on
Archived: وائل عصام: هل كان بالامكان ان يهاجر الطفل إيلان بالطائرة؟!
وائل عصام: القدس العربي
ماذا لو غامر والد الطفل إيلان بالذهاب والهجرة عبر البحار لأوروبا وحده، وانتظر ستة شهور ليحصل على الإقامة ثم «لم الشمل» لعائلته، لزوجته ريحانة التي غرقت، وفلذات كبده، طفليه اللذين غرقا بين يديه وحطما قلوبنا بتلك المشاهد الايقونية الصادمة؟ ألم يكن من الأفضل ان يأتي بأطفاله وزوجته إلى المانيا أو السويد بالطائرة بعد حصوله على الإقامة ولم الشمل .. ماذا كان سيخسر؟! لا شيء، ولكنه هوس الهجرة .
قبل أيام كنت في مقهى في تركيا، وسمعت سيدة من حماة تصرخ بوجه ابنتها التي تفكر بالهجرة عبر البحر نحو اليونان مع زوجها وأطفالها .. كانت السيدة تقول: «كيف يمكن لزوجك ان كان عاقلا ان يأخذ أطفاله وزوجته في رحلة موت عبر البحار كما يحدث يوميا»؟!.
ولكي يكون التساؤل في سياقه المنطقي، فاننا نضيف .. وهل الهرب من الحياة في تركيا يستوجب كل هذه المخاطرة؟!
كل اللاجئين ينطلقون برحلات هجرتهم من تركيا أو بلدان أخرى لا يوجد فيها خطر موت محدق كما في سوريا، وبما ان معظم السوريين اللاجئين يقيمون في تركيا والتي تسمح لأي سوري بالدخول لأراضيها بدون أي فيزا كما تفرض الدول العربية ، فعلينا ان نتساءل، هل ان تركيا توفر الحد الأدنى للحياة الكريمة للاجئ يمنعه من الإبحار والغرق هروبا؟! سواء السوري أو العراقي؟!
بالتاكيد نعم، فالخدمات الأساسية الصحية والتعليمية مؤمنة بالكامل ومجانا، في بلد تعتبر جودة الحياة فيه من الأفضل عالميا، والشعب التركي عموما يتعامل بسعة صدر عالية مقارنة بشعوب أخرى عربية حتى، فلماذا هذا الهوس بالهجرة؟!
هذا ما كانت تردده السيدة الحموية في المقهى، إذ تكمل حديثها لابنتها مستغربة «ما الذي ينقصكم هنا؟! المال؟! لو بحث أبناؤنا عن العمل لوجدوا فرص عمل كثيرة، جيراننا فقراء، ولكنهم يعملون، كل واحد من أبنائهم يعمل، أحدهم يبيع على عربة خضار، الثاني يعمل مندوب مبيعات، أما الطعام فانه أصبح متراكما في المخيمات ومتوفرا لكل اللاجئين مجانا تقريبا بفضل دعم المنظمات الإغاثية بنظام الكوبونات، لدرجة ان كثيرا من المواد الإغاثية باتت تباع في الأسواق من قبل النازحين، والخدمات الصحية مجانية، وبعضها مكلف في البلدان الأخرى، حتى ان جارتنا أم أحمد ركبت «جسر أسنان» مجانا في المستشفى الحكومي، وأحد أصدقائنا ركب صمامات قلب أيضا في المشفى الحكومي».
انتهى حديث السيدة، هذا لا يعني إنكار ان الهجرة لأوروبا تبقى خيارا جذابا لعوامل عديدة، لكن نحن نتحدث عن مدى وجاهة المخاطرة لهذا الحد بالعائلة والأطفال بعد ان تجاوزوا مرحلة الخطر الكبير على حياتهم وخرجوا من سوريا حيث الموت المحدق بهم.
صحيح ان معظم المهاجرين يبحثون عن الاستقرار الاجتماعي والنفسي في بلدان أوروبية تحفظ كرامة الإنسان، لكن الصحيح أيضا ان حصول المهاجرين على رواتب مالية شهرية دون قيامهم بأي عمل، هو دافع أساسي لذلك، ومعظم الذين يذهبون للهجرة يتأثرون بأقربائهم الذين يطمئنونهم بعبارات مثل «العائلة بيطلعلها ألف يورو وهي قاعدة ومرتاحة» و «حتى لو ما اشتغلت بيعطوك نص راتب»!.
المفارقة أيضا ان بعض العائلات تدفع مبالغ مهولة لتصل إلى المانيا أو السويد تبلغ عشرين ألف دولار، ويقول أحد الأصدقاء انه نصح عائلة تنوي الهجرة بوضع هذا المبلغ كوديعة في البنك الكويتي التركي الإسلامي، ورفعه قليلا إلى ما يعادل الثلاثين ألف دولار بالليرة التركية، ليحصلوا شهريا على ما يوازي الألف وخمسئة ليرة وهو مبلغ يكفي لتوفير حياة كريمة للعائلة في تركيا.
ان انعدام المرجعية السياسية التي توجه شعبا في حالة حرب أدى باللاجئين إلى حالة ضياع وتشتت وهروب إلى المجهول.
اقرأ:
وائل عصام: الهجرة من أرض الثورة