on
Archived: من الصحافة الإسرائيلية: المفارقة السورية لأردوغان
عيران ليرمان- إسرائيل اليوم: ترجمة القدس العربي
التحدي الاستراتيجي الذي يفرضه الواقع الجديد في سوريا أمام القيادة التركية ـ ليس فقط لمساعي اردوغان العثمانية الجديدة لقيادة اقليمية، بل ايضا للمصالح الاساسية للنظام في انقرة ـ تحددت اكثر في الايام الاخيرة. الانجازات العسكرية لنظام الاسد وبالذات تحت الغطاء الروسي في مدينة حلب، ليس فقط بأنها اسقطت حوارات جنيف بل دفعت إلى قطع خطوط الامداد من قبل تركيا للمتمردين الذين تؤيدهم الامر الذي يهدد بفقدان سيطرة تركيا على المكان.
في هذه الظروف ليس من المفاجيء ان يزداد التدخل العسكري المباشر لتركيا في سوريا. خصوصا إذا كانت تركيا تريد الايفاء بالتزاماتها لاوروبا ـ ومنع تدفق اللاجئين ـ فانها ملزمة بفعل ذلك من خلال اغلاق حدودها مع سوريا واستيعاب هؤلاء السكان في معسكرات في المنطقة الجنوبية. حيث أن هناك فرصة بأن اللاجئين الذين دخلوا أو سيدخلون إلى تركيا نفسها سيجدون الطريق إلى الشواطيء الغربية ومن هناك في السفن القديمة إلى اليونان.
اضافة إلى ذلك، الاخلال بالميزان العسكري في حلب، بالقرب من الحدود، يهدد المصالح التركية الاخرى. كما هو معروف «القوات الديمقراطية السورية»، وهي قوة حربية فعالة كردية قامت بالحاق الهزيمة بداعش وتقوم بتعزيز سيطرتها على بعض مناطق الشمال ومن شأنها أن تخلق تواصل من السيطرة الكردية على طول الحدود مع تركيا. القوات الكردية المسيطرة في شمال شرق سوريا على صلة ميدانية وسياسية مع حركة الـ بي.كي.كي التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية. يوجد ايضا لتركيا التزام تجاه الاقلية التركمانية في شمال سوريا والتي تحولت إلى هدف للضربات الروسية المكثفة في الاونة الاخيرة حيث يتهمهم الروس بقتل الطيار الروسي الذي هبط بعد سقوط الطائرة. هذا الجانب من سياستها من شأنه جرها إلى تعميق التواجد في المنطقة والتي لها اهمية مبدئية واستراتيجية.
رغم كل ذلك، الحديث يدور عن حسم صعب وخطير، حيث تجد القيادة التركية صعوبة في مواجهته. اللهجة الكلامية لاردوغان والتحريض على منتقديه من الداخل والخارج ـ الذي يحمل لهجة معارضة للأمريكيين ـ هدفها التغطية على الصعوية المتزايدة. لكن المفارقة ما زالت قائمة. اولا، الجيش التركي الذي يسعى اردوغان باستمرار إلى اضعافه سياسيا وحبس ضباطه والتشكيك بمصداقيته، لا يتحمس للدخول في معركة من اجل السلطة الحالية. ثانيا، التدخل الروسي المتزايد، حتى لو كانت اهدافه محدودة، يزيد من صعوبة تدخل الاتراك في سوريا ـ وقد سمعت التحذيرات الواضحة من موسكو التي لم تنسى ولم تسامح على اسقاط الطائرة.
واخيرا، ايضا بين الولايات المتحدة وبين تركيا يزداد التوتر. وقد كان الانتقاد الذي تحدث به نائب الرئيس بايدن واضحا خلال زيارته في نهاية كانون الثاني حول القمع الذي ينتهجه اردوغان تجاه الصحافيين والمعارضين الآخرين. ولم تقل خطورة اللهجة التركية في أعقاب زيارة المبعوث الأمريكي الخاص لتنسيق الحرب ضد داعش، الدبلوماسي المجرب بارت مكاغريك، في مدينة كوباني التي يسيطر عليها الاكراد. وقد طلب اردوغان من ادارة اوباما «الاختيار بين تركيا وبين الاكراد».
الحقيقة هي أن تركيا هي التي يجب أن تختار. إذا كان اردوغان مستعدا للاستمرار في أخذ بلاده إلى الصراعات المتواصلة في أكثر من جبهة في نفس الوقت ـ بما في ذلك الاستمرار في تأييد إرهاب حماس ـ الأمر الذي يعمق الصعوبة التي تعيشها تركيا والاغتراب عن الغرب، أم أنه يريد اعادة دولته إلى المسار المناسب كدولة مهمة في الناتو واختيار انماط عمل تسمح بوجود التنسيق المكثف مع الولايات المتحدة حتى لو كان الثمن حلولا وسطا بخصوص الاكراد الذين يلعبون دورا حيويا في محاربة داعش. اختيار هذه الطريق ستسمح باندماج تركيا في المعسكر الواسع للقوى السياسية التي تريد اعادة الاستقرار لشرق البحر المتوسط.