on
Archived: فورين بوليسي: ما الذي تعنيه رؤية بوتين لسوريا بالنسبة لأمريكا
فورين بوليسي: ترجمة مركز الشرق العربي
خطاب الرئيس أوباما الذي ألقاه في فورت ميد في 11 سبتمبر, كان واسع النطاق, وغطي مواضيع السياسة الخارجية إضافة إلى انعكاساتها الصعبة على كونه رئيسا ورجل عائلة في وقت واحد. ولكن ما يهم حقا هو ما قاله حيال سوريا والدور الذي تلعبه روسيا في ذلك الوضع المتوتر. ملاحظاته كشفت عن قدرة كبيرة على الحفاظ على رسالته بعض النظر عن حجم الحقيقة التي يتجاهلها.
قال أوباما للجنود إن الولايات المتحدة وروسيا لديهما مصلحة مشتركة في سوريا في قتال الدولة الإسلامية. هذا صحيح بقدر ما ذهب إليه. ولكنه يتهرب من المشكلة الأكثر أهمية وهي نظام بشار الأسد – وأن هزيمة الدولة الإسلامية هو مجرد هزيمة للأعراض والأمر أكبر من ذلك بكثير. علاوة على ذلك, فإن هزيمة ما كان يعرف في البيت الأبيض بأن “فريق جي في” لا يشكل المصلحة الحقيقية للولايات المتحدة, كما أنها ليست المصلحة الأساسية لروسيا أيضا, وأن هذه المصالح الرئيسة مختلفة في الواقع.
مصلحة أمريكا الرئيسة – التي وضعها أوباما بوضوح قبل أعوام- هي إنهاء نظام الأسد. وجود ذلك النظام هو المسبب الرئيس للمشاكل في الشرق الأوسط اليوم والرئيس تعهد بوضع حد له. في مرحلة ما قام الرئيس بإحباط هذه المهمة وازدادت الأمور سوء. مقتل مئات الآلاف من السوريين, بعضهم بالأسلحة الكيماوية؛ وتشريد الملايين والموجات البشرية من طالبي اللجوء الذين يزحفون باتجاه أوروبا يوميا, كل ذلك تسبب به نظام الأسد الذي ترك في السلطة بعد أن قالت الولايات المتحدة منذ أربع سنوات إن عليه الرحيل. الأسوأ من ذلك, هو أن الدولة الإسلامية ملأت فراغ الدولة المنهارة التي خلقها الأسد (وهو يخسر الحرب حاليا) وسيطرت على أراض من سوريا والعراق ترتكب فيها فظائع لا يمكن وصفها في كلا البلدين. بالطبع الدولة الإسلامية مسئولة عن تصرفاتها ولكن حكم الأسد والحرب يحملان جزء كبيرا من المسئولية. ولعل أسوأ نتيجة من حيث الجغرافيا السياسية بالنسبة للولايات المتحدة هو وجود روسيا على الأرض في سوريا للدفاع عن نظام الأسد. لماذا؟ لأن مصلحة روسيا الأساسية هي أن يبقى حليفها الرئيس في الشرق الأوسط في السلطة بحيث يمكن لروسيا ممارسة نفوذها على الأحداث التي تجري. وهذا ما يبدو أن الرئيس الأمريكي لم يدركه بعد.
لنلاحظ تصريحاته أمام الجنود. قال إنه حذر بوتين في الماضي بأن دعم الأسد سوف يجعل الأمور أسوأ ولا يمكن أن يقود إلى تسوية سلمية. ولكن بوتين لم يوافق على ذلك, وبوضوح اعترف الرئيس بأن بوتين لم يأخذ بتحذيراته. وهذا مرده إلى أن بوتين لا يسعى إلى نفس السلام الذي يريده أوباما. يوتين يريد العودة إلى الوضع السابق مع سوريا الذي يحافظ على التحالف في سوريا في حالة سلام . وإذا كان ذلك يعني أن يبقى الأسد في السلطة أو أحد رفاقه فإن موسكو راضية عن ذلك, وليكن ذلك. ولكن ذلك لا يعني بالنسبة لبوتين أن النظام الذي يختاره الشعب السوري يجب أن يحكم, ولا أي نظام يمكن أن يرفض وضع الوكيل الروسي في الشرق الأوسط.
أثبت بوتين عزمه خلال الأيام القليلة الماضية من خلال إرسال العديد من سفن الشحن المملوءة بالسلاح والعتاد لتجهيز 1500 جندي من أجل إقامة قاعدة جوية في سوريا. وتمثل رد أوباما في القول بأننا سوف نعمل مع الحكومة الروسية لكي نجعلهم يعرفوا بأنه لا يمكن الاستمرار في سياسة محكوم عليها بالفشل. لماذا قد يهتم بوتين بمثل هذا التحذير إذا لم يكن يهتم بأي تحذيرات أخرى؟
بدلا من ذلك, يبدو أن الرئيس مستمر في خطة العمل التي أظهرت أنها لم تنجح خلال السنوات الأربع الماضية. أذكر أنه عندما تخلى الرئيس عن خطته الأساسية لتنحي الأسد, رجع إلى بوتين ليساعده. لا يمكن لبوتين أن يطلب نتيجة أفضل من ذلك.
في النهاية, نصح الرئيس أنه “طالما أن الأسد في السلطة, فإنه سوف يرحل أكبر عدد من الشعب السوري بحيث لا يمكن الوصول إلى وقف سلمي لإطلاق النار وتسوية سلمية, وسوف يستمر الفراغ الذي ملأه الإرهابيون”. ولكن مرة أخرى, بوتين لم يوافق. الفراغ سوف يملؤه النظام السوري ما إن يتعزز موقفه وسوف يهزم خصومه من خلال الضربات الجوية الروسية والقوات الموالية للأسد ذات التدريب والإعداد العالي.
قدرة الرئيس على الاستمرار في الاعتقاد بأنه محق وسوف يدرك الآخرون ذلك في النهاية أمر مذهل. الآن لدينا الروس في المنطقة مرة أخرى, على الأرض وفي البحر وفي الجو, ويسعون إلى عكس الخسائر التي تعرض لها حليفهم وبذلك يمكن حماية المصالح الروسية. وقد فعلوا كل ذلك تحت ذريعة المساعدة في هزيمة الدولة الإسلامية وهي ذريعة كاذبة. وزير الخارجية سيرجي لافروف لم يؤمن يوما ما بفكرة أن الأسد يجب أن يرحل, ولكن تصرفات أوباما توحي بأنه وبوتين يسيران على نفس النهج. وشدد أوباما على أنه “يبدو الآن أن الأسد قلق بما يكفي بحيث يدعو المستشارين والمعدات الروسية إلى بلاده”. يبدو أن أوباما يسعى من خلال هذ الكلام إلى أن يضع وجها سعيدا على حالته السيئة, ولكن يبدو أن البيت الأبيض خضع للوهم. يرى الأسد أن تحول الأحداث هذا يشكل خلاصا له طال انتظاره, وينظر بوتين إلى ما يجري بأنه انتصار جيواستراتيجي.
عندما لا يعود الكلام المعسول مجرد كلام سياسي ولكن وهم حقيقي, فإن بإمكاننا التأكد بأن الأيدلوحية الناجحة هي الأيدلوجية المعتمدة على اليوم وليس على السبب. من غير المنطقي أن نفترض أن الولايات المتحدة وروسيا لديهم نفس المصالح في الشرق الأوسط أكثر مما لديهم في أوكرانيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي القديمة.
وما الذي سوف يفعله أوباما عندما يستمر بوتين في الضغط باتجاه دعم الأسد وأن السلام المهتم في تحقيقه هو هزيمة كل التحديات أمام سلطات الأسد بما فيها هزيمة المتمردين المعتدلين الذين تدعمهم وتدربهم أمريكا؟ بالطبع يخدم ذلك مصالحه, ولكن هل هي ذاتها مصالح الولايات المتحدة؟ سيكون من الوهم الاعتقاد بذلك.
اقرأ:
فورين بوليسي: لعنة عقيدة أوباما وأزمات الشرق الأوسط