on
Archived: أتلانتك كاونسل: الأهمية العسكرية والسياسية لمدينة حلب
أتلانتك كاونسل: ترجمة ريما قداد- السوري الجديد
قام النظام السوري -في ضربة قاصمة للثورة- بقطع خط الإمداد الأساسي للثوار والذي يمتد من تركيا إلى مدينة حلب، ثاني المدن السورية، والتي يدور على أرضها النزاع منذ مدة طويلة. وجاء ذلك في تتويج لعدة انتصارات تكتيكية حققها النظام ضد المعارضة في الأسابيع الأخيرة، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الغارات الجوية الروسية.
وعلى الرغم من أن بعض صناع السياسة الغربيين ( والعديد من مناصري المعارضة) ما يزالون مصرين على أن روسيا وحلفاءها إنما يغرقون في مستنقع النزاع في سوريا، إلا أن الحقائق على الأرض تشير إلى أن الثوار وداعميهم هم من تقطعت بهم السبل. وعلى النقيض من تدهور وضع النظام في الأشهر الخمسة المنصرمة، إلا أنه أن حالياً في وضع جيد يمكنه من التقسيم والعزل والتقدم على المعارضة المسلحة في مناطق جغرافية رئيسة.
كما وقد قام النظام السوري في اليومين السابقين بتأمين الدخول إلى عدة مدن سورية شمال مدينة حلب، وكانت مدينتا نبل والزهراء من أبرزها، محققاً بذلك نجاحاً كان قد فشل في إنجازه على مدى ثلاثة أعوام. كما أنه لم يكن ليتسنى للنظام استعادة هذه المدن لولا دعم روسيا التي نفذت أكثر من 270 غارة جوية على المناطق شمال حلب يومي الأثنين والثلاثاء في هذا الأسبوع لوحده. وبعد سيطرته على هذه المدن قام النظام بعزل مدينة حلب عن الريف الشمالي كما وقد قطع كل خطوط الإمداد المتبقية للمدينة (وكان بالأصل قد سيطر على المداخل الجنوبية للمدينة)، ولم يتبق سوى امتداد ثلاثة كيلومترات يدور عليها النزاع. وفي حال اختار النظام استعادة المدينة الآن، سيعمد إلى استخدام أساليب ناجعة من قبيل فرض الحصار إلى جانب القصف الجوي والمدفعي ومحاصرة السكان وتجويعهم وبالتالي إجبارهم على الاستسلام، مع العلم أن آلاف المدنيين هربوا من مدينة حلب عندما قام النظام بفصلها.
كما وقد حقق النظام وحلفاؤه سلسلة من الانتصارات، ففي الأسابيع الماضية، أرغمت قوات النظام والقوات الروسية، باستخدامهم للقنابل العنقودية وأسلحة التفجير الحجمي، فصائل المعارضة على الانسحاب من محافظة اللاذقية الرئيسة، مستعيدين بذلك مدينة سلمى وهي آخر مدينة متبقية بيد المعارضة. وبدلاً من التقدم في مدينتي إدلب وحماة المجاورتين، قام النظام باتخاذ قرار استراتيجي في التركيز على مدينة حلب إلى أقصى الشرق. وفي فصله لمدينة حلب، قام النظام بمنع وصول الثوار من المدينة إلى باب السلامة والذي يعدّ بالنسبة لهم خط الإمداد الرئيس من تركيا. والآن لديه الخيار في التقدم في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في مدينة حلب.
وتعد استعادة مدينة حلب نجاحاً كبيراً للنظام، فمن الناحية العسكرية، سيكون من شأنه عزل قوات المعارضة في جنوب المدينة، كما سيسمح للنظام أيضاً بعزل المزيد من قوات المعارضة بالقرب من إدلب وحماة. ويستلم الثوار في الشمال الغربي في سوريا المساعدات من تركيا عبر معبرين حدوديين؛ ألا وهما باب السلامة في محافظة حلب وباب الهوى في محافظة إدلب. وفي حال سيطر النظام على مدينة حلب، سيقوم باستهداف خطوط الإمداد بين تركيا والثوار المتمركزين في إدلب وحماة. ولكن النظام قد لا يلجأ إلى السيطرة على حلب في الوقت الحالي، إنما قد يفضل أن يعمد إلى قصف المدينة ومحاصرتها. وذلك من شأنه بكل بساطة أن يقوم بتجميد خطوط المواجهة في حلب والسماح للأسد وحلفائه بنشر المقاتلين والتعزيزات في أي مكان آخر بما فيها إدلب وحماة. وبغض النظر عن ذلك، سترتكز استراتيجية النظام على عزل فضائل المعارضة في جيوب يسهل التحكم فيها ومن ثم التعامل مع كلٍّ منها على حدة.
كما أن التقدم المحقق في حلب سيوفر موارد تفيد في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). إنه لمن الصحيح أن الأسد وحلفاءه لطالما أعطوا الاولوية لمحاربة الثوار على محاربة داعش، بيد أن البيئة الدولية المتغيرة مكّنت النظام من استخدام استراتيجية أكثر تقدماً. وعلى الرغم من الاتهامات المتكررة، إلا أن النظام وداعش ليسوا حلفاء بالفعل. فالنظام وبكل بساطة يرى الصراع برمته من خلال ضمان بقائه بكافة الوسائل الضرورية، وطوال فترة الحرب، كان ذلك يعني إما تجاهل داعش أو تسهيل حربها ضد الثوار. أما الآن، سيسعى النظام إلى الاستفادة على نحو كبير على الصعيد الدولي عن طريق إخلاء حلب من الثوار وداعش على حد سواء (أو حتى أن يلحق الانتصار في حلب ببعض الانتصارات ضد داعش في أماكن أخرى مثل تدمر)، وذلك من شأنه أن يثبت للعالم أنه لا بد من الاختيار بين الأسد وداعش وأن الأخيرة إلى جانب فصائل المعارضة الأخرى إنما هي عدو واحد. ونظراً إلى تركيز الغرب الوحيد على داعش وتسامحه مع النظام، سيبدو ذلك بالفعل استراتيجية سليمة.
وبالطبع، فإن التطورات في حلب تحدث وسط عملية دبلوماسية برعاية الأمم المتحدة وتشمل هذه العملية كلاً من النظام والمعارضة. وقد تميزت المحادثات بالافتقار للثقة والارتباك والقليل من السخافة. كما أن المعارضة تصر على أن يقوم الطرف الآخر بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى وضع حد لاستهداف المدنيين على الرغم من أن ما يجري في حلب يبين لنا بأن الحرب تسير في الاتجاه المعاكس تماماً. إنه لمن الواضح جداً، نظراً إلى التحول في التوازن العسكري، فإنه ليس من الواضح السبب الذي سيدفع النظام إلى الموافقة على أيٍ من هذه المطالب، ناهيك عن تقديم تنازلات سياسية مجدية. بل إن الأمر ألأكثر غموضاً هو كيف باستطاعة المعارضة ومن يدعمونها إلزام النظام على القيام بذلك. وفي خطوة للاعتراف بعدم جدوى المحادثات مع استمرارفض النظام وروسيا التوقف عن قصف الثوار والمدنيين، قام ستافان دي مستورا اليوم بوقف المحاولات في إجراء مفاوضات.
كما إن المعارضة على دراية تامة بالخطر الذي تمثله الهزيمة في حلب، فقد أصدر الثوار في حلب بياناً دعوا فيه فصائل المعارضة إلى إرسال مقاتلين وإمدادات إلى حلب مضيفين إلى ذلك أنهم يقاتلون على جبهتين: ضد كل من النظام وداعش. وعلى الرغم من استجابة الثوار في إدلب وحماة لهذه الدعوة، إنه من غير المحتمل أن يوهنوا من عزم النظام وروسيا. وذلك ببساطة، لأن قوات المعارضة لا يملكون أسلحة مضادة للطيران. كما أن الولايات المتحدة وحلفائها لن تقوم لا بتزويدهم بتلك الأسلحة ولا حتى بفرض تكاليف مباشرة على قوات النظام وروسيا نتيجة القصف الجوي والحصار وغيرها من أساليب النظام الأساسية. واعتباراً من الآن، ونظراً لتضييق الخناق على مدينة حلب من قبل قوات النظام، فليس بيد الثوار أي حيلة في مواجهة مجموعة من الأعداء المصممين بوجود حلفاء ليسوا أهلاً للمساعدة ولا حتى لديهم الرغبة في ذلك.
اقرأ:
أتلانتك كاونسل: الأزمة السورية والتحدي الذي تشكله داعش