on
Archived: واقع المعارضة السورية الديمقراطية
عادل موسى: كلنا شركاء
الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني سوري إلى تحقيق أهداف الثورة وتطلّعاتها، لتحقيق خياراتها في إسقاط نظام الاستبداد، والانتقال من الدولة الأمنية الى دولة مدنية تداولية تعمل تحت سلطة القانون الذي يخدم جميع أبناء سورية بأطيافها العرقية والدينية والسياسية، لنعيش جميعا ونقوم بتأسيس مشروع ديمقراطي يرتكز على بنية دستورية يحمي حقوق الفرد من خلال السلطات التشريعية والتنفيذية وسلطة القضاء، كي تُضمَنْ حرية الفكر والعقيدة وسيادة القانون. هذا ما يدفعنا إلى مراجعة الذات وتجربة مرحلة النضال في عهود استبداد مختلفة عاشتها سورية، وأهمها المرحلة التي بدأها حافظ الأسد، الذي تمكن من بسط نقوذه السياسي ليس على الساحة السورية الداخلية بل أمتدت الى كامل ارض سورية الكبرى وبالأحرى الهلال الخصيب او بلاد الشام كل كما يحلو له بتسميته.
وهكذا، نتيجة السياسات التي مارسها نظام حافظ الأسد في حركته التصحيحية، بدأت أحزاب عدة تنتقل إلى صفوف المعارضة، وخاصة بعد ان نجح بتفتيت المقاومة الفلسطينية وبعثرتها بعد تل الزعتر 1976ـ وأنْجَبَ مكانها فصائل مسلحة جديدة وبديلة في شرق المتوسط وكانت البدائل هي “حركة حماس، وحزب الله، وحزب العمال الكردستاني” لتتحول الى مربض خيل الأسد الأكبر لينطلق منها متى شاء. وعندما أنفجرت الأحداث الدموية في الثمانينات كانت المعارضة السورية متبلورة أساسا في التجمع الوطني الديموقراطي. وهو تحالف ولد في تلك المرحلة وبرز كقطب معارض عبر بيان آذار/مارس 1980، الذي حلل فيه أبعاد الأزمة التي تمر بها البلاد، وحدد المخارج الوطنية الديموقراطية منها.
لاقى الخطاب السياسي للتجمع والشعار الذي طرحه “التغيير الديموقراطي الجذري في حياة البلاد”، إهتماما واسعا في الأوساط الشعبية والسياسية عموما، وتبادل التأثير مع حركتي النقابات المهنية والمثقفين اللتين برزتا في تلك الفترة وقدمتا إسهاماتهما من أجل التغيير الديموقراطي، وكذلك المؤتمرات التقابية والإضرابات والإحتماعات التي نظمت من أجل إشاعة الديموقراطية والمطالبة بالحريات العامة وسيادة القانون وإحترام الدستور ولو أصغت السلطة من جهة والمعارضة الإسلامية لذلك النداء السياسي الوطني والعاقل الذي قدمه التجمع لوفرت على البلادآلام المخنة التي مرت بها، ولكان التاريخ السياسي الإجتماعي لسورية يسير الأن بإتجاه آخر.
وإلى جانب المعارضة الديموقراطية، أسهم حزب العمل الشيوعي في النضال ضد الديكتاتورية والإستبداد وضد “الحلف الرجعي الأسود”، كما سماه، منطلقاً من مواقع إيديولوجية وطفولية يسارية، جعلته غير مُدرك لأهمية المسألة الديموقراطية كحاجة وطنية وعلاج للأزمة السورية. وقد تعرض للإضطهاد وللملاحقة والسجن كباقي أحزاب المعارضة الديموقراطية. كما تعرض مثلها لمجزرة الأحكام القاسية التي جرت أوائل التسعينات في محكمة أمن الدولة العليا والتي كانت إستثناءا نافرا في تاريخ السياسة السورية حيث تراوحت الأحكام من 6 – 22 سنة مبرمة، وشملت المئات من المناضلين وناشطي حقوق الإنسان. وبالرغم من التعدد في التوجه السياسي الذي تعيشه الثورة السورية اليوم ومثال على هذا التعدد نذكر اسماء البعض للتمييز فقط: عبد العزيز الخير، وفاتح جاموس، وهيثم مناع.
رغم أن النظام حقق نصرا أمنيا على المجتمع السوري وعلى المعارضة المسلحة والديموقراطية على السواء، ونجح في إخماد صوت المُعارض، غير إنه عجز عن إحراز النصر السياسي، ولم يُفلح في تقديم خطاب مُقنع و معقول الى الشعب، وإنه صار أسير أزماته وعفليته الإنعزالية وأساليبه الإرهابية. فبقي الخطاب السياسي للمعارضة هو الأقوى، والذي يأخذ حيزا يتزايد بإستمرار في وعي الناس وإراداتهم وتعبيراتهم. رغم أنه مرّ بفترة من البيات الشتوي الطويل نتيجة القمع العاري والتردد إلا أنه أخذ مكانه في صدارة الحراك السياسي الديموقراطي الذي تجدد وانداح ليشمل أطرافا من المعارضة الإسلامية ويصبح الحطاب الموحد للمعارضة السورية على إختلافها وانتماءاتها ومواقعها. في الوقت الذي تراجع فيه النظام وسياساته ومقولاته إلى درك لم تعد تجدي فيه كل أساليب التخويف والتخوين والتضليل والدعاية الإعلامية في ستر عورته ومنعه من الإنهيار.
وعلى الرغم من الألة القمعية الجهنمية التي سخرها النظام ضد المعارضة الديموقراطية ونشاطاتها، إلا أنه أخفق في محاولة إلغاء وجودها ومحوها من الخريطة السياسية للبلاد. وقد كبدها الصمود والإستمرار جهودا مضنية وتضحيات جلى وصلت حد تقديم مئات الشهداء في أقبية التعذيب وإستمرت وراء نفس الأهداف بصلابة لا ينكرها جاحد، مجددة سعيها لشق الطريق أمام التحويل الديموقراطي لسورية.
لقد عمل النظام جاهدا وبمختلف الوسائل لزحزة المعارضة الديموقراطية عن مواقعها، وتشكيكها بجدوى برامجها وأساليبها ودفعها (من الداخل والخارج) للتركيز على إدانة المعارضة المسلحة من أجل شق صفوفها والإختماء وراء بعضها في الصراع مع البعض الأخر. إلا أنه فشل فشلا ذريعاً في جرها إلى مواقع لا تريدها. وكان لجزب الشعب الديموقراطي دورا فعال في صد هذا التوجه وهزيمته. فإستمرت المعارضة الديموقراطية في تحميله المسؤولية الأولى لما حصل في البلاد وحافظت على موقعها في قضية وطنها وشعبها دون تشويه. وقد كان لهذا الموقف أثر كبير على لقاء المعارضة الإسلامية والديموقراطية فيما بعد على نقاط برنامجية وأهداف تغييرية ديموقراطية مشتركة تُسهل الإنتقال إلى برنامج وطني مشترك أو ما هو أكبر من ذلك بفضل عدم وجود حواجز من أي نوع، عجز النظام عن زرعها بين أطرافها. وهو إمتياز للمعارضة السورية لا تتمتع به كثير من المعارضات العربية.
بقي التجمع الوطني الديموقراطي في وضع يشبه الكُمون حتى أواخر الثمانينات فأخذ يجدد نشاطه ويستأنف حركته في التعبير عن مواقفه المعارضة لتوجهات السلطة. وقد كان لتدهور الأوضاع المعيشية للشعب وإشتداد الأزمات الداخلية إلى جانب إنطلاقة الإنتفاضة الفلسطينية الأولى وتزعزع وضع النظام إقليميا ودوليا أثر كبير في ذلك.
غير أن هذا النشاط المتجدد للتجمع والطرح السياسي النرافق لم يتناسب مع متطلبات المرحلة فأكتفى بنقد النظام دون أن يصوغ برنامجا سياسيا يكون أداة فعالة من أجل التغيير. ولم تستطع جريدته “الموقف الديموقراطي” أن تحمل خطاً سياسياً مُعبِّراً عن حاجة الناس وتوجهاتهم. ورغم أن جهودا بُذلت من أجل إعداد وثائق بغية إنجاز مؤتمر للتجمع يكون رافعة للعمل الوطني المُعارض، إلا أنه قصر عن بلوغ ذلك الهدف وبقيت طروحاته متخلفة عن برنامج التغيير الذي طرحه عام 1980 وميثاقه الذي ظهر عام 1979. وربما يعود ذلك إلى بنيته التنظيمية التي أنهكها قمع النظام وملاحقته من جهة، وإلى خوفه من عودة عنف الثمانينات من جديد. وقد قاده ذلك إلى حياة الترهل التي منعته من تجديد سياساته وقياداته من أجل عودته إلى المجتمع وتوثيق الصلة به. وهكذالم يظهر التجمع كقوة طليعية تنهض أمام الشعب للنضال ضد الإستبداد وإعادة الصلة بالأجيال التي أنقطع عنها لتجديد شبابه وإطلاق دوره.
دخل التجمع في العهد الجديد (حزيران 2000) طور نشاط مختلف. إذ بدا ظهوره العلني التدريجي في النشاطات السياسية وعلى وسائل الإعلام وشارك في تأسيس المنتديات وجمعيات حقوق الإنسان والمنظمات المدنية الأخرى. كما شارك في الحراك السياسي والثقافي الذي عم البلاد. وأستأنف بناء مؤسساته فأنشأ فروعا له في بعض المحافظات السورية التي كان غائبا عنها ودفعها للإسهام في ذلك النشاط الكبير الذي سُمي “ربيع دمشق” كما لعب دورا كبيرا في الدفاع عن المعتقلين السياسيين ورعاية شؤونهم. أما على الصعيد السياسي فقد كان لخطاب القسم والأوهام التي نتجت عنه أثر واضح في استنقاع حركة التجمع. ولعبت أجهزة السلطة المختلفة أدوارا متنوعة، وبأساليب متعددة لمنع توحيد المعارضة وراء برنامج واحد، وإبقائها أسيرة وهم الإصلاح السلطوي، لعجز التجمع عن لعب الدور الريادي المنوط به في نشاطات المعارضة وتوجهاتها، بل كانت حركته في كثير من الأحيان تلهث وراء الأخرين وتقصر عنهم. فلم تكن حركته ملبية للمتغيرات السريعة وحاجات الأحداث المتلاحقة.
تعرض التجمع لأنتقادات مخلصة ولكنها حادة وجريئة في هذه المرحلة من قبل أوساط معارضة وشخصيات وطنية تحب أن تراه محور الإستقطاب للعمل المعارض والموجه له. تجمع الإنتقادات على بطء حركته وتخلف خطه السياسي وتقصيره عن التصدي لقيادة العمل المعارض.
ورغم المحاولات الصغيرة هنا وهناك بقي التجمع وأحزابه بما فيها حزب الشعب الديموقراطي، دون المستوى المأمول من الفعالية، مما يفرض عليه تجديد أفكاره وسياساته وقياداته لإستنهاض الشعب السوري من أجل إنهاء الإستبداد. وقد أظهرت تطورات المنطقة في الأعوام 2003 – 2005 قصور التجمع، وهددت حركته وسمعته ووحدته مما يرتب على قياداته وقيادات أحزابه ضرورة الوقوف مع الذات بنظرة نقدية وشجاعة تتصدى للمهام وتنفض عنها غبار الإدارة البيروقراطية لتحل محلها فعالية القيادة المبدعة فيستعيد التجمع ألقه ويعيد الآمال به كقطب كفاحي للتغيير. وبالتالي يستأنف دوره في تجميع المعارضة في كل مكان حول برنامج التغيير الذي يجمع حوله الليبراليين والقوميين الديموقراطيين والإسلاميين واليساريين وكل الفئات الإجتماعية المتضررة من استمرار النظام. إضافة إلى كل منت يرى من أهل النظام ضرورة هجر سياسة الإستبداد والتمييز والإقصاء والعودة إلى الشعب في ظل نظام وطني ديموقراطي حقيقي تتعايش فيه كل التيارات بطريقة سلمية وتلتزم بأجكام الدستور والقانون.
لقد وصل التجمع إلى منعطف مهم في حياته، تنهض أمامه مهمة النظر جذريا في أوضاعه، فبعد تأسيس تفسه وهيكلته، وبلورة برامجه السياسية والعملية، ويسمو إلى ما تتطلبه المرحلة، أو يواجه عجزه ويعترف بفشله ويدفع للبحث عن أشكال نضالية جديدة.
وقد برز شكل واضح في ما قبل عام 2005، تحرك الأحزاب الكردية إضافة إلى منظمات أخرى كالأشورية والسريانية، وإهتمامها بالشأن السوري، وإشتراكها بنشاطات الطيف الديموقراطي والحراك السياسي العام في البلاد. وهو الشئ الذي لم يكن ظاهرا على سطح الحياة السياسية السورية من قبل، كونها بقيت لزمن طويل منكفئة على القضايا التي تهم المواطنين الأكراد، وتلك التي لا تتعارض كثيرا مع سياسات السلطة.
وتأتي الثورة السورية وليدة لمخاض عسير سارع بإنجازه كل الثورة المعلوماتية (الانترنيت) وأطفال درعا اللذين كانو اسرع من ساسة البلاد المخضرمين، لتسطر نهجا سياسيا جديدا يُفرض على جميع القوى السياسية والمعارضات المختلفة لإعادة دراسة الحال التي اصبحت سورية عليه اليوم. للنهوض بمجتمع يشارك فيه الجميع من ابناء سورية دون تمييز.