Archived: ناشيونال انترست: هل يمكن أن تدفع سوريا الاتحاد الأوروبي للانهيار؟

دانيال وكرناشيونال انترست: ترجمة مرقاب
كان الاتحاد الأوربي ولا يزال ويفترض أن يبقى أنجح مشروع عابر للقومية من أجل السلام والازدهار في تاريخ الدول القومية الحديثة. لكنه يوجه حالياً بفعل الوضع في سوريا أزمة ثلاثية تهز أوروبا في صميمها وتتمثل هذه الأزمة في: طوفان المهاجرين القادمين إلى أوربا وسياسة بوتين وأردوغان على حدود الاتحاد الأوروبي وتنامي النزعة القومية في عدد من الدول الأعضاء.
وتعتبر أوروبا جذابة جداً في عيون شعوب العالم الحديث، وهو ما تجلى ما دفع عدداً كبيراً من المهاجرين لأغراض اقتصادية من الشرق الأوسط وإفريقيا للانضمام إلى اللاجئين لأسباب سياسية من سوريا والعراق المحتلة من قبل داعش، أملاً في بدء حياة جديدة في أوروبا.
لكن أوروبا ما زالت غارقة بشكل كامل في تعقيدات دمج سوقها الداخلي وبيئتها الاجتماعية. وهذه الموجات الضخمة من المهاجرين، الذين تدفقوا السنة الماضية ويرجح أن يتكرر تدفقها هذه السنة، تفوق طاقة أوربا على الاستيعاب والدمج. وما يجعل المهمة أصعب هو قدوم المهاجرين من خلفيات ومشارب سياسية واجتماعية ودينية مختلفة جداً بالنسبة لمعظم الأوربيين. فالأوربيون لا يمكنهم أن يتقبلوا أي ضبابية في الفصل الواضح بين الدين والدولة، لكن الأوروبيين أخذوا يرون أن الواقع مختلف عن ذلك في كثير من أنحاء العالم الإسلامي .
صحيح أن الإسلام والديمقراطية ليسا متناقضين في ذاتهما، لكن لا يمكن أن يتعايشا إلا إذا تم الفصل بينهما تماماً في كل مجال من مجالات الحياة. كما أن الدور التقليدي للمرأة في المجتمعات الإسلامية هو أيضاً مصدر قلق بالنسبة للكثيرين. ومع وصول المزيد من اللاجئين أصبحت عملية المزج المعقدة مستحيلةّ. وإذا كان من المستحيل وقف تدفق اللاجئين فيجب على الأقل إبطاؤها وتطوير سيناريو واقعي لإعادة عدد من اللاجئين إلى سوريا، وخاصة المهاجرين لأغراض اقتصادية إذا لا يمكن لسوق العمل الأوربية أن تستوعب إلا نسبة صغيرة فقط من هؤلاء المهاجرين، إذا أرادات أوربا أن تحتفظ بمكتسباتها الاجتماعية .
وفي ذات الوقت تعمل روسيا وتركيا على إعاقة الوصول إلى أي حل للمشكلة السورية. فالقيصر بوتين والسلطان أردوغان كلاهما يقودان بلديهما إلى وضع أسوأ، حيث يعود أردوغان بتركيا نحو مستنقع الشرق الأوسط الذي أخرجها منه أتاتورك بينما يعود بوتين، من خلال نهجه العدواني في أوروبا الشرقية وقصفه غير الأخلاقي للمدنين في سوريا وسياساته التي تعطل أداء الاقتصاد الروسي المتعثر أصلاً، يعود ببلاده نحو الحقبة السوفيتية.
يجب على الغرب وأوروبا خاصة ألا ينتظروا أكثر، فعليهم ممارسة المزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية على تركيا وروسيا. فإذا كانت قوة أردوغان الشخصية وكرهه للأكراد وعقيدته السنية أهم عنده من علاقات تركيا التقليدية بالغرب، فيجب تعليق عضوية تركيا  في حلف الناتو ومحادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بغض النظر عن تكلفة إعادة مركزة القواعد العسكرية الغربية في أماكن أخرى.
وبالمثل لا بد من تسريع الضغط الاقتصادي على روسيا، ويمكن الاستفادة من التجربة الناجحة لعزل الاقتصاد السوفييتي أيام الحرب الباردة دون تحقيق الكثير من الضرر على الاقتصاد العالمي. وبطبيعة الحال ، فإن أياً من هذه الخطط لن تكون سهلة التنفيذ لكن البديل هو السماح لهذين المستبدين مواصلة تدمير الاتحاد الأوروبي. بيد أنه في هذا الوقت الذي يفترض فيه أن يدرس الاتحاد الأوروبي تغيرات سياسية أساسية ويناقشها مع حلفائه خاصة الولايات المتحدة، نرى الأنانية الوطنية والدعاية الانتخابية على أدنى درجات السياسات الوطنية هي السائدة. فنرى المجر وبولندا قد نزعتا إلى الشعبوية على أقصى يمين الطيف السياسي كما بدأت دول مجاورة أخرى تنزلق وراءهما في نفس الاتجاه، وهو أمر غير مقبول من هذه الدول التي انتشلت منذ عهد قريب من تحت نير الطغيان السوفييتي لتقف على أقدامها اقتصادياً بفضل الأموال الغربية الخاصة والعامة.
إن موجات الهجرة هذه تغذي السياسات ذات النزعة القومية في أوروبا، حيث أصبحت وعود “بناء الجدران” لمنع اللاجئين من العبور  سلعة رائجة، وهو ما يقف وراء المشاهد المزعجة للمهاجرين العالقين بين الجزر اليونانية والحدود المقدونية المغلقة حديثاً وكذلك القناة الإنكليزية في كاليه التي أصبحت جداراً أيضاً يمنع اللاجئين من العبور إلى المملكة المتحدة التي رفضت مع أعضاء آخرين في الاتحاد الأوروبي التوزيع العادل للاجئين في أوربا. كما أطل شبح خروج بريطانيا من الاتحاد برأسه وما يمكن أن يترتب عليه من انقسامات وتحديات.
إن سوريا، وكل ما تمثله، يمكن فعلاً أن تتسبب بانهيار الاتحاد الأوروبي إذا استمرت أوربا بترك نفسها رهناً للسياسات ذات النزع الوطنية الضيقة والنظرات القاصرة في بلاد يفترض أن تتمتع بالبصيرة التاريخية والمستقبلية للقيام بفعل أفضل. إن فكرة الاتحاد الأوربي ليست خاطئة لا في جوهرها ولا في تنفيذها، لكن الناس الذين يقفون وراءها هم من يمكن أن يدفعوها للانهيار.