Archived: بنان الحسن: هل نسيت روسيا تجربة أفغانستان ؟!

بنان الحسن: كلنا شركاء

المراقب العادي للتدخل الروسي الأخير في سوريا قد يظن أن روسيا نسيت تجربتها في أفغانستان، وسيحدث معها ما حدث في أفغانستان، وأن السعودية التي هزمت روسيا بأفغانستان بتمويلها للمجاهدين هناك ودعمها لهم وسكوتها عنهم (بإشراف أمريكي) ستعيد الكرّة هنا في سوريا وستهزم روسيا.

هذا الكلام من وجهة النظر السطحية يبدو أنه صحيح وأن الحالتان متشابهتان ومتطابقتان، لكن لو نظرنا إليه بعمق نجد أن هناك اختلافا كبيراً بالحالتين.

سنوصّف الحالة الأفغانية سريعاً وبتعددات خمسة:

1- كان الروس جيشاً غازياً ترفضه كل فئات المجتمع الأفغاني باختلاف أعراقها ومذاهبها .

2- كان الروس جيشاً نظامياً (غازياً) يحارب بطريقة روتينية للجيوش النظامية المعروفة .

3- هذا الجيش كان يحارب رجالاً واجهوه بحرب عصابات (من أصحاب الأرض) ذوو عقيدة وعلى قلب رجل واحد (تقريباً) يقودهم رجل واحد تقريباً (عبد الله عزام)، فهذه العصابات أنهكته وذلّته وشتته وجعلته ينزف حتى أعلن استسلامه وخرج ذليلاً .

4- كان الروس يحاربون بمعنويات منهارة وبدون أي عقيدة قتالية وبانهزام نفسي .

5- وكان الأمريكان وقتها بأوج قوتهم وكانوا يريدون الردّ على الروس بسبب ما فعلوه بفيتنام ودعمهم للثوار هناك ولم يكونوا قد أنهكوا بحربين جعلت أمريكا تنزف، وكانوا يضعون كل ثقلهم لهزيمة الروس بأفغانستان لأن بهزيمتهم سيتفكك الاتحاد السوفيتي كله وتنتصر أمريكا بالحرب الباردة معه (وهذا ما حدث).

بينما بالحالة السورية فإنّ الوضع هو التالي:

1- الروس عند نصف المجتمع السوري تقريباً (الموالون) ليس جيشاً غازياً بل جيشاً صديقاً بل حتى جيشاً منقذاً ويرّحبون به أكثر من الايرانيين، وذلك لأن الروس ملاحدة شيوعيون والايرانيون ملتزمون دينياً والعلويون يميلون للإلحاد أكثر من الالتزام، وهذا سبب مهم وأساسي لمن يفهم بالـ ( السيكولوجيا السياسية للمجتمعات).

2- الروس الآن ليسوا جيشاً نظامياً سيحارب لوحده، بل سيستعمل سلاحه الاستراتيجي كرادع على الصعيد الاقليمي والدولي (كمنظومات الصواريخ الدفاعية)، وسلاحه الحديث العسكري كمساعد في العمليات وأساسه الطائرات ذات الإصابات الدقيقة وبعض الأسلحة الأخرى!

ومن سيقوم بالمهمة هم حزب الله كقائد للجيش السوري ومعلوم الخبرة الطويلة جداُ للحزب في حروب العصابات والحروب النظامية ودمجهما.

3- المقاتلون المعارضون اليوم على الأرض أبعد ما يكونوا عن التعمق بحرب العصابات واتقانها عدى تطويرها لحرب شبه نظامية مدموجة بحرب العصابات.

(كما فعل الحزب تماماً على مدى سنين فطوّر حرب العصابات الخاصة به لحرب مدموجة بين الحرب النظامية وحرب العصابات، وهذا حق لا ينبغي لنا أن نعمي أعيينا عنه وندس رؤوسنا بالتراب ونقول هؤلاء أولاد متعة، فالعاقل هو من يعلم عدوه وقدراته جيداً فوقتها يمكن ان يهزمه، ومن هنا كان سؤال النبي للغلامين الذين اعتقلهما الصحابة على ماء بدر : كم عدد القوم فلم يعرف الغلامان فقال لهم كم يذبحون فعرف النبي العدد من عدد الابل المذبوحة، وإلا لقال معنا الله وهؤلاء أولاد الأصنام !) .

عدا عن أن المقاتلين المعارضين اليوم ليسوا على قلب رجل واحدٍ أبداً، فالدول الداعمة قد شتّتهم وفرّقتهم ومزّقتهم شر ممزّق فضاعت البوصلة وتاه المقاتل وأصبح كل حزبٍ هو الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وكل حزب لما لديهم فرحون، الكل يخون الكل والجميع يتهم الجميع فضاعت البوصلة وتاه الرأي وتشتت القوة وضعفت العقيدة القتالية عند الكثير من الشباب الذي كان مستعداً يوماً من الأيام ان يضحي بكل ما يملك أصبح الان يهرب لأوروبا يأساً من الوضع وأهم ما في الوضع هو التشتت الحاصل وأنّ كلَّ حزب بما لديهم فرحون!

4- الروس اليوم في طور ارتفاع معنوياتي نوعاً ما وفي طور صعود وخصوصاً بوجود شخصية قوية عندهم كبوتين يعتبرونه مجدداً لأحلامهم، وهذا مختلف تماماً لما كان عليه الاتحاد السوفييتي بحرب أفغانستان!

5- وهي نقطة مهمة أن أمريكا اليوم خارجة من حربين أنزفاها وشتتاها وأنهكاها: (العراق -أفغانستان) وأمريكا اليوم تقدم رجلاً وتؤخّر رجلاً بالحرب في سوريا، وخصوصاً بعد إخراج سجناء صيدنايا وتحوّل الحرب هناك إلى حرب بين النظام وبين ما تعتبرهم أمريكا “تهديداً لأمنها”، وكل هذا كان بعناية ورعاية فائقة من المخابرات السورية ذات الخبرة الكبيرة بالجماعات الاسلامية والجهادية وتفكيرها وخلافاتها وخصوصاً ما اكتسبته من خبرة مضافة بأحداث صيدنايا وخلافاتها وزعمائها وقتالهم بين بعضهم، والتي تكررت الان نفسها بالساحة السورية!

هذه كانت مقارنة سريعة بسيطة مختصرة شاملة للحالتين الروسية في أفغانستان بنهاية الثمانينات وسوريا الان، لابدّ لك أن تعقلهما وتفكر بهما جيداً لتحكم، فالحكم على الشيء فرع من تصوّره، وهنا قول جميل لابن عثيمين : ((ومن القواعد المعروفة المقررة عند أهل العلم : الحكم على الشيء فرع عن تصوره ؛ فلا تحكمْ على شيء إلا بعد أن تتصوره تصوُّرًا تامًّا ؛ حتى يكون الحكم مطابقًا للواقع ، وإلا حصل خللٌ كبيرٌ جداً !)) .

المشكلة فينا هي أننا نريد أن نسمع ما نحب أن نسمعه ونصفّق له لنهرب من واقعنا، ولا نريد أن نسمع ما يجب أن نسمعه من وقائع وحقائق لنعرف أن نتعامل معه !!