Archived: غالية قباني: ما بين رشا ورشا.. فضح لتاريخ سوريا الحديث

غالية قباني: مدار اليوم

لم أكن اتوقع وأنا أبحث عن صورة لامرأة سورية معتقلة تدعي رشا شربجي من داريا بريف دمشق، لكي أنشرها مع خبر يخصها، أن يقترح عليّ محرك البحث غوغل، صوراً ومعلومات عن رشا شربتجي المخرجة، الأكثر شهرة من الأولى، ثم لأواجه في هذا البحث بتناقضات كبيرة بين السميّتين، واختلاف جذري يفضح تفاصيل مهمة من تاريخ سوريا الحديث، والذي اتسم بفساد مطلق انفجر قيحه مثل دملة مزمنة في السنوات الاخيرة.

الخبر الأصلي الذي كنت أبحث له عن صورة، يخص إمرأة معتقلة ضمن حملة أطلقتها سامنثا باور، المندوبة الأميركية الدائمة في الأمم المتحدة، لإطلاق سراح 20 معتقلة من أجل لفت الانتباه إلى محنة النساء المسجونات لأسباب سياسية حول العالم. وتزامن إطلاق الحملة مع الذكرى السنوية العشرين لإعلان بكين الخاص بحقوق المرأة، والذي وقعته 189 دولة في 1995.

الشبكة السورية لحقوق الإنسان كانت قد رشحت ثلاثة نساء سوريات سجينات في معتقلات النظام، وتم اختار السجينة رشا شربجي بينهن. وهي أم سورية من مواليد 1982 ومن مدينة داريا بريف دمشق، اعتقلت وهي حامل بتوأم، مع أبنائها الثلاثة وشقيقتي زوجها في مايو/أيار 2014 من مركز الهجرة والجوازات في دمشق، أثناء قيامهم باستصدار جوازات السفر، “وتم الإعتقال بدون إبداء الأسباب أو إبراز أي مذكرة اعتقال”. وتردد أن اعتقالها جاء للضغط على زوجها أسامة عبار المطلوب أمنياً لسلطات النظام ليسلم نفسه.

بحثي عن صورة المعتقلة وأية أخبار إضافية تخصها، كان يقودني دوما إلى رشا شربتجي المخرجة، بأخبار، أبرزها “الخطوبة التي كانت مقتصرة على العائلة فقط وتمت في دمشق بتاريخ 12 – 12- 2012 من دون أي مظاهر احتفالية”، ثم الزواج وأيام العسل في طرطوس، مع كلمتين تكررتا في البحث “ضابط مخابرات” كانتا كافيتان لإغرائي بفتح أحد الروابط وقراءته.

المخرجة شربتجي اشتهرت بأعمالها الجريئة وبأخبار خلافاتها مع أبيها الذي لم يكن راضياً عن زواجها من مدير تصويرتلفزيوني، لكن بحثي عن معتقلة داريا نبهني “متأخراً” إلى أن المخرجة قد انفصلت عن الزوج السابق وارتبطت بغيره. وكان الأكثر إثارة في الموضوع هو أن الزوج الجديد  يشغل رتبة “عميد في المخابرات العسكرية”. بدا لي قبل فتح الروابط أن أخبار حياتها الشخصية تداخلت مع خبر مسلسل جديد تشتغل عليه المخرجة يضم شخصية مخابراتية، إذ ما الذي يمكن أن يربط مخرجة جادة وجريئة في طرحها الدرامي، برجل مخابرات إلا الدراما التلفزيونية؟ وجاءت تفاصيل الخبر الذي كشف، بفضل غوغل، ما إلتبس عليّ، فالعريس تمام نجم الدين بالإضافة لرتبته المخابراتية كعميد، هو شقيق الفنانة سوزان نجم الدين التي عرف عنها تأييد بشار الأسد ونظامه، وهو أيضا شقيق لزوج ابنة الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري للشؤون الإعلامية والسياسية والمترجمة الشخصية للأسد الأب. من دون أن ننسي أن والد العميد هو  نجم الدين الصالح عضو مجلس الشعب الذي اشتهر بموالاته الشديدة للنظام وبقصائده العصماء التي كان ينظمها له.

وبسرعة توضحت لي تنويعة مشهدية عن الفساد في سوريا، تقوم على ضفيرة علاقات بين أهل السياسة والأمن والفن، بدأت ملامحها قبل عقدين تقريباً، بسيطرة رجال من النظام أو من القريبين منهم، على الانتاج التلفزيوني في سوريا، وما كان يرشح من تحكم رجل أمن معروف بالفنانين الذين كان بعضهم دائم الزيارة لمكتبه لترتيب أوضاعه وقضاء حاجاته.

لم أكن أعرف بزواج المخرجة شربتجي برجل الاستخبارات عندما تابعت بانزعاج بعض المسلسلات التي أنتجت في سوريا في السنوات الأخيرة وتناولت الوضع القائم بسذاجة مدسوسة لتسطيح ما يحصل في الواقع، وفي دمشق تحديداً، من خلال خلفية أصوات انفجار تسمع بينما يعيش أبطال المسلسل ويسيّرون حياتهم اليومية. وكأن دمشق معزولة عن ريفها الذي يتعرض للتجويع والاذلال والموت اليومي ببراميل النظام.

لا علاقة بين رشا شربجي ورشا شربتجي الإ بحدثين يلخصان ما يجري الآن في سوريا ويترجمان الانقسام الحاد داخل المجتمع السوري منذ اذار 2011: اعتقال الأولى وزواج الثانية، رشا، إبنة داريا خاصرة دمشق المحاصر أهلها بالجوع وقصف الطيران الحربي، ورشا، ابنة دمشق المخرجة المجتهدة التي عاشت أخيراً دوراً عكسته في أعمالها عن الفساد في المجتمع السوري والذي كان لرجال الأمن دوماً دور أساسي فيه، حتى في الدراما.

 رشا شربتجي تزوجت بمن اعتقل “رمزياً وليس بالضرورة  شخصيا” سميّتها الأخرى، رشا شربجي، التي لا يعرف مصيرها حتى الآن في سجون النظام برفقة أطفالها وبينهم توأمان ولدا في السجن، ولا يعرف مصير زوجها الذي تردد أنه غرق في البحر، بدون أي تأكيد على صحة هذا الكلام.

على أية حال، تصلح تفاصيل حياة رشا المعتقلة بامتياز لكي تستفيد منها رشا المخرجة. هذا إن كان الزواج السعيد بشروطه السلطوية لا يزال يسمح بتناول تفاصيل مشابهة كان تداولها سبباً في شهرة الدراما السورية، حتى ثورة اذار 2011 التي فضحت كل مستور.