Archived: مهند الحاج علي: (حزب الله) وعسكرة شيعة سوريا

مهند الحاج علي: المدن

في مقابلته مع قناة “الميادين” مساء الاثنين الماضي، خصص الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله حيّزاً مهماً لتأكيد عدم انسحاب مقاتليه من سوريا. تزامنت هذه الأنباء عن الانسحاب مع القرار الروسي المفاجئ في هذا السياق، وبُنيت على فرضية عودة مجموعة مهمة من المقاتلين الى عائلاتهم وحياتهم الطبيعية. ورغم أن نصر الله قال ممازحاً لتأكيد النفي إن “هناك أناساً سحبونا من سوريا وقتها”، إلا أن هناك أنباء متواترة تؤكد، ولو جزئياً، حقيقة تقلّص عدد مقاتلي الحزب في سوريا، وعودة عدد كبير منهم إلى لبنان نسبة بالسنوات الماضية. 

لكن كيف يُقلّص “حزب الله” عديد مقاتليه وضحاياه، والحرب متواصلة؟ التدخل الجوي الروسي ورغم أهميته في تحقيق تقدم على الأرض، لا يُغني عن الحاجة المتزايدة الى قوات برية تُقيم مراكز ثابتة بهدف الحفاظ على “المكتسبات”. والواقع أن “حزب الله” على دراية باستحالة مواصلة المعركة سورياً بمقاتلين لبنانيين من طائفة لا يتجاوز عديدها ثلث سكان لبنان. التفسير المتوافر والأقرب للمنطق هو نمو الشق السوري من “حزب الله” عددياً، بما يُساعد على تقليص التدخل تدريجياً. تأسس “حزب الله” السوري منذ بداية التدخل الايراني-اللبناني، أي عام ٢٠١٣، عبر تجنيد وتدريب مقاتلين من الأقلية الشيعية في سوريا. ومنذ عام ٢٠١٣، ظهر لواءان هما “قوات الرضا” في القرى الشيعية في الريف الشمالي لحمص مثل أم العمد، و”لواء السيدة رقية-القوة الجعفرية” في الأحياء والضواحي الشيعية لدمشق. وبعد ٣ سنوات على هذا التأسيس، بات لدى “حزب الله” اللبناني ذراع شيعية سورية تتقاسم معه الكلفة البشرية للحرب، وتوفّر عليه انعكاساتها المحتملة على شعبيته وقدراته العسكرية في لبنان. وكانت هذه الحسابات واضحة في رد نصر الله على من يشير إلى قدرته على إرسال قوات أكثر، إذ قال: “لم نأتِ ولا نتعاطى بذهنية إذهبوا لنستنزف قوتنا كلها في سوريا”.

وبالإمكان احتساب الفارق الذي أحدثته المشاركة المتزايدة للفرع السوري للحزب، من خلال ثغرات في دراسة أجراها الباحث علي الفونة لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أخيراً. الدراسة المبنية على جنائز الحزب في لبنان، أحصت عدد القتلى بـ٨٦٥، بينهم ١٠ سوريين فقط، لكنها فشلت في تحديد مناطق ١٣٦ مقاتلاً رغم شمولهم في العدد الإجمالي. والدراسة اعتمدت على أخبار الجنائز في المواقع اللبنانية، ما يجعلها عُرضة لأخطاء مثل ما حصل أخيراً في نعي حسن كنعان الملقب بـ”نبراس” وكأنه قيادي لبناني، وهو بالحقيقة سوري الجنسية.

وشيعة سوريا ليسوا أقلية كبيرة عددياً مثل العلويين أو حتى المسيحيين، إذ تتراوح التقديرات بشأن أعدادهم بين ٢٥٠ ألفاً ونصف مليون يتوزعون على قرى متناثرة في ريفي حمص وحلب، وعلى بعض أحياء مدينة دمشق وضواحيها، علاوة على أعداد قليلة في بصرى الشام الدرعاوية. لكن مؤسسات النظام العسكرية والأمنية تُجنّد بكثافة هناك، كما يبدو من أعداد القتلى في هذه المناطق التي دخل ”حزب الله” إليها منافساً لحلفائه، ما خلق حساسيات بدأت تظهر على بعض صفحات المقاتلين الشيعة السوريين في حمص. فبعد تفجير حي الزهراء في حمص، ورد على صفحة “قوة الرضا” انتقاد لـ ”تقصير وفشل الجهاز الأمني وغيره من الفشلة في حمص”، يُذكّر بحساسيات لبنانية مماثلة كان يحملها أنصار الحزب ضد مؤسسات الدولة. بيد أن الصفحة حملت تهديداً للأجهزة بإن “لم تكونوا قادرين على حماية المدنيين فتنحوا إيها الفشلة وأعطوا مهماتكم لغيركم الى رجال قالوا وفعلوا، عاهدوا الله فصدقوا”، أي حزب الله السوري. وتشي هذه الحساسية بإستقلال هذه الحالة الشيعية عن النظام السوري، لا بل بشعور تفوق ايديولوجي عليه، بما يمنح طهران ورقة ضغط داخلية قد تعود عليها بفوائد داخلية وربما خارجية لاحقاً.

كانت السنوات الثلاث الماضية منذ بدء هذا المجهود الحربي والإيديولوجي، كفيلة بإعداد كوادر وخبرات، إذ تُظهر المنشورات الصادرة عن “حزب الله” السوري على الانترنت، وجود “قوة خاصة” له، ما يعني أنها خضعت لتدريبات طويلة الأمد. كما نشرت “قوات الرضا” صوراً لمقاتليها وهم يُشاركون في مهمات في تدمر وريف حلب، أي خارج نطاقهم الجغرافي، وهو الريف الشمالي لحمص، وباتت لهم سمعة قتالية دفعت بمسلحي بلدتي كفريا والفوعة إلى توجيه نداء استغاثة إليهم في الصيف الماضي. وهذا يؤشر إلى أن عدد مقاتليهم بات بالآلاف على الأقل. 

واللافت أيضاً في الصور والمعلومات المنشورة على صفحات “حزب الله السوري”، أنها تُظهر شرخاً جيلياً، واهتماماً بالأطفال ثم الشباب اليافعين، بعيداً عمن قد يكونوا التقطوا “لوثة” الحياة العادية أو العلمانية، وذلك في نمط يُحاكي تماماً أسلوب جبهة “النصرة” وتنظيم “الدولة الاسلامية”. ولهذا السبب، أسس الحزب فرعاً لـ”كشافة الإمام المهدي” في دمشق، تتولى عملية التجنيد والتلقين والتأسيس من الجذر، وتّدخل المناسبات الايرانية في قاموس أقلية ارتبطت تاريخياً بمحيطها الدمشقي، مذهبياً وعربياً.  غداة فك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين في ريف حلب الشهر الماضي، نشرت وسائل الاعلام الايرانية فيديو لقائد فرقة “القدس” في “الحرس الثوري الايراني” قاسم سليماني. كان يُوزع الحلوى عليهم مبتسماً. هنا، الحجر الأساس لنفوذ ايراني جديد.