on
Archived: عبدالله أمين حلاق: مدينة السلَمية… معارضة من نوع آخر
عبدالله أمين حلاق: المدن
لا يخطئ المتابع للأحداث في مدينة السلَمية السورية كثيراً، عندما يعتبر هذه المدينة بمعنى ما، مدينة “محرّرة” من سلطة النظام السوري، وإن بمعايير مختلفة ومن زاوية مغايرة لتلك التي دأبنا على اعتبار بعض المدن السورية الأخرى وفقاً لها “مدناً محررة”. لا معارضة في المدينة تستطيع إخراجها اليوم من تحت سيطرة النظام وميليشياته، ولا قوات نظامية رسمية تبسط سلطتها عليها بالشكل المعروف في المدن السورية “المستقرِّة”: جيش، مفارز أمنية وغير ذلك. ثمة هياكل هلامية لــ”الدولة” وأجهزتها يجري استدعاؤها في لحظاتٍ من التصعيد يُلوّح به الأهالي، الذين ضاقوا ذرعاً بممارسات ميليشيات تعيث فساداً ونهباً وإذلالاً للسكان. تنحصر تلك الميلشيات في أيدي عناصر من حملة السلاح يعرفهم أبناء المدينة تبعاً لأسماء عائلاتهم “آل سلامة، آل حمدان، آل الصالح، آل عفيفة”، وهؤلاء ينحدرون من القرى القريبة من السلَمية والمحيطة بها، وينتمي أبناؤها إلى الطائفة العلوية، جرى استدعاؤهم في بداية الثورة عام 2011 للمشاركة في قمع التظاهرات التي انطلقت في المدينة جنباً إلى جنب مع شبيحة المدينة من “سكانها الأصليين”.
إلا أن الأمر اليوم اختلف عما كان عليه قبل أكثر من 4 أعوام، ذاك أن “شبيحة” المدينة الذين ينضوي معظمهم اليوم ضمن ما يسمى بــ”الدفاع الوطني” باتوا على صدام غير معلن مع الميليشيات التي ينتمي أبناؤها إلى الريف الجنوبي، وإلى حي “ضهر المغر” الذي يقطنه علويون أساساً. عناصر تلك الميليشيات كانوا دائماً، بممارساتهم، فتيلة انفجار الاحتجاجات على يد مؤيدين للنظام وليس على يد معارضين هذه المرة، على ما حدث قبل أيام، ومفاد التطور الأخير هذه المرة أن “أحد الشبيحة من آل عفيفة أطلق النار على شاب من آل القطريب في محطة وقود يملكها ذوو الشاب، ولاذ بالفرار. وعند قيام عناصر من الأمن الجنائي والجوي والعسكري ومديرية المنطقة بمحاصرة منزل الشبيح المذكور، حضرت مؤازرة داعمة له قامت بالهجوم على الدوريات الأمنية وتخليص الشبيح من الحصار، بعد أن استولوا على بعض الأسلحة التي كانت بحوزة العناصر الأمنية” وفقاً لنشطاء في المدينة.
وعليه، قام مؤيدون للنظام، معترضون على هذا الوضع، بالدعوة إلى اعتصام في الساحة العامة في المدينة بناء على مطلبين: أولهما، إلغاء كافة المظاهر المسلحة في المدينة، وثانيهما، تمكين دور الأجهزة الأمنية الرسمية فيها. لم يُبدو من قِبل النظام السوري أدنى تجاوب مع مطالب محلية يقوم بها مؤيدون لا يزالون يرونه مخلّصاً وحامياً لهم، إلا في لحظات التلويح بالتحرك الشعبي والاعتصام أو التظاهر، وإن يكن تظاهراً “تحت سقف الوطن”. هكذا، ولدى التلويح بالتصعيد والتحركات الشعبية التي تبدأ بالاعتصام، أرسل النظام وفداً اجتمع مع فعاليات أهلية واجتماعية وبحضور مسؤولين أمنيين وإداريين، وضم الوفد كلاً من أمين فرع حزب البعث في حماة، ومسؤول اللجنة الأمنية في المحافظة، ورئيس جهاز الأمن السياسي في حماة، وقائد مركز الدفاع الوطني في السلَمية. وخَلُص هؤلاء لدى اجتماعهم بالأهالي في قاعة “المركز الثقافي” في السلَمية إلى أنه “تمت مناقشة الحالة الأمنية القائمة في المنطقة والمتمثلة في الممارسات التي يقوم بها بعض المارقين على القانون وباللباس العسكري، وأكد المجتمعون على ضرورة رفع الغطاء عن المجرمين ومحاسبتهم بصفتهم الشخصية.. وقطع الطريق على الفتنة وترسيخ الوحدة في المنطقة لمواجهة الحرب الظالمة التي تشن على سوريا “، كما جاء في بيان صادر عن “الدفاع الوطني – مركز السلَمية”.
يعتبر نشطاء من أبناء المدينة أن عناصر الميليشيات تقوم بممارسات تستهدف كلاً من المؤيدين والمعارضين في المدينة، ويرون في “الدفاع الوطني” مصدر خطر جسيم عليهم مستقبلاً. وعليه، تم تحييد “الدفاع الوطني” عن كل الإشكالات التي تحدث بين الميليشيات غير المحلية في السلَمية وبين أبناء المدينة. وكان النظام قد قرر في العام الماضي على لسان ممثليه في المدينة تحييد “الدفاع الوطني” في المدينة عن المشكلات الشبيهة بما حصل مؤخراً، بحجة إفساح المجال لــ”تدخل الدولة في حل النزاعات”.
الانقسام الذي كان واضحاً في بداية الثورة السورية في السلَمية بين مؤيدين ومعارضين، وخاصة إبّان التظاهرات الكبرى التي خرجت في المدينة ضد النظام، بات غائباً اليوم بعد الضربات الأمنية المتتالية التي تلقتها المعارضة في المدينة على يد المفارز الأمنية والميليشيات المتنوعة العاملة في المدينة، ومنها “الدفاع الوطني”. ويكاد الانقسام اليوم يكون، في ظل غياب المعارضة بشكل شبه كامل عن الساحة، بين مؤيدين مناصرين لـ”الدفاع الوطني”، وميليشيات تنتمي إلى ريف المدينة العلَوي تحديداً، مع عدم إغفال الغطاء الذي تحظى به من قبل النظام بشكل مباشر أو غير مباشر، ونجاح هذا الأخير في خلق توازن سلبي ضمن المدينة يبقيها عرضة لاحتجاجات قد تنفجر في أي لحظة، من دون أن يكون هناك رهان كبير يمكن أن يبنى عليها في قلب موازين المعادلة طالما أنها ستبقى تحت”سقف الوطن”.
فشل النظام السوري في جعل مدن الأقليات شبيهة بسوريا قبل الثورة، رغم “الاستقرار النسبي الذي لا تزال تعيشه بعض تلك المدن قياساً بالمدن السورية الأخرى، غير أنّ مراقبة تطور الأحداث في مدينة السويداء بعد اغتيال الشيخ وحيد البلعوس، واللاذقية بعد حادثة سليمان الأسد المعروفة، ومع الإقرار بعدم المقارنة بين الحادثتين بالطبع، فإن النظام الذي قوض استقراراً موهوماً خلقه في خمسين عاماً، قادر على تقويض استقرار شبيه خلقه عبر سنوات الثورة في مدن أقليات يرى نفسه حامياً لها، بينما يبقى “سقف الوطن” مرهوناً بقدرة البشر على الحياة اليومية ضمن المعقول والنسبي، خارج شعارات المواجهة والصمود والتصدي لــ”الحرب الظالمة التي تشن على سوريا” بحسب بيان الدفاع الوطني.
اقرأ:
قتلى وجرحى لقوات النظام في عملية نوعية طريق حماة السلمية