on
Archived: د.عاصم قبطان: أخيراً تُقِـر القوتَين الأعظم بِضَرورةِ إيجادِ حلٍ للمشكلةِ السورية
د.عاصم قبطان: كلنا شركاء
تحاول القوى العظمى الظهور بالمظهر الحضاري و الإنساني من خلال الإدعاء بشنها حرباً لا هوادةَ فيها على الارهاب المتمثل في داعش و أخواتها ، تلك القوى التي حيرت العقول في قوتها و صلابتها و حرية حركتها ، و انتقالها المتكرر من التقهقر إلى الهجوم و ممارساتها المتقنة في الكرِ و الفر ، لقد أثقلت هذه العصابات كاهل القوى العظمى المتمثلة في القوتين الأعظم ، و الغريب أن هذه الحرب الطاحنة التي استعملت فيها كل مكونات الترسانة التدميرية لم تؤدي إلى انهيار داعش الارهابية أو استسلامها ، لا بل على العكس إن الذين يدفعون الثمن هم المدنيون العزل في المناطق التي تقصف بدون توقف ، لم يعد ممكناً تصديق أنهم فشلوا في القضاء على داعش ، في حين أن العراق بقوته الضاربة لم يتحمل القصف لعدة أيام و سقط جريحاً في عام 2003 ، و ما زال جريحاً تنزف دماؤه حتى يومنا هذا .
العقلاء يؤمنون بأن لكلِ بدايةٍ نهاية ، و داعش ما هي إلا مسمار جحا الذي تتمسك به جميع القوى لإبقاء جذوة الحرب البينية مشتعلة في المنطقة و التي تشارك فيها كل القوى الاقليمية و الدولية و المحلية دون استثناء ، حتى الآن المستفيدون من استمرار الحرب القذرة متفقون على إبقاء الأمور على حالها إلى أجلٍ هم يعرفونه ، قرار مجلس الأمن رقم 2254 صريح و واضح و في البداية تصور البعض و نحنُ منهم أنه اتُخِذ لذرِ الرمادِ في العيون و لكي تتخلص القوى العظمى منَ المسؤوليةِ الأخلاقية تجاه العالم الذي فقد القدرة على التحليل و ربط الأمور ، و توجيه أصابع الاتهام إلى هذه القوى التي بنت بينها و بين المفاهيم الإنسانية حواجز يصعب اختراقها ، و الكل يعمل كرمى للمدللة إسرائيل .
خمسة عشر دولةً بما فيها القوتين الأعظم أبرمت هذا القرار الذي يرسم خارطة طريق لحل المشكلة برمتها ، لم يعد هناك مكانٌ لسذاجة تقع بها المعارضة ، فهي ليست بحاجة لوضع شروط مسبقة ، تؤخذ عليها لاتهامها بمحاولة تعطيل المفاوضات ، لا يوجدُ في قاموسِ السياسةِ مطالبةٌ لتنفيذ أمور اتخذت فيها قرارات نهائية و واضحة و صريحة ، المطلوب من الجميع الانتقال إلى الخطوة التالية ، إجماعُ مجلس الأمن في قرارهِ المشار إلية يقتضي من المحاورين الانتقال إلى النواحي الاجرائية لإنهاء المشكلة السورية من جذورها ،و الاتفاق على طبيعة الحكم القادم و قوننتهِ و لقطعِ الطريق على الذين يعملون على التفاوض من أجل التفاوض ، القوى الدولية صاحبة القرار تقف اليوم أمام مسؤولياتها الأخلاقية و الأممية لإنتاج سوريا الجديدة التي يقبلها الجميع ،و لوقف استمرار نزيف الدم ، و لا بد للضمير من أن ينتفض و تُنفض من حوله الغبار التي تراكمت ليعود الجميع إلى رشدهم و يقتنع الجميع بأن التنفيذ الكامل لهذا القرار من مصلحة الجميع و من المؤمل أن يقود إلى استعادة وحدة الدم و المصير لكل السوريين ، هناك نخب واعية باتت تدرك اللعبة و لم تعد لتنطلي عليها الحيل و الشيطنة التي نقرأها و نراها في كل يوم و ساعة و لحظة ، لقد انتهى زمن الشعارات و الادعاءات و توزيع الاتهامات ، فالذين يحبون سورية لا بد أن يعودوا للم شملِ أبنائها و مداواة جراحهم .
لم يأتِ قرار مجلس الأمن الأخير 2254 من فراغ ، إنما كانَ خطوةً سبقتها خطوات ابتداءً من جنيف 1 إلى جنيف 2 إلى جنيف 3 ، إلى إعلان ميونيخ الأخير ، و تأتي الخطوةُ الأخيرة التي صدرت عن وزارة الخارجية الأمريكية لتكمل المسيرة و أن القوتين الأعظم متفقتين تماماً على مشروع وقف الحرب بعد الوصول إلى قناعة بعدم إمكانية تحقيق نصر ميداني يستطيع قلب الموازين بشكل حقيقي ، إن حجم القوة الضاربة التي استخدمت من قبل القوى العظمى المتمثلة بالتحالف الأمريكي و التحالف الروسي و بعد مرور أشهر عديدة وضعت فيها روسيا كل طاقاتها هي و حليفاتها من القوى الإقليمية و المليشيات القادمة من الخارج ، لا توازي الإنجازات التي تحققت على الأرض ، و التي تركزت على المناطق التي سيطرت فيها القوى المسلحة التي تسمى بالمعارضة المعتدلة في حين عَـفت و في أحسن الظروف لم تستطع أن تغير ميزان القوى ضد داعش و عصاباتها ، و يبدو أن ما تتميز به داعش من ديناميكية الحركة السريعة و تغيير مناطق القتال جعل من الصعب على الجيوش النظامية أن تتأقلم مع المعطيات التي تواجهها خاصة مع ما تملكه داعش من قوافل الانتحاريين الذاهبين إلى الجنة من خلال الأحزمة الناسفة و السيارت المفخخة .
لا بد من إمعان النظر بالبيان الأخير الذي صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية وباسم الدولة الأمريكية و دولة الاتحاد الروسي ، و لن يتأخر مجلس الأمن الذي سينعقد خلال الساعات القليلة القادمة عن تأييد الاتفاق الروسي الأمريكي المعلن ، لقد وصلت الدولتان أخيراً إلى القناعة بضرورة إيجاد حل للمشكلة السورية و القضاء على القوى التي انتهى دورها و الخارجة عن الاسلام و التي تمتهن القتل و قطع الرقاب ، و كأن التاريخ يعيد نفسه فالولايات المتحدة الأمريكية كان لها الدور الكبير في خلق و تنظيم و تدريب تنظيم القاعدة المتمثل في حركة طالبان أفغانستان ، و التي استُخدمت لاستنزاف الاتحاد السوفييتي الجريح الذي توارى بعد أن مُرغت كرامة السوفييت في الوحل و غادر أفغانستان إلى غيرِ رجعة يجرر أذيال الخيبة و العار .
القيادة الروسية المعاصرة لا تختلف في قرائتها للتاريخ و الواقع الذي بات واضحاً وهي تدرك بأن داعش و أخواتها ماهي إلا صناعة صهيونية أمريكية صممت لإضعاف و استنزاف الأنظمة المحلية و تتلقى الدعم من القوى المنغمسة في المستنقع السوري مع تباين أهدافها و مراميها فهي لم تعمل يوماً من أجل سوريا أو السوريين ، مصالح الروس تلاقت مع أهداف بعض القوى الاقليمية و المحلية ، و لكنها تعيد حساباتها الآن ، و مرحلياً إما أنها كانت تعمل بتوجيه من الأمريكيين أو بالتنسيق معهم فيما يخدم مصالح الطرفين، فكان لها أن وجهت كل قوتها للقضاء على كل مكونات المعارضة و عَـفت عن داعش ، و هذا ما أثبتته تقارير المراقبين بمختلف توجهاتهم و انحيازاتهم .
بالنتيجة لم يتوصل الطرفان الأمريكان و الروس إلى نتائج مٌرضية للمعارك التي تدور على أرض الغير لتحقيق مصالحهما ، فكان لا بد من تغيير الأسلوب الذي لم يَرق لأول وهلة للسوريين بمجملهم موالاةً و معارضة مسلحة الذين حلموا و ما زالوا بتغيير الواقع على الأرض ، و ما يمكن ملاحظته الآن آلية سحب البساط من تحت أقدام المتقاتلين و من كل الاتجاهات و الميول ، هذا ما ستظهره الأيام القادمة ، هذا ما تقدمه القراءات العميقة للتصريحات التي تصدر عن أصحب القرار من هنا أو من هناك سواءٌ في الولايات المتحدة أو الاتحاد الروسي ، و التي باتت تؤكد على أن مرجعية القرارات و المواقف في هذه المنطقة من العالم هي حصرياً ملك السادة الأمريكان و الروس .
في قراءة سريعة يمكن القول بأنه إذا كان للقوى العالمية المتعارضة في المصالح و المواقف أن تلتقي و ترسم خارطة الطريق في الشرق الأوسط و تحديداً في سوريا و بشكلٍ منسق و منظم و التي تنطلق من هدي نظرية العجوز هنري كيسنجر في سياسة الخطوة خطوة التي توصل الجميع إلى اليقين بأنه لا حل إلا هذا الحل ، ألم يحن الوقت للإعتراف بهزيمة الجميع و خسارة سوريا ، أو فلنقل ألم يحن الوقت لانتصار الجميع على أنفسهم و السعي لانتصار سوريا ، المنطق يقول إنها لحظة الحقيقة بل إنها لحظة اليقين و الندم و محاولة رأب ما خسرناه كلنا من شهداء و معوقين و مهجرين و مشردين و مفقودين و مغيبين ، لقد باتت القضية الفلسطينية بلسماً بالمقارنة مع معاناة السوريين بكلِ طوائفهم و انتمائاتهم .
إن التقاء القوتين الأعظم على فرض الحلول التي المناسبة يجب أن يقود إلى قناعات جديدة تخلع ثوب الموالاة و ثوب المعارضة و توحد الجميع على صعيد المواطنة الشرعية الحقيقية التي لا تميز بين مواطنٍ و آخر .
إن الخطوة التي أعلنت من قبل الهيئة العليا للمفاوضات بقبولها للهدنة المؤقتة تشكل بارقة أمل يجب أن تقابل بالايجابية من الجهة المقابلة ، حفظاً لدماء السوريين و استعادة وحدتهم و إقامة دولتهم القوية .
و أخيراً فإنه حفظاً لماء الوجه لدى الجميع ينبغي الحيطة و الحذر في اتخاذ الخطوات و القرارات التي قد لا تتلائم مع الإرادات الخارجية صاحبة القرار مرحلياً ، و نحنُ نُغادر نهاية يوم 26 شباط الذي سيحدد فيه كلٌ من الكل موقفه من وقف إطلاق النار بوضوح . فالذين يراقبون الأحداث يعتقدون بأن القوتين الأعظم قد اتفقتا على خطواتٍ حاسمة في طريقها إلى التنفيذ و تفعيل الخط الأحمر الساخن ما بين القوتين على أعلى المستويات يدلُ على ذلك ، و من السذاجة أن لا نصدق بأن القوتين الأعظم عازمتين على التفرغ للقضاء على داعش بعد أن أدت مهمتها بالتضافر مع القوى المتعاونة معها من هنا أو هناك في تمزيق سوريا و العراق ، و أنهما عازمتين على تنفيذ ما ورد في القرار الأخير 2254 بكامل مواده و على الأقل من الناحية الأخلاقية لأن البديل سيكون التقسيم لا محالة الذي قد يكونُ مؤجلاً حالياً بعد أن أوصلت المشاركة في المستنقع السوري سوريا إلى الهلاك و لم تعد تشكل خطراً على الدولة الصهيونية و لعقودٍ قادمة ، نحن لا نحسن الظن بأيٍ من القوتين الأعظم ، إن ردة فعل روسيا الجديدة تأتي تاليةً لما تعرضت إليه من نزيف الدم الاقتصادي قبل العسكري فلم تتحقق التوقعات بانتهاء القتال الذي باشره الروس و كانوا يحلمون في إنهائه قبل 31 كانون الأول 2015 و ها نحن على أبواب الشهر الثالث من آذار 2016 ، لقد تفاقمت الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي مني بها الروس و حلفاؤهم بسبب إغراق الأسواق العالمية بالبترول و ما قابل ذلك من انخفاض في الدخل القومي الذي يَعتَمِد أساساً على مبيعات البترول في الأسواق العالمية و قد تكفي الإشارة إلى أن قيمة الروبل الروسي مع المبالغة انخفضت إلى أقل من 2% من سعر الدولار ا أمريكي .
القوى الوطنية المخلصة لسوريا تهيب بالجميع للإفادة من الفرصة المتوفرة لاستعادة سوريا العزيزة ، و السعي للسلام ، فحمامات السلام باتت تجوب الفضاء السوري ، و لا بد من العمل لانتصار سوريا على عثراتها .