on
Archived: النصر الروسي التائه في سوريا
المدن-
الأنظمة التسلطية لايسعها أن تُهزَم، بل تُحوّل كل هزائمها إلى انتصارات، طالما أن النظام صامد “بوجه مؤامرات الأعداء، الذين هم كل من لا ينضوي تحت مقدس هذا النظام”.
يصر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بكلّ سلطته المطلقة تقريباً، وأجهزة اعلامه المهيمنة كلياً على المجتمع الروسي، على “أن انسحاب روسيا الجزئي قد جاء بعد أن نفذت وزارة الدفاع، بشكل أساسي، المهمة الملقاة على عاتقها في سوريا”. يقول المستشرق الروسي والإقتصادي ورئيس معهد “الشرق الأوسط المستقل” يفغيني ساتانوفسكي، على موقع ” vzglyad” الإلكتروني الروسي المؤيد للسطات الرسمية، إن انسحاب القوات الروسية من سوريا عاد على روسيا “بنتائج إيجابية جمة”. فروسيا في الوقت الراهن هي “صانع السلام الرئيسي على الأرض”. وردة الفعل الدولية هي “لصالح السياسة الروسية”، مقارنة مع السياسة الأميركية، لكنه يستدرك بأن الحرب في سوريا “بعيدة عن النهاية”.
وقد تكون النتائج الرئيسية لسحب القوات الروسية الجوية الفضائية من سوريا “هي نتائج سياسية في غالبها”. فانسحاب القوات هذا “وضع الغرب والمؤيدين العنيدين لإسقاط الأسد، المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، في طريق مسدود”. وفي المحصلة “تتقدم روسيا الجميع بخطوات عديدة”.
عدد من خبراء السياسة يركزون الاهتمام على “أن مهمة القضاء على الدولة الإسلامية، وجبهة النصرة لم يتم تنفيذها”. لكن روسيا كانت بحاجة، من أجل ذلك “لإدخال قوات برية في سوريا، لأن دمشق لا تمتلك ما يكفي من القوات”. أضف إلى ذلك، أن القضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية”، و”جبهة النصرة” ليس ممكناً “إلا في ظل مصالحة نظام الأسد مع القسم الأعظم من السنّة، والتوصل إلى حل وسط في مسألة تقاسم السلطة”.
ويعدد المعلق في الموقع الإلكتروني “للأسبوعية العسكرية الصناعية” (VPK) أوليغ فاليتشيف، على النتائج الإيجابية التي ذكرها الرئيس بوتين في قرار الإنسحاب، و التي ينكرها “بعض محللي الكنبة”، كما يسميهم. ويقول إن النتيجة الرئيسية للعملية هي “العودة إلى العملية السلمية”، ويذكر بأن “القادة السابقين للقوات المسلحة العراقية، والذين تدربوا في الإتحاد السوفياتي، يشكلون أساس فصائل الدولة الإسلامية”. ويضيف “تمكنا في الأشهر الأخيرة من اختبار أنواع أسلحة جديدة في ظروف المعركة”. ويعدد هذه الأسلحة والمعدات من صواريخ “كاليبر” بعيدة المدى، التي تطلق من الجو والبحر، إلى وسائل التصويب الجوي “وأجهزة مختلفة، بما فيها وسائل الاتصال”. ويتابع: “ضباطنا وجنرالاتنا كانوا يعملون في جميع الوحدات الهجومية في قيادة أركان الجيش السوري في دمشق”، وأن هؤلاء لا يزالون موجودين اليوم أيضاً في جميع المواقع الرئيسية وفي جميع حلقات المستوى العملاني”.
أما الكاتب الروسي المعروف والسياسي والنائب إدوارد ليمونوف، الذي أسس بعد عودته العام 1991 من منفاه في أميركا “الحزب القومي البلشفي” (وهو الذي نفاه أحفاد البلاشفة من روسيا العام 1974)، الذي ألقت السلطات الروسية الحظر عليه بشبهة الفاشية، فيقول على موقع “svobodnaya pressa”، تعليقاً على الإنسحاب من سوريا “نحن، مع ذلك، نرقص أمام الغرب على قوائمنا الخلفية”.
ويمضي قائلاً، من موقع المعارض للانسحاب “تعالوا لنفهم لماذا جئنا سوريا”. ويتبين أنه “جئنا ليس لننتصر. لأنه لو كان العكس لما انسحبنا قبل النصر، ثانياً، نحن دخلنا بقوة ضئيلة. فمع خمسين طائرة ضد الدولة الإسلامية لن تستطيع شيئاً. لقد عشت خيبة عميقة. مع العلم أنني كنت لأتوقع في أعماقي مثل هذا العمل الجبان”. ويضيف “أن تبدأ حرباً، ليس لشيء سوى لتكسب موقعاً في المجتمع الدولي الرفيع وتحظى برضاه، فهذا عمل غير أخلاقي. لقد كافأونا قليلاً، فالروبل والنفط آخذان بالارتفاع، وصداقتنا مع الأميركيين تتعزز، وإن ببطء. لقد بلغنا غايتنا، إذ إن علية القوم يستقبلوننا من جديد، وأخذوا يتصالحون معنا”.
وليمونوف ليس الوحيد الذي علق بهذه السخرية المريرة على قرار الإنسحاب، وإن كان من موقع المزايدة على بوتين، كما فعل السياسي الشعبوي الشهير جيرينوفسكي، الذي اعتبر أن الانسحاب مبكر، كما كان الانسحاب من أفغانستان.
أما الصحافي المخضرم منذ الحقبة السوفياتية، ومخرج الأفلام الوثائقية، ومقدم البرامج التلفزيونية ألكسندر نيفزوروف، لا يعلق بمرارة “الشوفيني الروسي”، كما حال ليمونوف وجيرونوفسكي، بل بمرارة الديموقراطي، الذي يشهد كيف تخرج بلاده من حرب لتدخل أخرى”.
يقول هذا الإعلامي المخضرم في مقابلة مع موقع الأسبوعية المخضرمة أيضاً “Sobesednik.ru”، رداً على سؤاله عن موقفه من سحب القوات الروسية من سوريا، إن “كل سوريا (يقصد الحملة العسكرية الروسية في سوريا) هذه ليس لها من معنى. فائدتها الوحيدة التي أراها، هي أن مشاهدي التلفزيون استمتعوا خلال نصف سنة بمسلسل عن الطائرات المقاتلة والطيارين الأشاوس، أي ما يسمى قوة روسيا العسكرية وما إلى ذلك. ليس من فائدة أخرى من كل هذه العملية، سوى الفائدة الإعلامية. وحين انخفضت شهرة المسلسل اقفلوا المشروع بنجاح”. وحين قيل له بإن هذا يعني أنه يفترض أن المجتمع الروسي قد كف عن دعم الحرب في سوريا، قال “أبداً.. الروس سوف يدعمون دائماً أي حرب لأنهم يعتقدون أنه من خلالها يثبتون جدوى بلادهم السياسية”.
ومع ذلك تبقى شعبية بوتين 81 في المئة لدى الروس، كما يقول رئيس مركز ليفادا لاستطلاعات الرأي ليف غودكوف، في مقابلة مع الموقع عينه في 21 من الشهر الحالي. وذلك لأن الروسي المحَاصَر بجميع الأخطار، التي يصورونها له ليل نهار، من خطر الغرب، الذي يريد دائماً تدمير روسيا، إلى خطر الإرهاب، إلى الخطر التركي، يرى أن لابأس من أن يؤيد السلطة في حروبها “لإبعاد” المخاطر عنه قبل وصولها إليه، ويتغاضى عن تدني دخله وقوته الشرائية.