on
Archived: باسل العودات: ثماني عشرة مرة
باسل العودات: المدن
في البيان الذي صدر عن مجموعة العمل الدولية لدعم سورية حول وقف إطلاق النار وردت عبارة (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية) ثماني عشرة مرة، في نص لا يزيد مع ملحقاته عن صفحتين.
نصّ البيان على أن هاتين الدولتين: عازمتان، تُعلنان، مستعدتان، تتبنيان، ستقومان، تدعوان، ستشهدان، وأيضاً تؤكدان، وغير ذلك من الأفعال الثنائية، فيما ذُكر السوريون أو أطراف النزاع في سورية أو قوات النظام والمعارضة أقل من عدد أصابع اليد.
من البديهي أن آخر ما يهم في بيان وقف إطلاق النار هو دراسة لغة البيان أو إجراء إحصائيات لكلماته أو دراسة تراكيب جُمله، إذ لا شك أن جوهر البيان هو الأساس حتى لو جاء بلغة عامية ومليئة بالأخطاء، ولكن الـ 18 مرة التي ورد بها ذكر (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية) هي هنا جوهر البيان وأهم مدخل لفهمه واستيعابه.
ليس عبثاً ورود هذه العبارة بمعدل كل أربعة أسطر مرة، فقد تعمَّدَ واضعو البيان تكرارها مراراً ليُذكِّروا من سيقرأه بأن هذه الجملة هي أهم ما في البيان، وأن على من تُسوّل له نفسه أن يرفض البيان أو (يتدلل) عليه أن يتذكر من هم واضعوه، وليؤكدوا لمن يتوجب عليهم أن ينفّذوا مضمونه من السوريين بأنهم لم يُذكروا سوى ربع عدد المرات التي ذُكر فيها من قرره، وحتى الدول الإقليمية صاحبة النفوذ والعلاقة المباشرة بما يجري في سورية لم يمنحها البيان (شرف) وضع توقيعها عليه، وقرر بالنيابة عنها، وهذا ظهر واضحاً في التصريحات السعودية والتركية التي تلت إعلان البيان والمنتقدة له.
تعمّدْ ذكر (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية) في كل فقرة هو رسالة غير مباشرة لكل الأطراف بأن هذا البيان إلزامي للجميع، وأن على الجميع، اللبيب منهم وغير اللبيب، أن يفهم أن القوى العظمى هي من يُقرر مصير سورية ولا رادّ لقرارها، وأن مفاتيح الأزمة السورية بيدها فقط.
هذه الرسالة وصلت للبعض وتأخرت بالوصول للبعض الآخر، فالنظام حاول الإيحاء بأن البيان هو رغبة سورية، وزعم أن تنسيقاً سيجري مع روسيا لتحديد المناطق والجماعات التي يشملها وقف الأعمال القتالية، و(تمرجل) ووضع شروطاً لوقف إطلاق النار أهمها ضرورة وجود آلية لمنع التنظيمات المعارضة من التمدد أثناء الهدنة كي لا تنهار، وقرر من ذاته أن داريا مستثناة من الهدنة، وغالباً سيُعلن نفس الأمر في كل المناطق التي تُشكّل عقدة عسكرية له، وهو يعتقد أن بيده أمر مثل هذا القرار.
من جهتها ماطلت المعارضة السورية ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات عدة أيام لإعطاء ردّها، وقالت إنها “تُبلور موقفها المتكامل منها”، ثم أعلنت عن موافقتها المشروطة، وقدّمت مُذكّرة (أطول من البيان) وضعت فيها كل تحفظاتها، التي تُعتبر منطقية وحق واضح، على رأسها أن تُلزم الوثيقة روسيا وإيران بوقف إطلاق النار على اعتبار أنهما طرفان أساسيان في العمليات العدائية، وأن تمنح الوثيقة المعارضة الميزات التي منحتها للنظام، وتحديد الأراضي التي لن تشملها الهدنة وتحديد إطار زمني لها، ووجود جهة محايدة لتحديد المسؤولين عن خرقها وغير ذلك.
فصائل المعارضة المسلحة التي تنسجم مع الهيئة العليا للمفاوضات أعلنت موافقتها على البيان والهدنة لكنها اشترطت وجود ضمانات أممية بحمل روسيا وإيران والميليشيات الطائفية التي تُقاتل إلى جانب النظام على وقف القتال.
القوات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والمسمّاة بقوات سورية الديمقراطية وافقت بشكل أسرع على البيان، واستغلت الفرصة واشترطت أن تتوقف تركيا عن قصف المناطق التي استولت عليها هذه القوات خلال محاولتها (تكريد) الشمال السوري، كما اشترطت أن تتوقف تركيا عن دعم من وصفتهم بـ “الإرهابيين”.
الجميع يعرف ويتعامل وكأنه لا يعرف، ويرى ويغض النظر، بأن أحداً لم يعد قادراً على تقرير ما سيحصل لسورية غير الولايات المتحدة وروسيا، ولا أحد سيقدر على فرض شروطه، لا النظام الواهم والمنفصل عن الواقع منذ سنوات، والمتخيل أن روسيا أتت لتحمي عرشه، ولا المعارضة التي تأمل أن يستيقظ ضمير العالم بعد خمس سنوات من السبات، فالمشهد بات واضحاً، دولتان تصفّيان حسابات لا يعرف أحداً حجمها، وترسمان خرائط غير واضحة المعالم، وتؤسسان لشرقٍ أوسطٍ أعوج، غير مهتمتين بأن يحصل، وكل ذلك على حساب دماء السوريين.