on
Archived: د. حبيب حداد: أزمة النخب العربيةالراهنة , بين الوعي والسلوك
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
في محاولتنا المتواضعة لمقاربة هذه المسألة بأكبر قدر مستطاع من الموضوعية ,لا بد لنا في البداية من التأكيد على بعض المنطلقات الأساسية التي نرى انها تساعد قدر الإمكان على الالتزام بالمنهج الموضوعي لهذه المقاربة .
اول تلك المنطلقات , أن الحديث عن الأزمة التي تعيشها النخب العربية ,الفكرية والسياسية والاجتماعية , في وقتنا الراهن ,لا يعني أنها أزمة خاصة اومقصورة على هذه النخب كأنها تعيش في عالم أو عوالم أخرى لا علاقة لها بمجتمعاتها ,وان حديثنا بالتالي يظل حديثا نظريا مجردا بعيدا عما تعانيه مجتمعاتنا العربية من مشكلات وتحديات وما توجهه من عوائق وصعوبات تعترض تحررها وتقدمها . ان أزمة النخب العربية التي تتجلى اليوم في كل بلداننا من خلالها قصورها عن اداء الدور المنوط بها في عملية التطور المجتمعي وخاصة في سياق الانتفاضات الشعبية لما سمي بالربيع العربي ,ان هي في الواقع الا جزء من ازمة مجتمعاتها وحصيلة التأخر والتشوه والفوات التاريخي في سيرورة هذا التطوروفي مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية . من جانب آخر لا شك ان ازمة النخب العربية اليوم , اي في الظروف المصيرية والخيارات الصعبة التي تمر بها شعوبها في عصر العولمة ,باتت تشكل اكبر المعضلات الذاتية التي تحول دون تجاوزها واقعها المتخلف واللحاق بمسار العصر لأنها تعني افتقاد هذه الشعوب الى الدينامو المحرك والى القيادة المقتدرة التي تضطلع بمهمة اطلاق وتعزيز طاقاتها وتوجيهها في الطريق السليم نحو تحقيق الأهداف المنشودة .خلاصة القول ان العلاقة بين ازمة النخب العربية والأزمة البنيوية الشاملة التي تعيشها المجتمعات العربية في مطلع القرن الواحد والعشرين هي علاقة تبادلية : علاقة السبب بالنتيجة وعلاقة النتيجة بالسبب . هذا المعطى الموضوعي والواقعي يبطل طبعا تلك الأطروحات الأصولية والدوغمائية التي راجت فترة طويلة و كانت ترى أن البنى الفوقية في المجتمع كالوعي والسياسة والثقافة والدولة هي نتاج وانعكاس للبنية القاعدية أي للوضع المادي الطبقي الاقتصادي في هذا المجتمع . فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا يكاد يجمع علماء الاجتماع السياسي على الدور المحوري والقيادي لطبيعة ومستوى الوعي العام المجتمعي في البلدان المتخلفة والسائرة في طريق النمو ,هذا الدور القيادي الملقى على عاتق النخب اولا وعلى وضع الطبقة الوسطى أساسا التي هي اداة وضمانة التحول الديمقراطي الناجح والاستقرار والتطور المتواصل والتنمية المستدامة .
وثاني تلك المنطلقات التي لا بد من التأكيد عليها هو اننا اذ نحاول من جانبنا الوقوف على اسباب ازمة النخب العربية الراهنة فنحن لا يمكن ,بأي حال من الأحوال او وفق اي اعتبار ما, أن نضع انفسنا خارج هذه الأزمة وفي منأى عنها أو في موضع المنظر والموجه الذي يعطي الدروس والنصائح للخلاص منها وتجاوزها , بل نحن جزء منها كما ان المتاع المعرفي الذي نتزود به هو بعض تركتها وحصائلها . النخب العربية في كل اقطارها تعيش حاليا ازمة جماعية ,تتشارك في اسبابها العميقة التي تعود الى تخلف تطور مجتمعاتها كما تتشارك في نتائجها ومفاعيلها وان تباينت بصورة نسبية من تيار فكري او سياسي لآخر من جهة ,ومن مجتمع لآخر حسب الفجوة التي تفصله عن الحداثة ومواكبة التقدم العالمي من جهة ثانية .
أما ثالث تلك الملاحظات التي ينبغي توكيدها فتتعلق بمدى كفاءة العقل العربي , وقدرة الوعي العربي ,على القيام بوظيفته باعتباره الأداة المعرفية لتشخيص الواقع المعاش في مجتمعاتنا وصياغة الرؤية المستشرفة لنهضتها وصنع المستقبل المأمول .فالعقل العربي نفسه ينبغي ان يخوض معركة نقد ذاتي ومراجعة شاملة واعادة تقييم للمفاهيم التي اعتمد عليها واعتبرهامسلمات وحقائق مطلقة ونهائية سواء في نظرته للوجود ,او لماضيه وتراثه القريب والبعيد , أو فهمه لمقومات هوية مجتمعه وخصوصيته وعلاقته بالكل الانساني ,أو موقفه من منجزات الحضارة الانسانية الواحدة المادية والمعنوية , ومن قيمها الكونية المشتركة وعلى رأسها حقوق الانسان والمواطنة .
لقد تجلت ازمة النخب العربية السياسية والفكرية والاجتماعية على اشدها وفي اخطر مظاهرها , وكما لم يبرز ذلك من قبل , في سياق الانتفاضات الشعبية التي شهددها عدد من البلدان العرببية على امتداد السنوات الخمس الماضية ,وما طرحته تلك الانتفاضات التي كانت تمثل مشروع ثورات تحررية مجتمعية ,من مهمات وتطلعات مشروعة في الانتقال الى فضاء الحرية والكرامة والحياة الديمقراطية . ولقد رفعت وتبنت تلك النخب سواء منها التي تنهج سبيل الإصلاح والانتقال التدريجي أو التي تتبنى اسلوب التغيير والتحول الثوري تلك الشعارات والمطالب . فالنخب السورية في الداخل والخارج انحاز جميعها الى الحراك الشعبي المطالب بانهاء النظام الاستبدادي الشمولي والتحول الديمقراطي لبناء النظام البديل ولكن كيف كانت الحصائل بعد انقضاء هذه السنوات وعلى كافة الأصعدة ؟ وما يهمنا هنا قبل أي شيئ آخر الإجابة على السؤال التالي وهو : هل استطاعت هذه النخب التي اعطت لنفسها هوية الممثل الشرعي للشعب السوري , وكونت أجسام المعارضة وتشكيلاتها السياسية المتعددة , أن تجسد الحد الأدنى سواء في وعيها ومواقفها أم في عملها وممارساتها أم في علاقاتها وحياتها الداخلية أم في استقلاليتها وحرصها على كرامة شعبها التي ادعت تمثيله والنطق باسمه , أن تجسد صورة المستقبل البديل الذي ماانفكت في خطابها الشعبوي الرغائبي تعد شعبها بتحقيقه في أقرب الآجاال.
بين الشعارات والممارسة في أرض الواقع سواء في النطاق الشخصي أم في نطاق المجموعا ت والهيئات . وبين الخطاب المعلن عن دولة المواطنة الحرة المتساوية ,والمناداة بالليبرالية والديمقراطية والحقوق القومية وقيم الحداثة والعقلانية ,والعلمانية الجزئية أوالشاملة فيما يخص دور الدين في المجتمع ,وأهمية الحرص على الوحدة الوطنية وعلى مؤسسات الدولة وصيانة القرار الوطني المستقل , هناك بون شاسع بل وتناقض صارخ ين القول والعمل وبين التنظير والتدبير وبين النتائج المرتجاة وحصاد الواقع الدامي . اما بالنسبة لغالبية هذه النخب السياسية والفكرية والمجتمعية في موقفها وتعاملها مع عملية التحول الديمقراطي والمهمات الإنتقالية التي تطرحها ,فقد انطلقت في ذلك من تبنيها لمقولة حرق المراحل واعتماد اسلوب الصراع المسلح سبيلا وحيدا لارغام النظام على الرحيل والاستجابة للمطالب الشعبية , هذه العملية التي لن تستغرق كما كانت تعلن سوى أشهر معدودات. واذا ووجه هؤلاء اليوم بالحصيلة الكارثية لما جر اليه هذا الصراع المدمر الذي اتخذ ابعاد حرب اهلية طائفية اقليمية وانه ليس هناك الا الحل الساسي الوطني الذي يمكن ان يضع حدا للمأساة السورية ويعيد عملية التحول الديمقراطي الى سكتها الصحيحة نجد , ما هو اغرب وادهى , في تناقض مواقف مختلف الأطراف من مضمون الحل السياسي وآليات تنفيذه حتى ان البعض يرى فيه تصالحا مع النظام وتنكرا لتضحيات الشعب السوري ومطالبه التي انتفض من اجلها . ولعل من اخطرمظاهر ازمة الوعي والسلوك التي تعيشها النخب السورية ذلك الموقف القاصر لمفهوم الهوية الوطنية السورية بفصلها عن آفاقها العربية والانسانية .,اذ كيف يمكن قيام ثورة تحررية وطنية في سورية تكون مقطوعة الصلة والارتباط بقضايا وهموم ومصيرأمتها وخاصة القضية الفلسطينية ,في الوقت الذي نجد فيه مجموعات تنسب نفسها للمعارضات السورية تنشد صداقة اسرائيل وتتعاون معها ؟؟
من الشعارات والمطالب التي ترفعها معظم النخب السورية والعربية, الىالتطبيق في ارض الواقع لهذه الشعارات والمطالب تنتصب امامنا ابعاد ومخاطرالأزمة التي ما تزال تعيشها هذه النخب ونحن في مطالع القرن الواحد والعشرين ,و التي هي في رأينا ازمة معرفية بالدرجة الأولى قبل ان تعزى الى مصالح الطبقات او الفئات التي تعود اليها هذه النخب ,.هذا التأزم والخلل المعرفي له مرحلتان :اذ لابد اولا من وعي وتوضيح المفاهيم :الشعارات والمطالب والاهداف ,ولابد بعدها من توظيف المفاهيم المذكورةا على ضوء التشخيص الصحيح لمعطيات واقع مجتمعاتنا التي ما تزال تمثل الطابع التقليدي المتخلف عن ركب الحداثة . من هنا فان عملية تحول وتطوير مجتمعاتنا العربية في صيرورتها التي تشمل كل قطاعات المجتمع لا بد ان تستند اساسا الى ثورة ثقافية جذرية ثورة في الوعي والسلوك وفي منظومة القيم ثورة تستهدف اساسا اعادة قراءتنا وتقييمنا لتاريخنا وتراثنا , وتشخيصنا الموضوعي لما يواجهه ويتخبط فيه واقعنا من أعطاب و مشكلات, وتفتح امامنا الأفاق الواسعة من اجل غد افضل.
اقرأ:
د. حبيب حداد: السوريون ومعركة استعادة الذات