on
Archived: معهد كارنيغي: وقف إطلاق نار في سوريا؟
أرون لوند-معهد كارنيغي: ترجمة مرقاب
أصبح من المسلم به منذ زمن وجوب حصول شكل ما من التفاهم الدولي قبل أي مفاوضات ذات معنى بين الفرقاء السوريين، ولطالما كان الوصول لمثل هذا التوافق أمراً صعباً، لكن ثلاثة عوامل برزت منذ 2014 وأدت إلى تغيير حسابات جميع الأطراف بشأن إمكانية الوصول إلى اتفاق محدود، ومن هذه العوامل ظهور عدو مشترك تمثل بتنظيم الدولة، وذوبان الجليد في العلاقات الأمريكية الإيرانية والتدخل العسكري الروسي في سوريا.
فسريعاً وبعد بدء الطيران الروسي بضرب أعداء النظام السوري، التأم اجتماع الولايات المتحدة وروسيا وإيران وقطر وتركيا والسعودية ودول ومنظمات أخرى ليتمخض عن تشكيل المجموعة الدولية لدعم سوريا وهي مجموعة تواصل دولية تهدف لتسهيل الوصول لحل سياسي للصراع في سوريا، وقامت المجموعة برسم الخطوط العريضة لعملية سياسية جديدة في سوريا تحت إشراف الأمم المتحدة انتهت أخيراً بعقد مؤتمر جنيف 3 في أواخر كانون الثاني الماضي، الذي ما لبث أن يبدأ حتى عُلّقَ بعد الهجمات الشرة التي شنها النظام مع حلفائه على المعارضة شمال سورية، مما دفع المراقبين لطرح إمكانية تدخل تركيا برياً لإنقاذهم رغم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر إشعال حرب إقليمية. وبدت عملية السلام بلا معنى حتى عادت مجموعة دعم سوريا واجتمعت في ميونيخ الخميس الماضي وأصدرت تعهداً بالعمل على وقف الأعمال العدائية في سوريا.
وبالرغم من أننا لا يمكن أن نعرف ما حدث في الكواليس الدبلوماسية الدولية، لكن يبدو أن هناك عاملين أساسيين وراء هذا الاتفاق، أولهما الرضى الروسي حول ما تحقق من مكاسب للأسد تجعله لا يمانع وقفاً لإطلاق نار يمنحه بعض الراحة وتكاليف الاستمرار بمواجهة الغضب التركي والسعودي، وثانيهما الإحراج الأمريكي من الانطباع بأن روسيا تلاعبت على أمريكا في جنيف.
على أي حال ورغم إشارته لموضوع الانتقال السياسي يبدو أن اتفاق ميونيخ ينصب على إيجاد مخرج من الأزمة الراهنة، ويتحدث بشكل أساسي عن كيفية وتوقيت إنهاء العنف مشيراً أيضاً إلى مسؤولية روسيا وأمريكا عن تحديد الأطراف التي لا تلتزم بالاتفاق واتخاذ إجراءات بحقها.
وفي هذا السياق، يبرز الخلاف حول تصنيف المنظمات الإرهابية التي لن يشملها بوقف إطلاق النار، حيث عملت روسيا ومنذ إقرار مشروع مجلس الأمن رقم 2245 على إقناع المجلس بإضافة مجموعات معارضة سنية كبرى هي جيش الاسلام وأحرار الشام إلى قائمة المنظمات الإرهابية، وهو ما صرحت مصادر الإدارة الأمريكية برفضها له في ميونيخ.
تضمن الاتفاق أيضاً ضرورة تأمين وصول الإغاثة الإنسانية للمناطق المحاصرة التي شملت مناطق تحت حصار تنظيم الدولة والنظام والمعارضة، وهو أمر ربما جاء مدفوعاً بموجة النزوح التي تضمنت 300 ألف مدني هربوا من حلب الشرقية خوفاً من احتمال وقوع المدينة تحت حصار قوات النظام.
غير أن الشيطان وكالعادة يكمن في التفاصيل، وفي اتفاق جنيف الذي لم يبد الوزيرر كيري نفسه متأكداً من نجاحه، الكثير من نقاط الخلاف التي قد تؤخر أوتفشل تطبيقه، والواضح حتى الآن هو أن فصيلين مسلحين كبيرين (تنظيم الدولة وجبهة النصرة) لن يشملهما الاتفاق، وجبهة النصرة تتغلل في مناطق المعارضة السورية المعتدلة بشكل يجعل من الصعب جداً تطبيق وقف إطلاق النار في تلك المناطق إن استمرت الجبهة بقتال النظام، غير أن النصرة قد تختارالالتزام بوقف اطلاق النار وعدم خسارة ماء وجهها أمام المدنيين وهو ما يقوله بعض الذين هم على اتصال مع المجموعة، لكن مثل هذا القرار قد يتسبب بانقسام النصرة التي تواجه أصلاً تنافساً حول الشرعية الجهادية مع تنظيم الدولة، كما من المحتمل أن تختار فصائل معارضة أخرى مجابهة النصرة عسكرياً – في حال عدم التزامها- الأمر الذي سيخلق عدم استقرار في مناطق المعارضة وفوضى تعيد اشعال الحرب.
العقبة الأخرى هي حجم النفاق الذي تبديه القيادة الروسية في هذه الحرب وهي التي لا يزال إعلامها الرسمي يردد المعلومات المغلوطة ويطلق التسميات الكاذبة حول الأهداف التي تقصفها الطائرات الروسية في سوريا والأسلحة التي تستخدمها في ذلك.
على أي حال فإن الأسلوب الذي أقر فيه اتفاق ميونيخ يعتمد على وجود حد أدنى من قواعد اللعب النظيف بين موسكو وأمريكا، والحقيقة أن التزام أمريكا ببنص وروح الاتفاق لا يمكن ضمانه البتة، وأما من يأمل بأن تلتزم موسكو بكلمتها فربما تكون بانتظاره مفاجأة.
وعليه فمن غير المتوقع أن يستمر اتفاق وقف اطلاق النار إن قررت روسيا أن تعود لسلوكها السابق وتستأنف قصفها للمعارضة معتبرة أياها جميعاً جزءاً من القاعدة وتنظيم الدولة.