on
Archived: د. حبيب حداد: الهوية الوطنية السورية اليوم ضحية أخطر التحديات
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
طوال السنوات الثلاث الماضية من عمر الأزمة السورية ,توالت مجموعة من الدراسات التي تنسب نفسها لمراكز بحثية في بعض العواصم العربية والأجنبية, والتي تعنى بمحاولة تشخيص الأسباب البعيدة والمباشرة التي ادت الى استفحال هذه الأزمة ووصولها الى الوضع الكارثي الذي هي عليه الآن .
الانطباع العام الذي يتركه معظم تلك الدراسات ,التي تدعي لنفسها الموضوعية والنزاهة والحيادية ,أنها تنطلق من مواقف ذاتية عصبوية مسبقة تجافي كل الوقائع وتناقض حقائق ومعطيات التاريخ والجغرافيا . ولعل اخطر ما اتسمت به تلك الدراسات هو طبيعة المنهج الذي استخدمه كل منها ,اذا جاز لنا ان نطلق عليه هذه التسمية, وابتعادها بالتالي عن المنهج العلمي العقلاني الموضوعي الذي يهتم بالتعرف على وقائع ومعطيات الماضي والحاضر دون ان يصل الأمر به الى التسليم النهائي بصحة هذه الوقائع والمعطيات ووضعها في مرتبة الحقائق النهائية والمطلقة . والا كيف يمكن لنا أن نسوغ مشروعية تلك الأبحاث التي نحت منحى الدراسات الأنثروبولوجية التي تعنى بدراسة أنساب المجموعات السكانية وأصولهم العرقية وثقافاتهم وتقاليدهم وكأن كلا من هذه المجموعات يشكل مشروع امة لا بد أن تنتقل من حال الامكان الى حال الوجود والفعل عندما تتاح لها الظروف المواتية ؟؟؟.
هكذا تناولت تلك الدراسات اوضاع المكونات والمجموعات القومية والاثنية للشعب السوري من عرب وكرد وتركمان وارمن وكلدان وآشوريين وسريان وشركس …وهكذا بحثت وركزت على ما يفرق اكثرمما يجمع مكوناتها الدينية ونعني بذلك السوريين المسلمين بكل مذاهبهم :السنة والعلويين والشيعة والدروز والاسماعيلين والسوريين المسيحيين بكل طوئفهم وكنائسهم .
وآخر تلك الدراسات التي اطلعت عليها دراسة صادرة عن مكتب ابحاث في دبي يتناول الطائفة العلوية :أصولها ومعتقداتها وتاريخها ومواقفها السابقة والحالية في خدمة نظام الاستبداد وكيف انها وغيرها من “الأقليات” الأخرى لعبت دور الاحتياطي الجاهز للنفوذ الأجنبي والهيمنة الاستعمارية.
هكذا هو منهج البحث :دراسة هذه الطائفة بماضيها وحاضرها واعتبارها كتلة صماء واحدة لا تمايز اجتماعي اوثقافي اوطبقي او سياسي بين أفرادها وعشائرها وفئاتها او كأنها تعيش في عالم خاص بها و لا تفاعل بينها وبين محيطها وباقي مكونات امتها ؟؟؟
وهناك دراسات أخرى من هذا النوع المبتذل تذهب الى أن كل المظالم والنكبات التي لحقت بالعديد من الأقوام والجماعات الاثنية والدينية في ظل مختلف مراحل واطار الدولة العربية والخلافة الاسلامية اي منذ معاووية بن سفيان الى آخر سلطان عثماني, وكذلك اضطهاد الفقهاء والفلاسفة والمفكرين وأصحاب الراي الحر والحركات المعارضة , انما تقع على عاتق الطائفة السنية بكليتها ؟؟؟ .
بالمقابل فقد ووجهت تلك الدعوات التي نادت بضرورة تمتع كافة المكونات القومية للشعب السوري وفي مقدمتها الكرد والآشوريون والسريان والتركمان و… بحقوقهم الثقافية والاجتماعية والسياسية ,في اطار المشروع الوطني الديمقراطي السوري الواحد ,ووجهت بحملات التشكيك والتنكر والاستنكار وصورت على انها حركات تسعى الى الانفصال عن الجسد السوري مستقبلا وانشاء فيدراليات اوكيانات خاصة بها .
ذلك كا المنهج والمنحى العام لتلك الدراسات التي ركزت كما اسلفنا على ما يوسع الفجوة بين مكونات الشعب السوري وتهشيم هويته وتمزيق وحدته الوطنية التي نسجت بنيتها عبر آلاف السنين من خلال تكامل تلك المكونات :الثقافي والروحي والمجتمعي والانساني ,وعبركفاحها المشترك في التصدي لكل التحديات المصيرية التي واجهتها .
لقد ذهبت تلك الدراسات في منحى يتنكر لأبسط مقومات مايعتبر اليوم قواعد اساسية لكل بحث موضوعي في علم الاجتماع السياسي وذلك عندما أولت كل اهتمامها وفهلويتها لتفسير وقائع الحاضر بمعطيات الماضي البعيد أي بمستوى وعي ذلك العصر و بمتاعه وراسماله الديني والروحي والرمزي وكأن الزمن يعود بنا الآن الى ماقبل الف عام .
كان المأمول والمنتظر من مثل تلك الأبحاث والدراسات ان تنهج نهجا عقلانيا في تبيان الأسباب والمسببات التي أدت الى انحراف الثورة السورية والوصول بها الى المحنة الوجودية التي يعيشها الشعب السوري اليوم والى تحديد الأخطار التي كانت الهوية الوطنية السورية المهشمة ,أو لنقل الممزقة , أول ضحاياها وخاصة بعد هجرة واقتلاع اكثر من نصف الشعب السوري من وطنه وتشرده المفجع في قارات العالم الخمس بعد ان تحولت انتفاضته من اجل الحرية والكرامة والعدالة الى اوار حرب اهلية مذهبية طاحنة تنذر في حال استمرارها باستكمال تدمير وطنه :دولة ومجتمعا وتاريخا وحضارة .
وبدل ان يكون هدف هذه الدراسات رفع مستوى الوعي الشعبي العام ولدى اطراف المعارضة السورية وهيئات المجتمع المدني اساسا بما يتفق وابراز جوهر وطبيعة الصراع الوطني التحرري الاجتماعي السلمي الذي دشنته الانتفاضة السورية عند انطلاقتها ,وبما يوحد الجهود والطاقات الوطنية في مسار التغيير لانجاز مهمات مرحلة التحول الديمقراطي وبناء المستقبل المنشود ,فقد ركزت وبالغت في ابراز سرديات المظلوميات ,التي تسترجع الآن والتي تتسم بالغلو والمبالغة فيها الى حد كبير , والتي تتبناها التيارات المتطرفة في داخل المكونات القومية والدينية للشعب السوري التي تدعي جزافا تمثيلها لارادة تلك المكونات . فالمشهد الدرامي الآن الذي يعكس حا ل المجتمع السوري النازف والمضهد والمهجر يمكن تلخيصه بالصورة التالية: مظلوميات فئوية مدعاة متناحرة ,وهويات ماقبل الوطن وماقبل الأمة متقاتلة, وكل هذا على حساب تدمير وضياع الهوية الوطنية التي كانت هدفا لكل الحراب والدعوات المسمومة التي تناولتها منذ ان اسمع الحراك الثوري السلمي في مطلع الانتفاضه صوته لكل العالم بواسطة الشعارات التي رفعها واكد عليها :الشعب السوري واحد …سوريه بدها حرية .
بعد ان هشمت الهوية الوطنية السورية وجرى تشويه وطمس جذورها ومقوماتها التاريخية والحضارية والقومية والثقافية المشتركه والتي تشكل الفسيفساء المميزة لشخصيتها وحيويتها الدائمة , واهليتها للتطور والتجدد ومواكبة مسيرة التقدم الانساني الأشمل, وصلت احوالنا الى ماهو اخطر من ذلك بكثير , سواء على صعيد الوعي ام على صعيد المواقف من قبيل العديد من الجماعات والتشكيلات التي تنسب نفسها للمعارضة الوطنية السورية .
فبعد ان تم تدمير مقومات بنية الهوية الوطنية السورية الواحدة القومية والاثنية والثقافية والدينية والروحية نتيجة استمرار الصراع بين نظام الاستبداد والفساد من جهة والمجموعات الأصولية الارهابية من حهة ثانية ,وبعد تشويه الوعي الشعبي سواء من قبل وسائل الاعلام المعادية اومن قبل اطراف عديدة في أوساط المعارضة السورية فلم يعد للهوية الوطنية السورية في مفهوم هؤلاء اي بعد او مضمون عربي حضاري أو انساني , وراحت تتعامل مع المجتمع الدولي وتنخرط في أجندات اطرافه المهيمنة كأدوات تنفيذية لا تملك من امرها وقرارها الوطني المستقل شيئا .
هكذا تابعنا وما زلنا نتابع من خلال تلك الدراسات والأبحاث ومن خلال العديد من المؤتمرات التي اتيح لنا المشاركة فيها تلك المواقف والدعوات والتوجهات التي ترى ان هويتنا الوطنية لا علاقة لها بالعرب الا كدول جوار او محيط جغرافي ,واننا غير ملزمين بمسؤولية خاصة تجاه القضية الفلسطينية .
من جهة اخرى اذا كانت انظمة الاستبداد التي تفجرت الانتفاضات الشعبية لتغييرها قد ادعت واعطت لنفسها الصفات القومية والوحدوية والعلمانية ,وهي بعيدة عنها حتما , اذن فلتسقط القومية والهوية العروبية ولتتوقف كل علاقات التكامل والوحدة بين أقطارها ,وتبا للعلمانية التي تعادي أدياننا وتشكل خطرا داهما على اصالتنا وتراثنا .
والخلاصة فان ماتعرضت له هويتنا الوطنية من تشويه وتهشيم نتيجة ممارسات قوى الاستبداد والارهاب ونتيجة ماتضخ به يوميا وسائل الاعلام المعادية اضافة الى تدني مستوى الوعي السياسي عند معظم اطراف الحركة الوطنية الديمقراطية السورية التي يفترض فيها ان تقود عملية تحقيق المشروع الوطني الديمقراطي, الذي نعتقد ان مؤتمر المعارضة السورية الذي انعقد في القاهرة مطلع حزيران الماضي من أجل الحل السياسي الوطني التفاوضي ,قد ارسى اسسه ووضع خريطة الطريق العملية لانجاز المهمات المرحلية واستكمال مسار التحول الديمقراطي .
ان دروس التاريخ والتجارب العالمية وبخاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة انما تؤكد أنه في غياب مشروع الدولة – الأمة ,دولة المواطنة الحرة المتساوية ,لا تستعاد الهوية الوطنية ولا تمتلك طاقات وقدرات الانفتاح والتجدد المستمر بتفاعلها مع القيم والمبادئ الحضارية الكونية المشتركة .
سورية اليوم تواجه تحديات المصير والبقاء واول خطوة ملحة في طريق انقاذها هي وقف هذه الحرب العبثية المجنونة والمدمرة الدائرة في كل ربوعها,اليوم قبل الغد .
بعدها يمكن البدء باعادة الاعمار والسير في تنفيذ مهمات المرحلة الانتقالية وفق بيان جنيف1 لاستكمال عملية التحول الديمقراطي .
ذلك كان قدرها الذي حتم عليها ان تقدم اغلى واجل التضحيات في سبيل تحررها , وذلك كان خيارها الوحيد الذي تحكمت به اسباب وعوامل غاشمة :داخلية واقليمية ودولية , كي تستعيد دورها ومكانها الطبيعي على صعيد امتها وبين دول العالم.
اقرأ:
د. حبيب حداد: مأساة اللاجئين السوريين امتحان جديد لحيوية الضمير الإنساني