on
Archived: واقع المعارضة السورية الاسلامية
عادل موسى: كلنا شركاء
كي لا تفقد الثورة مرجعيتها، علينا العودة إلى الداخل السوري والغوص مع ثوارنا الحقيقيين الذين يعانون الإقصاء والتهميش، وهم أول من تحدّى النظام ورصاصه الغادر بصدورهم العارية وبحناجرهم التي هتفت للكرامة والحرية، ومن الضروري متابعة هذا العرض المتواضع الذي نراه وربما نلامس أطراف الحقيقة، فليس صعبا علينا حين نعالج حال السياسة في سورية، وبالتالي حال الحكام والمعارضة، ان نضع ايدينا على الجرح العميق الذي ما زال ينزف منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي. ولكي يندمل هذا الجرح ويستعيد المجتمع عافيته، لا بد أن نتوقف عند الأسباب التي تحول دون ذلك.
كثيرة هي الأسباب التي جعلت مجتمعنا السوري يشهد صراعات حادة، وينحدر إلى درك لا قرار له. ولعل أهمها تسّيد “العقلية الإقصائية” للأخر. هذه العقلية هي التي تُفسر سياسات النظام الحالي، وتفسر بهذه الدرجة او تلك، السياسات التي مورست منذ انقلاب 8 آذار 1963، بل تفسر ايضا، ولو بدرجة أخف ما فعله حكم الوحدة (22 شباط 1958 – 28 آيلول 1961) حين وضع اللبنة الأولى للنظام الإستبدادي في سورية. كانت حجته الخلاص من الحزبية المقيتة التي تقسم المجتمع. ولكي نكون أكثر إنصافا، فإن التيارات التي سادت في الحياة السياسية السورية بعد الإستقلال حملت تلك العقلية. نذكرها تحديدا التيار الإسلامي والتيار القومي بطيفه المتنوع وخصوصا – الناصري والبعثي – والتيار الماركسي.
وإذا رجعنا الى الوراء، قبل أن تضع تلك التيارات بصمتها على الحياة السياسة السورية، وتؤثر بها تأثيرا كبيرا، لوجدنا أن الحكم الوطني الديموقراطي كممثل للتيار الليبرالي، قد عجز عن إدارة دفة الحكم بعد الإستقلال بسبب انانيته الطبقية التي جعلته لا يعطي الأهمية الكافية لمتطلبات النهوض بالمجتمع ولحسر الهوة العميقة بين الريف والمدينة، وبسبب عجزه، بالتالي، عن رسم سياسة عربية ودولية من شأنها أن تواجه المؤامرات الإستعمارية ومشاريعها المشبوهة، والتي كان قمتها قيام دولة دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي. فكان لا بد من أن يسقط ويحل محله العسكر. ورغم أن معارضي حكم العسكر عادوا فأسقطوه ومارسوا حياة ديموقراطية بين عامي 1954 – 1958، إلا أن الأمور تبدلت، فعادوا إلى الحكم، وأضحوا القوة الأساسية التي أمسكت بزمام السلطة من جديد.
لسنا الأن في معرض تحليل العهود التي مرت على البلاد. لكننا بعد ثمان وستين عاما من عمر الإستقلال نستطيع القول: إن الزمان قد دار دورته لنعود من جديد. لنرى أن حال المجتمع السوري والسياسات التي مورست ونتائجها المدمرة قد أرجعته إلى الوراء إلى ما قبل الإستقلال، وربما إلى الحال التي، كان عليها أواخر الحكم العثماني. وليعود الخارج، ممثلا بالولايات المتحدة وسواها من مراكز القوى الدولية يتدخل ليرسم لنا مصيرنا ويفرض وصايته ربما على نحو أسوأ مما فعله الإنكليز والفرنسيون حين قسموا البلاد العربية وفق الإتفاقية المعروفة بإتفاقية سايكس – بيكو. إن المسؤولية في ذلك تقع تحديدا على الأنظمة الاستبدادية التي سادت في أغلب الأقطار العربية ومنها بالطبع نظامنا الحالي. وهكذا نجد أن العالم الخارجي، وبسبب الضعف الذي أصاب تلك الأنظمة وسحق الحركات المعارضة على إختلاف مسمياتها، أضحى القوة التي تصنع لنا مستقبلنا بدلا من أن نصنعه بأيدينا.
إن الوضع السياسي في البلاد اليوم، هو حصيلة السياسات التي طبقت في مختلف المراحل السابقة، من إقصائية تمت تحت شعار “الحزب القائد”، إلى تزييف للعمل السياسي وفبركة مؤسسات شكلانية ك “الجبهة الوطنية التقدمية”، لتغطية الحكم الإستبدادي الفردي تحت شعار “الأب القائد”، إضافة لنتائج إرهاب الدولة الأمنية على المجتمع. كل ذلك أدى إلى ابتعاد الناس عن السياسة والإهتمام بالشأن العام، وإلى إنعدام السياسة من المجتمع، ليكون مصير المعارضين تهجيرا في بلاد الإغتراب أو تصفية وتغييبا في السجون، وتكون الحصيلة تدميرا على الصعيد الإجتماعي، حيث تفككت الروابط الإجتماعية بين الناس، وسادت قيم الكذب والنفاق والتدليس، والعلاقات الطائفية والعشائرية والإقليمية بتمييز واضح. فتكسرت الوحدة الوطنية، وتأهلت البلاد لدخول مرحلة الفساد المستشري والإرهاب، وتعاظم دور المافيات التي تقاسمت مقاليد السلطة ومصادرة الثروة.
ونتيجة لهذه العلاقة بين الدولة الإستبدادية والمجتمع، وحجم التخريب الذي أحدثته في البيئة الإجتماعية وفي الحياة العامة، كان من الطبيعي أن تتهمش المعارضة ويُضعف دورها وتتشتت جهودها.
ولم يكن ذلك لأسباب ذاتية فحسب، إنما كان موضوعيا أيضا بفعل السياسات الدولية والإقليمية. ولا ينطبق ذلك على المعارضة السورية فحسب، بل أيضا على معظم البلدان التي ابتليت بمثل هذه الأنظمة.
مع منتصف السبعينات، وبعد التدخل السوري في لبنان 1976، وتفاقم الأزمة العامة في البلاد، بدأت تظهر بوادر التململ الشعبي والإعتراض على سياسات النظام، وتتبلور على الأرض جهود المعارضة السورية بمختلف الأشكال الحزبية والنقابية والشعبية. وكانت إحدى ذرا صعود العمل السياسي المعارض في تاريخ سورية. حيث برز اتجاهان رئيسان في أوساط المعارضة.
1 – المعارضة الإسلامية
وتُمثلها بشكل اساسي حركة الإخوان المسلمين، التي أعترضت على الدستور عام 1973، ثم صّعدت عملها المعارض حتى إستخدام السلاح. ولم نشاط هذه الحركة موحدا ومنسجما نتيجة عدم توحد مواقف قياداتها، الأمر الذي أدى الى بروز تنظيمات أنفصلت عن التنظيم العام وإنفردت بإنتهاج العمل المسلح بتحريض وتشجيع ودعم بعض الأنظمة العربية كالطليعة المقاتلة. احرزت هذه التنظيمات نجاحات مؤقتة في إرباك النظام وإثارة البلبلة في البلاد وإيهام نفسها والشعب بقرب الخلاص. وكان لأجواء التحريض الطائفي والنجاحات المسلحة للطليعة من جهة ولطريقة النظام في التدمير الشامل والدموي في معالجة الأمور، وصدور القانون 49 من جهة ثانية، الدور الأبرز في دفع حركة الإخوان المسلمين الى الإنغماس في العمل المسلح بحركة انجرار واقعية اورثتهم وأورثت البلاد نتائج كارثية. إنعكس ذلك على مجمل التحرك السياسي المعارض في البلاد.
لم تعر المعارضة المسلحة اهتماما لمدى استعداد الشعب للمشاركة في هذا الشكل من النضال، بل أعتمدت على قواها الذاتية وخاضت مواجهتها للنظام، دون أن تأخذ بالإعتبار مواقف القوى الديموقراطية المعارضة ولا الظروف الإقليمية والدولية المحيطة.
ومع إعتقادنا بأن النظام هو المسؤول الأول عن نشر العتف في البلاد، إلا أن الرد بعنف مضاد من المعارضة الإسلامية ساعد النظام على توظيف ردود الفعل الطائفية ونشر في البلاد عنفا معمماً وصل إلى حد المجازر الجماعية في حق الإنسانية، وأورث الوضع الإجتماعي في البلاد إحباطاً وخوفاً كان قد تجكم بالمشاعر العامة حتى ما قبل الثورة السورية والتي بدأت عامها الرابع.
وكان لظهور ” التحالف الوطني لتحرير سورية” الذي أشترك فيه الإخوان المسلمون إلى جانب النظام العراقي وتنظيمات، وشخصيات سورية أخرى دور في تطوير أعمال التفجير العشوائي والإغتيالات في البلاد مما حمل هذا التيار (المعارضة الإسلامية المسلحة) أعباء سلبية إضافية نتيجة التصرفات اللامسؤولة التي تخدم النظام العراقي (آنذاك) ولا شأن للشعب السوري فيها، مما أعطى النظام ذريعة لإقدامه على الإعدامات بالجملة وبأعداد كبيرة في السجون السورية، لعناصر هذه التنظيمات.
ورغم معركة كسر العظم التي سادت بين النظام وهذه المعارضة على طول عقد الثمانينات، إلا أنها مرت في أكثر من مرحلة بعمليات تفاوض ومساومة مع العديد من القيادات المتطرفة، مكنت النظام من إحكام السيطرة على البلاد، وحسم الصراع لمصلحته لقاء مكاسب شخصية ضيقة وحفظ أمن البعض منهم وأمانه. وإنتهى الوضع إلى إنقسامات حادة في هذا التيار، كان أهمها ذاك الذي جرى عام 1991، بين عدنان سعد الدين وعبد الفتاح أبو غدة، الذي عاد إلى البلاد بعد صدور عفو رئاسي خاص عنه.
بعد هزيمتها في الصراع مع السلطة دخلت المعارضة الإسلامية في مرحلة من الكمون والغياب عن الحياة السياسية في الداخل. إلى ما بعد عام 2000. فعادت تُعبّر عن وجودها من الخارج عبر بيانات تحمل توجها جديدا وفكرا منفتحا ينفصل بهذا القدر أو ذاك عن خطابها السياسي السابق. وقد تجلى ذلك في الميثاق الذي دعت إليه في مؤتمر لندن 2002، فكان خطوة جيدة بالإتجاه الصحيح، قدمت التيار الإسلامي إلى مجتمعه بصورة إيجابية. واستمرت حركة الإخوان المسلمون بقيادة علي صدر البيانوني في رصد ما يجري داخل سورية بمواقف وأراء سياسية مقبولة ومتناغمة مع طروحات التيارات الأخرى دالخل البلاد، وكانت أبرز محطاته إعلان “المشروع الحضاري لسوريا المستقبل آب 2004″ و”المشروع السياسي لسورية المستقبل 16.12.2004” للحركة، واللذين اثارا حوارات وردود أفعال إيجابية من مختلف أطراف الطيف الدسموقراطس المعارض وأعادا حضور الصوت الإسلامي إلى جانب الأصوات المعارضة الأخرى ومنسجما معها. وينتقص من إيجابية النظرة الديموقراطية إلى مشروعي الإخوان، وما يخشاه كثيرون من طغيان على مفهوم المواطنة تحت ذريعة الشرع الإسلامي واستخدامه لحجب متطلبات التقدم. وذلك إضافة إلى الحديث بإسم الإسلام أو بأسم طائفة الأكثرية، الأمر الذي يخفي خلفه احتكارا مرفوضا للدين والانتماء الطائفي، ويشوش على بناء مجتمع الوطنية والمواطنة والديموقراطية.
وفي كل الحالات فللإخوان الحق في العودة إلى البلاد وإستعادة موقعهم في البيئة السياسية لسورية لأنهم جزء أصيل منها. ولكن ما يصعب هذه الاستفادة ويؤخر إن لم نقل يمنع حدوثها هو عدم إقدام الحركة حتى الأن على نقد نفسها وتجربتها في معارضة النظام خلال السبعينات والثمانينات وتقديم إعتذار للشعب السوري عن الأخطاء التي مورست بحقه من قِبَلْ الجماعة. أو تلك التي أستدرجت أخطاء مقابلة من قبل النظام، إضافة لما تم من قرارات حول تجريم وتحريم هذا التنظيم ودخوله في قائمة المنظمات الأرهابية حتى في المملكة العربية السعودية. بالضبط كما أن هذا الإعتذار كان مطلوبا من السلطة قبل فتح نارها على شعبها وحرقه بالبراميل، وتهجير ما يعاد ثلث الشعب السوري داخل وخارج البلاد. وقتل ما يزيد عن ال 9000 طفل خلال السنوات الثلاث من عمر الثورة. لأن فتح هذا الملف ومعالجته بجرأة وصدق شرط أساسي لإغلاقه وإزالة اثار الشرخ الذي أوجده عنف الثمانينات في الوحدة الوطنية ولتعود سوريا وطناً عادلاً لكل أبناءها على إختلاف إنتماءاتها القومية والطائفية والحزبية وطنا قائما على التعدد وتنظيم الإختلاف على أساس إحترام الدستور والقوانين والتداول السلمي للسلطي، وهذا ما يُساعد على إضعاف التعرات الطائفية وإعادة اللحمة الوطنية إلى المجتمع.
2 – المعارضة الديموقراطية
يتبع …