on
Archived: فورين بوليسي: مناورة روسيا في سوريا بسيطة
فورين بوليسي: ترجمة مركز الشرق العربي
في المؤتمر الصحفي الذي عقد يوم الاثنين, والذي جاء بعد نهاية الأسبوع الذي صعدت فيه موسكو من وجودها العسكري في سوريا بصورة مضاعفة, أعلن المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست بأن الإدارة لم تفهم لحد الآن دوافع موسكو في زيادة وجودها العسكري في المنطقة.
والحقيقة هي أنه ليس من الصعب تفهم دوافع روسيا من وراء ذلك.
السبب الأكثر مباشرة هو حقيقة أن بشار الأسد, الرئيس السوري المحاصر وزعيم القتلة يشهد خسارة كبيرة في الأراضي. في يوليو, اعترف اعترافا نادرا بأنه يتعرض للخسارة وعزا ذلك إلى النقص في القوة البشرية. حيث قال :” إننا لا نتعرض للانهيار”. وهو أمر عادة لا تصرح به علنا الأنظمة التي لا تتعرض للانهيار. قال جورجي ميرسكي, المختص في صراعات الشرق الأوسط في جامعة موسكو العليا للاقتصاد :” بشار الأسد يتعرض للخسارة, ويخسر بلدة بعد الأخرى. إذا لم تقدم يد المساعدة للأسد, فإنه سوف يخسر ومن ثم سيقول العالم برمته إن بوتين خسر”. لقد راهن بوتين على الأسد خلال السنوات الأربع الماضية, كما قال ميرسكي, ولم يتردد في الاستمرار بذلك منذ ذلك الوقت. والآن أصبح أسير ذلك الرهان. ووضح ميرسكي :” إذا راهنت على حصان وأصبح الحصان في المرتبة الأخيرة, كيف ستبدو؟ سوف تظهر وكأنك لا تفهم شيئا. وسوف ينظر إليك على أنك خاسر”.
دعمت روسيا الأسد بصورة دائمة, ولكن يبدو أن الدعم حاليا لم يعد كافيا لوقف النزيف. من أجل تجنب أن تظهر بمظهر المنهزم الذي راهن على الحصان الخاسر – والذي, قام بوتين بمثله مرات كثيرة في الشرق الأوسط- فإن بوتين زاد من الدعم للحفاظ على التوازن الذي يرغب به.
لماذ دعم الأسد؟ أشار بعض المحللين إلى ما يرون أنه نفوذ روسي متنام في المنطقة, ولكن العديدين في موسكو يرون الأمر بطريقة مختلفة. يقول فيودور لوكيانوف, رئيس تحرير روسيا في مجلة الشئون الخارجية, والذي لم يوجه انتقادا للكرملين :” هذا الكلام مبالغ فيه نوعا ما, فروسيا لا تملك الكثير من الفرص في المنطقة, وسوريا تمثل حالة فريدة”, وأضاف أن روسيا ببساطة تعمل على سد الفراغ الذي ترك خلف المراوغة الأمريكية وحالة عدم الوضوح في سياستها حيال سوريا. زيادة النفوذ الروسي تتناسب طرديا مع خسارة أمريكا لنفوذها في المنطقة. لقد فقدت الولايات المتحدة مهمتها ولهذا فإن قوى إقليمية أخرى ربما ترى أن روسيا دولة سيئة وغير مريحة, ولكنهم في المقابل يرون أنها تتصرف بوضوح واتساق”, ولكنه أضاف إن أفق التوسع لروسيا في المنطقة يعود الفضل فيه كله لسوريا. الأمر يبدأ وينتهي في سوريا”.
أصوات أخرى أكثر تشددا في موسكو يعلنون ارتياحهم لهذا الدور, سواء كان مبالغ فيه أو غير ذلك. حيث يقولون إنه وخلال الربيع العربي, فقدت موسكو نفوذها في الشرق الأوسط, بينما بدا مرة أخرى أن أمريكا تستعيد المكانة التي فقدتها بعد غزو العراق. والآن يبدو أن أمريكا لا تستطيع إيجاد طريقها في المنطقة, في حين أن روسيا تتصرف بجرأة, غير مصابة بالعجز في إصدار القرارات الذي أصاب البيت الأبيض. حاليا أمريكا بحاجة إلى روسيا. تحدث وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن الحاجة إلى التعاون مع روسيا في سوريا, كما تحدث وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر ووزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو عن “نزع فيتل المواجهة” في السماء السورية. حتى أوباما, الذي طالما رفض لقاء بوتين بسبب تصرفات روسيا في أوكرانيا, قبل لقاء الرئيس الروسي لبحث الشأن السوري. أمريكا بحاجة إلى روسيا, وهو ما يعني أن روسيا نجت بفعلتها في أوكرانيا – يشعر الروس بحب كثير لما حصل.
كتب أليسكي بوشكوف, رئيس لجنة الشئون الخارجية في البرلمان الروسي :” الولايات المتحدة بحاجة للتعاون في سوريا أكثر من روسيا. دون ذلك, فإن الولايات المتحدة سوف تجد نفسها تلعب دورا ثانويا وسوف تخسر معركة الرأي العام العالمي”.
وهذا أيضا جزء من الهدف: عودة روسيا كقائد للرأي العام العالمي بعد الضرر الذي لحق بسمعتها في أوكرانيا, والنظر إليها كوسيط قوي بحاجة إلى أن تتم استشارته في الأزمات الهامة بعيدا عن حدوده ونطاق نفوذه. لطالما شجب بوتين شرور ” العالم الأحادي القطب”, وهو العالم الذي تتفرد فيه الولايات المتحدة في العالم, دون وجود السياسة الروسية الموازنة. حاليا, ومع إحجام إدارة اوباما عن التحرك للقيام بالمزيد في سوريا فإن ذلك يعطي بوتين مساحة أكبر على الطاولة وصوتا أعلى في تحديد شكل الحل السياسي فيما تبقى من سوريا.
ولكن يبدو حتى أن أعضاء الكرملين الموثوقين يعترفون بأنه لا أحد سوى روسيا يفضل هذا الترتيب – وأن روسيا, كما قال بوشكوف لا تحتاج فعلا إلى كل ذلك. سيرجي ماركوف, مدير معهد الدراسات السياسية وعضو الغرفة الاجتماعية الروسية – الذي أخبرني أن الولايات المتحدة شنت حربا مهجنة ضد روسيا في أوكرانيا وأن الأسد هو أكثر السياسيين تمدنا في المنطقة – قال بأن موسكو ببساطة حملت هذه المسئولية. وأضاف “لا يعود تنامي دور روسيا لأنها تريد دورا أكبر, ولا يريد بوتين دورا أكبر. روسيا تريد فقط أن تملأ الفراغ الذي تركه تخلي الولايات المتحدة من مواقعها. سياسة الولايات المتحدة فيها نوع من اللاعقلانية, ولهذا خلفت نتائج كارثية في المنطقة. على النخب في المنطقة أن ينأوا بأنفسهم عن الولايات المتحدة والعمل مع روسيا”. وأضاف إن موسكو تفضل التعامل مع أوكرانيا. وقال أيضا :” على روسيا أن تتصرف في سوريا لأن فراغا يتشكل هناك, إذا لم تملؤه روسيا, فإنه سوف يشكل خطرا عليها”, ويشرح ماركوف بأنه وبسبب وجود الدولة الإسلامية فإن الأمر “لا يعد استباقيا ولكنه نابع من الضرورة”.
لماذا على روسيا أن تملأ الفراغ؟ لأنها لا زالت ترى نفسها كقوة عظمى تخوض صراعا لا نهاية له مع قوة عظمى أخرى, وهي الولايات المتحدة. وإذا كانت الولايات المتحدة التي تشعر بأن مصالحها قوضت بسبب تورطها في الحرب الأهلية السورية, سوف تترك فراغا على رقعة اللعب, فإن روسيا تشعر بأن عليها أن تتحرك لتملأ ذلك الفراغ, ويعود ذلك ببساطة إلى أن مصالحها تتمحور حول أن “الأكثر هو الأفضل”. والآن ولمرة واحدة, يبدو أن سياسة روسيا الخارجية وسياسة أمريكا الخارجية يكمل كلا منهما الآخر.
اقرأ:
فورين بوليسي: التحركات الروسية في سوريا لحماية مصالحها وليس «الأسد»