on
Archived: مركزكارنيغي: انسحاب في الوقت المناسب..روسيا تسحب قواتها من سوريا
ألكسندر بونوف-كارنيغي : ترجمة مرقاب
لم يكن ينبغي لإعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الانسحاب من سوريا أن يشكل مفاجأة كبيرة. وقال انه يعتقد انه حقق معظم اهدافه هناك، وقد أوجدت روسيا طريقا للعودة الى طاولة المفاوضات مع المؤثرين من دول العالم للجلوس وحل النزاعات الإقليمية معا.
هذه المرة، لم يجد فلاديمير بوتين صعوبه للتظاهر عندما أعلن أنه تم إنجاز المهمة.
كان إعلان بوتين بسحب الجزء الرئيسي من القوات العسكرية الروسية من سوريا غير متوقعا في الغرب. ولكن عندما بدأت روسيا لأول مرة تدخلها في الصراع السوري في سبتمبر الماضي قال الكرملين ان التدخل سيستمر لبضعة أشهر فقط. وحاليا فإن بوتين غير قلق وقد حقق التدخل الروسي جميع الأهداف المحلية والدبلوماسية، والعسكرية.
في مقابلة أجراها معه مركز الأطلنطي، قال أوباما مؤخرا بأن روسيا تستنزف وهي مرهقة نتيجة تدخلها في سوريا. والروس كانوا قلقين بشأن ذلك أيضا. وعبروا عن المخاوف بأن تصبح سوريا أفغانستان ثانية، مع طول أمد النزاع والخسائر التي لا حصر لها والتي كان يمكن أن تنتهي بانسحاب المخزي. لم تعان روسيا -وبصورة غير متوقعة- عندما قتل 224 شخصا مدنيا بعد تفجير طائرة نقل الركاب في سيناء. لأن الكثير قد نظر إلى الحادثة بأنها مأساة في مكان خارج حدود الاتحاد الروسي أكثر من كونها فشلا للسياسة الروسية.
اختارت القيادة الروسية بعناية لحظة الإعلان عن الانسحاب من سوريا خلال الهدنة التي أعلنت في فبراير 26. فقد جاء التدخل مترافقا مع تكلفة، ولو أنه يمكن القول بأنها ليست عالية في صراع امتد لأربع سنوات. وتقدر هيومن رايتس ووتش بأن 1700 مدنيا قتلوا في عام 2015 جراء القصف الروسي. وهذا أمر مأساوي. ولكن الحقيقة أيضا أن عددا أكبر من المهاجرين يقدر ب3770 قد غرقوا في محاولة لعبور البحر المتوسط العام الماضي من جراء التدخل الروسي.
وفيما يتعلق بموسكو، فإن عدد الضحايا هو ثمن قليل لدفع ثمن تغيير الحقائق على الأرض في الصراع الذي أسفر عن ربع مليون قتيل.
اعتبر بعض الخبراء بأن السبب الرئيسي لتدخل روسيا ومصالحها في سوريا لم يعد يهم المواطن العادي. ويفضل الشعب الروسي أن يرى نجاحات على الصعيد الداخلي.
بعد عام 2014 كان العامل الأهم بالتأكيد بالنسبة لروسيا هو مكانتها في الدبلوماسية العالمية. وفي 2015 بدأت روسيا تعيش عزلة دبلوماسية كاملة تقريبا.
وبعد أن شنت روسيا عملياتها العسكرية، بدأت الاجتماعات الدبلوماسية مرة أخرى، وكانت طويلة وعقيمة. لكن روسيا تمكنت من فتح باب جديد يمكن البناء عليه. ووجدت روسيا طريقا للعودة الى طاولة المفاوضات حيث أمل العالم من اللاعبين الجلوس وحل النزاعات الإقليمية معا. وهذا ما تؤكده حقيقة أن المفاوضات الجارية بشأن وقف إطلاق النار في سوريا بدأت مع إصدار الولايات المتحدة مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي ومجيء جون كيري إلى موسكو في ديسمبر، وبدأت الهدنة مع قرار آخر لمجلس الأمن الدولي التي دعمته الولايات المتحدة. وكما يبدو قامت العاصمتان بعمل كل شيء من وراء الكواليس.كما كان يعملان في السابق تقريباً.
يعتبر تقييم ما اذا كانت روسيا قد حققت أهدافها العسكرية في سوريا مسألة تخمين، ربما لم تكان العملية العسكرية مكلفة إلى حد لا يطاق. وقد قال بوتين بأن الكلف لم تكن أكبر بكثير من كلف التدريب. ولكن مع كون الميزانية الروسية تمر بمرحلة عصيبة فلا يمكن أن تستمر التدريبات إلى ما لا نهاية.
على الأرض في سوريا، أحدثت روسيا تغييرا كبيرا. فقد كسر الحصار عن قاعدة كويرس الجوية وتحرك النظام نحو الحدود التركية. وكان الإنجاز الرئيسي هو إدراك مختلف الجماعات المسلحة في سورية بأنهم غير قادرين على اجتياح دمشق بالقوة وإسقاط بشار الأسد.
يحمل الانسحاب المفاجئ لجزء كبير من القوات المسلحة الروسية مخاطر واضحة بالنسبة لموسكو. فقد تمكنت روسيا من حجز مقعد لها على طاولة القوى المؤثرة عالميا من خلال تدخلها العسكري. ومن خلال إنهائها للتدخل، وفي حين أن آخرين قد أبقوا جيوشهم في ساحة المعركة، فهناك إمكانية لفقدانهم لهذه المكانة.
ومع هذا فإن هذا الإنسحاب هو انسحاب منظم في لحظة سلام وليس تراجعا سريعا. وعلاوة على ذلك فهو ليس انسحاب كاملا. ويبدو توقيت الانسحاب وكأنه لحماية روسيا من الأخطار غير المتوقعة في سوريا من المملكة العربية السعودية وتركيا، أو لاعبين آخرين.
تنبأ البعض بان روسيا سوف تمكن الأسد من استعادة كامل سورية. وهذا لن يحدث، حتى وإن رغب الكريملن في رؤية هذا السيناريو.
لا تلتزم روسيا بدفع أي ثمن للحفاظ على الأسد في السلطة. بعد أن وضعت توقيعها على وثيقة يستشرف العملية السياسية والفترة الانتقالية، وافقت روسيا فعليا” لفكرة أن الأسد سيترك منصبه. ولكن بكرامة وليس كما معمر القذافي. لأن هذا التحول في الأحداث سيعتبر بمثابة هزيمة لبوتين في روسيا أو في بقية دول العالم على حد سواء.
وقف إطلاق النار الحالي هش ولكنه لا زال مستمرا”وهذا هو السبب في أنه من المهم أن يغادر الروس الآن. وإذا تحولت الهدنة إلى سلام على المدى الطويل، فيحق لروسيا أن تعلن النصر. أما اذا اندلعت الحرب مرة أخرى، فإن روسيا لم تعد لديها المسؤولية عن ذلك. و يمكنهم عندها القول بأنهم عندما كانوا هناك صنعوا السلام للجميع وعندما غادروا عادت الحرب للاندلاع.