on
Archived: أدم خلف: وداعاً فايز ملص
أدم خلف: كلنا شركاء
ساعة حزن كانت في صباح أمس الباريسي، رحل المترجم والمناضل السوري فايز ملص في بيته في إحدى الضواحي الباريسية، ملص الذي هجر بردى وماؤه المتدفق في وقت باكر من دخول سوريا”مملكة الصمت”. لم يكن رحيل ملص المترجم والمناضل، سوى جزء من رثاء كبير نعيشه الآن، في وجدان ملص بقيت سوريا حاضرة، سوريا التي أحتشدت فيها فروع المخابرات من جوية وعسكرية وغيرها، الممتدة على رقعة دمشق الأموية، لم تحرمه من إحتشاد دمشق الأموي والحميدية والصالحية في مخيلته، صوت المناضل الذي لم يخفت موقفه العدائي حيال النظام، يوماً، كان من الأصوات القلائل التي وقعت على عريضة رفض وجود الجيش السوري في لبنان، حينها كانت الأصوات خافتة لا تجرؤ على الإرتفاع.
لو كان المترجم والمناضل، الذي رحل عن ذاكرته ببداية الثورة، وبردى لم يبقى على حاله، لقراء عودة المياه ودفقها، لقراء كيف يتلاعب الهواء بالياسمين، لسمع الحناجر تصدح برحيل من حرمه من رؤية أمه، حينما قصد العاصمة الأردنية عمان، آنذاك منعت المخابرات السورية أمه العجوز من عبور الحدود، بدعوى نقطة ماء على جواز سفرها مما يجعله مزوراً، بزعمهم، وبقيت رؤية المنزل الدمشقي ببساطته الأنيقة كما وجه أمه خيالات بشرية بعيدة المنال.
المواطن السوري فايز ملص، الذي لم يعد مواطناً رسمياً لدى المخابرات وفروعها، لم يتخلى عن ميلاده الأول عبر تأسيس”النادي الثقافي السوري بباريس”التنظيم السياسي وحرية الكلام والتعبير لا تحتاج لأوراق رسمية للانتماء، حيث توطيد القمع في سوريا يحتاج لآلة رافضة للقمع، محرضاً من منفاه الباريسي على رفض قمع النظام ونهبه للثروات.
عقود متتالية عاشها ملص في باريس، كانت دمشق لا تتحول ولا تتغير، وحينما اندلعت الثورة السورية، فقد ذاكرته، لم يعش لحظة التحول والتغيير المنتظرة في دمشق. مرضه الذي أقعده في البيت لم يدمن فيه الأصدقاء على زيارته، الذاكرة التي نامت لم تصحو لترى المخبرين الذين كانوا يلاحقونه بتهذيب وبلا تهذيب في صحوه ومنامه، وقد أصبحت صورهم على أغلفة الصحف والكتب كمناضلين قادمين من عيون وأذان بهجت سليمان وغيره لتحط على المنابر مزيفةً التاريخ، ربما نوم الذاكرة جنبه ذروة أخرى من المأسي التي أتشحت بها حياته، كل شيء يتفكك ويثير البكاء.
حينما تتحدث القلة القليلة التي يعول عليها من أصدقائه عنه، فهم يتحدثون عن إنسان عادي صاحب مشروع أخلاقي غير عادي، الحزن غير المتحفظ لديهم، يترجم حياة المترجم والمناضل الذي يتعثر بتهذيبه، يتكىء على مستقبل جديد ينتظر مردوده، بعيداً عن اغتراب الكثير من المثقفين السوريين في الاتكاء على قديم السلطة، بينما هو كان مشغولاً بهوية الشكل والاتساق والمردود.
رحيل المترجم والمناضل فايز ملص لم يكن رحيلاً مرتاحاً، وصل الرجل إلى القبر ولم يتقاعد رجال المخابرات وفروعها عن القتل والتدمير. بعيداً عن أعمدة البيوت الدمشقية سيدفن، وسيحضر مخبري الأمس مناضلي اليوم جنازته، لا فرق بين الشعارات والكلام تبقى لديهم تجارة رابحة.
حلم الرجل النبيل فايز ملص لم يختلط عليه فيه يوماً الفرق بين التسلط والحريّة، وبقي بعيداً عن الماكرين بالقول ومهما أطلقوا من ترسانات القول الماكر، بقي حلمه الأنبل.
ولا شيء واضح اليوم سوى رحيلك بعيداً عن بردى.
اقرأ:
رحيل المترجم والسياسي فايز ملص بباريس