on
Archived: د. محمد حبش: بقية أمل.. في جنيف
د. محمد حبش: كلنا شركاء
بعد أيام سيلتقي من يمثل الرجلين اللذين يحكمان العاصمة دمشق بالحديد والنار منذ أربع سنوات، وسيكون على طرف الطاولة مفاوض من النظام وعلى الجانب الآخر مفاوض من جيش الإسلام.
وفي جانب آخر من الطاولة سيلتقي النظام أيضاً بجيش الفتح للحديث عن حلب وإدلب.
إنها لحظة فارقة بكل تأكيد وتمثل اشياء كثيرة للسوري الغارق في الإحباط والوهن.
ولكن اللقاء ليس هو الغاية، بل الخلاص، فاللقاء لا يتم بأي روح إيجابية، وسينظر الفريقان في الوجوه المتقابلة، بعيون جارحة قاسية، ومع أنها لا تملك في قاعة جنيف ما كانت تملكه في ساحات المعارك، ولكنها تملك الوعيد والتهديد وترغي وتزبد، ولا يرى كل جليس في جليسه إلا جثة خائن.
إنها قراءة سوداء تفرض الإحباط وتقتل الأمل، ولكن الحقيقة الصعبة أفضل من الوهم المريح، فهل بعد ذلك بارقة أمل…؟
الطريق الى جنيف باتت سالكة بصعوبة، تقاوم فيها إرادة السوريين إرادات الغرباء، وتدخلات القوى الاقليمية والدولية، وحسابات الكبار التي لا تقوم أبداً على أساس مصالح السوريين.
ولكن الفريق المفاوض بات مقنعاً للغاية، ويحظى بدعم مقبول من القوى الأساسية على الأرض وفي المعارضة كما يحظى بدعم المسار الثاني الذي تنشط فيه الدبلوماسية الدولية في مساعدة المسار الرئيسي للتفاوض وشرح وجهة نظره للمجتمع الدولي، والجميع بات ينتظر من المفاوضين أن يتحملوا مسؤولياتهم بغيرة ووطنية.
وحين أكتب هذا فأنا لا أتحدث كعضو في مسارالرياض ولا في المسارات الموازية، أتحدث كسوري منهك تائه في عنابر الأمم، أتحدث كسوري رفض العنف بكل ألوانه، ولكنه لا يسوي بين الضحية والجلاد.
أكتب هنا عن الإنسان وليس عن الأحزاب والمحاصصات، أكتب عن مدن مدمرة وأسر محطمة ووطن منكوب، أتحدث عن عشرات الآلاف العالقين في الصحراء بين سوريا والأردن ينتظرون لحظة خلاص وأمل، وأكتب عن السوريين الهائمين في تيه الأمم، يبحثون عن رغيف حياة وقطرة أمل، أتحدث عن مليون جريح ومعاق يخافون أن يذهبوا إلى المشافي التعيسة، ويؤثرون نزيف الموت على سحنة المحقق وسوط الجلاد، أتحدث عن أسوأ نكبة عاناها شعب مقهور في الدنيا منذ اكثر من نصف قرن.. …..
تسعة أعشار السوريين ليس لهم صلة بقرار البطش ولا بقرار الثورة، كانوا يعيشون في وطن حالم، يحسبونه قطعة من الجنة واستفاقوا عليه وهو مزرعة ضباع.
ومع أن المفاوضين في العادة هم إرادة من أرسلهم، ولكن يجب أن نؤمن ببقية من الإنسان في كل صوت يتحدث عن الأوطان.
ونكفر بعقولنا إذا افترضنا أن الضفة الأخرى بلا ضمير…
قلت لوفد النظام في موسكو: أنا أعرفكم جيداً ولديكم ثقافة عالية وخبرات متفوقة، فهل يشرفكم الدفاع عن التعذيب الذي يمارسه في السجون ساديون بلا قلب ولا رحمة ولا روح؟؟ هل يشرفكم الدفاع عن البراميل التي تلقيها طائرات جيشنا الوطني على أساس مبدأ إبادة الحاضنة الشعبية للمسلحين؟
وقلت في مقام آخر لمن يطلقون مدافع جهنم إنكم تمارسون تجارة الموت نفسها، ولا يمكن أن يكون الخلاص من الظلم بممارسة ظلم آخر، ولو كان خلاص العالم يتوقف على قتل طفل بريء فسيظل هذا العمل غير أخلاقي.
أتمنى أن يتمسك المفاوضون بشعار جنيف بنسخته الشعبية: لا نحن ولا أنتم…. نحن صنعنا الحرب، فاتركوا غيرنا يصنع السلام… نحن على شاطئ المسوؤلية التاريخية وعلينا أن نتحمل مسؤولياتنا في وقف طوفان الموت.
إنها التفسير الشعبي لتعبير القرار الأممي: سلطة حكم انتقالي توافقية كاملة الصلاحيات، ووفق هذه الفهم فإن المطلوب هو سوريون آخرون لم يمارسوا لعبة الموت، لا في النظام ولا في المعارضة، ولكنهم يتفهمون تماماً مخاوف هؤلاء وهؤلاء ويعملون من أجل الشعب المنكوب.
المطلوب هيئة حاكمة توافقية ، ومعنى توافقية أن يوافق عليها الفريقان، وبالتأكيد لن نوافق على من أطلق الرصاص على شعبنا ولن توافقوا على من أطلق الرصاص على عساكركم.
انها بداهة لا تحتاج لطويل شرح، ولا لكثير تفسير…..
لا نحن ولا أنتم… لم يقم هذا الشعب بثورته من أجل أن يزاح فصيل مقابل آخر، لقد قام الشعب بثورته من أجل كرامته المسحوقة، من أجل أحبائه الرازحين في السجون بلا محاكمات، من أجل أطفاله الذين يعذبون في سجون الأمن العسكري، من أجل أن لا يأتيه زوار الليل فينكبون حياته وحياة أهله ويحيلون أعمارهم وأيامهم إلى سواد أليم.
لا نحن ولا أنتم… هو عنوان المرحلة الانتقالية، الأمل كبير بالخلاص إذا تجردنا من حظوظ الذات، وآفاق العمل لخدمة سوريا خارج الهيئة الانتقالية أكبر بألف مرة من العمل في كواليسها وسراديبها.
يملك النظام أن يذهب بباردة حسن نية ويطلق سراح المعتقلين ويعلن وقف القصف بالطيران بوصفه الجانب الوحيد الذي يمارس هذا اللون من الشر، ولكن التجارب السابقة تجعلك محبطاً تجاه هكذا رجاء، وتفرض القراءة السابقة أن أيام التفاوض أشد عنفاً ودموية.
وتملك المعارضة ان تطلق بادرة تتناسب مع عدالة قضيتها ودفاعها عن الشعب المنكوب، وتعلن وقف قصف الاهداف التي يسيطر عليها النظام في دمشق وحلب خلال مدة المفاوضات، وبكل تأكيد فإن التوقف عن هذا القصف لأسابيع أو أشهر لن يغير قواعد اللعبة ولكنه يعني الكثير للسوريين المعذبين في الأرض.
دعونا نحمل لشعبنا بعض الأمل وبعض الأحلام الممكنة في غمار لعبة الموت المستمرة منذ خمس سنوات عجاف.
لا خيار لنا إلا زرع الورود والأمل على سفح بركان الكراهية والحقد الطامي الذي أطلقته مآسي المحرومين وعذابات المنكوبين…
كلنا في المأساة سواء، وكلنا في الحل شركاء….