on
Archived: عمر قدور: موسم ركل السوريين
عمر قدور: المدن
نالت الصحافية المجرية بترا لاسيزلوا شهرة لا تستحقها، بوصفها ركلت لاجئين سوريين لإعاقتهم عن الوصول إلى وجهة النزوح التي يقصدونها. خطيئة بترا مزدوجة، فهي فعلت ذلك أمام الكاميرات، وفعلته عندما بدا أن الحكومات الأوروبية تظهر انعطافة إنسانية كبيرة إزاء اللاجئين تحت ضغط صورة الطفل السوري الغريق إيلان. وبالتأكيد ستظهر خطيئة بترا أعظم مع التظاهرات الشعبية التي شهدتها مدن أوروبية عديدة دعماً لاستقبال اللاجئين، حيث لا يمكن الطعن في مشاعر التعاطف التي أبدتها شريحة وصلها جزء يسير مما يحصل، ولنا أن نتصور ردّ الفعل فيما لو أحيطت الشعوب الغربية علماً بتفاصيل المجزرة الكاملة.
لكن المهرجان الحكومي الأوروبي شارف على نهايته أيضاً، وسيتعرض اللاجئون للركل من قوات الشرطة ومن حرس الحدود عما قريب، ولا يُستبعد إعطاء تعليمات حازمة باستخدام الرصاص الحي. الحكومة الألمانية التي زاودت على نظيراتها في موضوع اللاجئين هي أول من أعلن عن إجراءات مشددة، بلغت حدّ إغلاق الحدود مع النمسا، وهي الحدود المفتوحة بموجب اتفاقية شنغن. إذاً، القادمون من جهة النمسا سيجدون قوات نظامية تركلهم وتعرقل مسيرتهم، وهو الأمر المطلوب أيضاً من اليونان المتهمة بعدم القيام بما يكفي لضبط حدود الاتحاد من جهتها. اليونان حتى الآن لا تركل اللاجئين على النحو الذي تفعله الحكومة المجرية، ولا يُستبعد أن يكون هذا مادة للمفاوضات بين حكومتها والحكومات الغربية الأخرى، بخاصة مع وجود ملف اقتصادي ضخم عالق بين الطرفين.
لننسَ “الفُرجة” الإنسانية التي قدّمتها “ماما ميركل”، سواء كانت صادقة أم مدّعية، ففي النهاية وهذا ليس عيباً ستعود مع حكومتها إلى لغة المصالح الوطنية التي لها الأولوية. لكن الأمر لا يتعلق فقط بالمصالح الوطنية أو بمصالح الاتحاد الأوروبي ككل، إنه يتعلق بعدم ترك كرة الثلج تتدحرج على المستوى الإعلامي والشعبي، فالإستمرار في إبداء التعاطف مع اللاجئين يستوجب الاهتمام بقضيتهم ككل، وقد يصل ليمسّ الجانب السياسي منها، وحينها سيكتشف الأوروبيون الهوة التي تفصل بين مواقف بعض حكوماتهم السياسية والإنسانية، ومن المرجح أن تطالب بالانسجام بين الاثنتين، وهو مآل لا تريد بعض الحكومات الوصول إليه. حكومتا ألمانيا والنمسا، على سبيل المثال، تُظهران تفهماً للتدخل الروسي الأخير، وحتى للتحالف مع نظام الأسد، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، ولا يمكن فهم التباين بين المستوى الإنساني والسياسي إلا تحت أكذوبة مسؤولية داعش عن أزمة اللاجئين.
لن يكون ثمة “إيلان” آخر، تغزو صورته الإعلام العالمي، لا لأنه افتدى الغرقى المحتملين من بعده، ولا لأن العالم سيسأم منظر الغرقى سريعاً، بل لأن الحكومات الغربية والقوى المهيمنة على الإعلام لا تجد من مصلحتها الانسياق وراء قضية خاسرة، وبهذه الضخامة. ومن المتوقع خلال مدة قصيرة أن نشهد تراجعاً على المستوى الإنساني لتنسجم إجراءاته مع السياسات الرسمية التي كانت سائدة طوال السنوات الأربع الماضية، مع التنويه بأن بعض الدول الأوربية تشدد في الإجراءات طرداً مع تفاقم موجات النازحين، ولا يُستبعد أن تُستخدم عمليات الاحتيال من قبل لاجئين غير سوريين “يستخدمون وثائق سورية مزورة” ذريعة للتشدد إزاء الجميع.
الكلام السابق لا يُقصد منه إلقاء الملامة على الحكومات الأوروبية، أو تحميلها مسؤولية قضية اللجوء. لعل العكس هو المطلوب منها، أي أن تستغل الاهتمام العالمي بقضية اللاجئين لتضع الآخرين أمام مسؤولياتهم. لا يستقيم مثلاً أن تتفهم الحكومة الألمانية دخول الحشود الروسية الأخيرة لدعم نظام الأسد، فالقوات الروسية القادمة ستتكفل بركل سوريين إضافيين من الداخل وجعلهم نازحين، أسوة بما فعلته قوات النظام طوال السنوات الأخيرة. ولا يستقيم أصلاً الفصل بين الضحايا الذين يسقطون في طريق اللجوء وأخوتهم الذين يُقتلون في الداخل، لأن مقابل كل ضحية في الداخل هناك العشرات أو المئات ممن يهربون من مصيرها، وما لم توقف آلة الدمار الأسدية والداعشية لن تتوقف موجات النزوح، بل هي عملياً صارت تشمل حتى الفئة الموالية للأسد.
ما فعلته الصحافية المجرية لا يعدو كونه تفصيلاً صغيراً جداً ضمن عملية ركل عالمية للسوريين، العملية التي بدأت بالنظر إلى مقتلتهم باستهتار شديد. عنصرية الصحافية المجرية لا تُعدّ شيئاً يُذكر أمام عنصرية المجتمع الدولي الذي ينظر بلامبالاة إلى قتلهم بكافة أصناف الأسلحة الثقيلة والخفيفة من قبل قوات الأسد، وفوق ذلك اعتبار الأخير شريكاً لا بد منه في حل سياسي يُفرض على السوريين. بالأحرى، لقد بدأ موسم ركل السوريين منذ اتفقت المصالح الدولية الكبرى على عدم تمكينهم من الدفاع عن أنفسهم، ومنذ بدأ النظر إلى الضحايا بصفتهم عرقاً أدنى لا يستحق التضامن. على هذا المستوى، لا تمثّل الصحافية حزباً يمينياً متطرفاً، هي تمثّل عنصرية ما يسمى المجتمع الدولي، العنصرية التي تتجلى بأبشع صورها بما يُشاع عن تململ الرئيس الأميركي كلما فاتحه أحد بالشأن السوري.
تُجرّم القوانين الغربية الركل عندما يكون حادثاً فردياً، أما عندما يرتقي إلى مصاف السياسة العامة فهو يأخذ تسميات مختلفة. هكذا ببساطة يمكن محاسبة المجرية على وضعها قدمها أمام نازح سوري، أما أن يضع أوباما قدمه أمام تزويد السوريين بوسائل الدفاع عن النفس فهذه سياسة عامة تلقى من يبررها. في سياسة الركل هذه، يبقى العنصريون من العرب والسوريين أنفسهم فئة أدنى، لأنهم يستقوون بما يرونه موسماً عالمياً لركل السوريين وإعاقتهم عن إسقاط النظام.
اقرأ:
عمر قدور: «بطل غروزني» في بلادنا