي في سورية أتى بضوء أخضر أمريكي، فلا يمكن لروسيا أن تتحرك في هذا الملف الدولي عالي الحساسية والأهمية دون تنسيق مع العم سام، الحاوي صاحب صندوق (باندورا) القادر على استخدام الكثير من أوراق الضغط التي يملكها ضد روسيا، فالشرق الأوسط ليس مجالاً للمساومة الأمريكية التي لم ولن تتخلى عن جوهرة التاج، وهذا التنسيق الأمريكي بدا واضحاً حين أعلنت الولايات المتحدة أنها على اطلاع على الضربات الجوية الروسية قبل انطلاقها.
كذلك تفاعل أوربا مع الحدث كان سريعاً وإيجابياً بشكل ملفت، وبما أنها ليست بوارد تغيير مواقفها واستراتيجياتها أو آرائها السياسية إلى عكسها، فإنها حُكماً وافقت على التحرك الروسي لأنه وصلتها خريطة طريق مناسبة لا تتناقض مع مواقفها الصلبة ضد النظام السوري.
أما إقليمياً، فيمكن الوصول لنتائج مشابهة، فإسرائيل اتُفقت مع روسيا على تشكيل فريق عسكري رفيع المستوى للتنسيق، وتؤكد العلاقة العضوية الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة على أن الأولى تلقّت تطمينات أمريكية واضحة المعالم هدّأت من ارتيابها وشكوكها، وبالعموم تنسيق روسيا عسكرياً مع إسرائيل بجوهره هو تنسيق مع أمريكا.
أما إيران فيبدو أن صمتها تعبير عن قلقها أو شعورها بأن نفوذها داخل سورية آخذ للاضمحلال، فالكرملين نفى وجود مركز تنسيق عسكري بين روسيا وإيران وقوات الأسد وفق ما حاول إعلام النظام الترويج له، على الرغم من أن الكرملين عادة لا يرد بيانات رسمية على تسريبات إعلامية، لكنّه تأكيد روسي على أنها تلعب لعبتها في سورية وحدها دون إيران، وهذا يعني بالتالي أن النظام السوري على طريق خسارة أكبر حليف طائفي له.
هذه المعطيات (المعروفة عموماً) غير كافية لاستقراء جوهر القرار الروسي للتدخل في سورية عسكرياً، ويبدوا أن هناك في (الكواليس) ما يُكمّل المشهد، ويجب معرفته لفهم مآلات التدخل الروسي ولصالح أي خاتمة سيكون هذا التدخل.
مصادر أوروبية متعددة تحدّثت عن معلومات منسجمة ومتقاطعة، تؤكد على أن الولايات المتحدة وروسيا يتفاوضان بهدوء مع ضباط منشقين عن النظام لتشكيل مجلس عسكري مشترك، من المعارضة والجيش، الجيش وحده وليس ميليشيات النظام المنفلتة مختلفة التسميات، يُشرف على القوات العسكرية والأمنية لكلا الطرفين، على أن تكون القيادة والقرارات مشتركة بالكامل، ويسبق تشكيل هذا المجلس خطوات تمهيدية ضرورية، على رأسها تحجيم التواجد الإيراني، وخروج حزب الله، وحل ميليشيات طائفية أسسها النظام، وضرب كتائب متشددة تقف عائقاً في وجه هذا التوجّه.
مثل هذا المجلس العسكري إن تم تشكيله يمكن أن يفرض الأمن في الأماكن التي يسيطر عليها الطرفان، ثم ينتقل بالتدريج للمناطق الأكثر تعقيداً وصولاً لعقر دار تنظيم الدولة الإسلامية، وأن يترافق كل ذلك مع العملية السياسية وفق الخطة الأممية، على أن لا يتدخل المجلس العسكري بالشأن السياسي إلا لضبطه وضمان سويته وعدم خرق القرارات النهائية.
إن كانت هذه المعلومات صحيحة، فهذا يعني أن هناك نيّة لحل الأزمة على الطريقة (النيو) أمريكية ـ روسية بأدوات روسية، وإن لم تظهر أي بوادر للخطوات التمهيدية، فهذا يعني أن روسيا ورطت نفسها بأزمة دولية مستعصية ستجلب لها وللنظام الذي تدعمه مشاكل لا محدودة على المدى القريب والبعيد.
اقرأ:
باسل العودات: (الفهلوية) الروسية