on
Archived: مركز بروكينغز: نهاية نظام الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط
مارتن اس.انديك-مركز بروكينغز: ترجمة مرقاب
كانت مخالفة أوباما الأكثر جلاءاً لقواعد السياسة الأمريكية بتاريخ 30 أغسطس 2013، عندما قرر عدم الرد على تجاوز ما أسماه بنفسه خطاً أحمر لنظام الأسد في استخدام الأسلحة الكيميائية. وكان ذلك لحظة حاسمة، حتى أن أقرب مستشاريه في السياسة الخارجية – بما في ذلك مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية ونائب الرئيس – حذروه من أنه بذلك يضع مصداقية الولايات المتحدة على المحك. ولكن أوباما كان واقعاً بين واجبين متعارضين.
الأول: عزمه على منع استخدام أسلحة الدمار الشامل، إيماناً منه بأهمية تعزيز نظام دولي قائم على القواعد. ومن أولوياته في هذا الصدد حماية العالم من تهديدات الإرهاب والأوبئة وتغير المناخ وانتشار أسلحة الدمار الشامل، فهذا بالنسبة له أولى العودة إلى المنافسة الجيوسياسية مع قوى تقليدية مثل روسيا أو الصين أو إيران. وبتركيزه على قضايا المناخ والقضاء على تهديدات صحية كفيروس إيبولا والاتفاق النووي في إيران والحرب ضد تنظيم الدولة, يؤكد أوباما تحول اهتمامه من التهديدات الإقليمية إلى العالمية. ومن خلال بلاغته الدبلوماسية وحشد المجتمع الدولي وراء العقوبات الفعالة، واستخدام القوة عند الضرورة، نجح أوباما في حماية المصالح الأمريكية وتعزيز نظام دولي يخدم المجتمع العالمي.
الواجب الثاني والأكثر إثارة للجدل أن الرئيس كان يخشى الانزلاق إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط، وهي منطقة يعتقد أوباما أن المصالح الأميركية فيها يجب تخفيضها، ففي رأيه أن أن وفرة النفط الحالية وتحقيق الولايات المتحدة لاكتفائها الذاتي في مجال الطاقة يجعل قضايا حماية احتياطي النفط في الشرق الأوسط والحفاظ على حرية تدفق نفط الخليج بأسعار معقولة أمراً مهماً لكنه لكنه لم يعد من المصالح اليحيوة للولايات المتحدة. فقد كلفت حروب العراق وأفغانستان الكثير دون تعود عليها بشيء ملموس. لقد انتهت الحرب الباردة مما يقلل كثيرا من الحاجة الإستراتيجية لمواجهة التدخل الروسي الداعم لنظام الأسد. كما أن هذا التدخل سيكلف روسيا كثيراً.
أما بالنسبة لحلفاء أميركا في الشرق الأوسط، فرغم تذمرهم المستمر، فبإمكانهم الصمود في وجه الفوضى المتزايدة بالدعم الذي مازال يقدمه لهم أوباما لكن من دون زيادة التدخل العسكري الذي يطالبون به. كما أن أي تهديد لأمنهم سيكون بسبب سياساتهم القمعية وتدخلاتهم العنيدة وليس بسبب عدم التزام أوباما بخطوطه الحمراء.
كما أن نظرة أوباما المستنكفة عن التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط يعززها ويبررها واجب ثالث هو تحويل محور الاهتمام من الشرق الأوسط نحو آسيا، في ضوء الدور المتنامي لكل من الصين والهند. وبالتوازي مع إبرام اتفاقية الشركة التجارية عبر المحيط الهادئ ونشر القوات وتعزيز التحالفات لمواجهة النفوذ الصيني في بحار الصين الجنوبية والصينية، ستمثل إعادة أوباما موازنة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية التغيير الأكثر أهمية في الإستراتيجية منذ خطوة الرئيس نيكسون الانفتاحية على الصين.
لكن الاختبار الحقيق لعقيدة أوباما هو كيفية أدائها عند حدوث التعارض بين أهدافها. فقرار أوباما بعدم فرض الخط الأحمر وضرب النظام السوري كان تفضيلاً واضحاً لهدف تجنب التدخل في الحرب الأهلية السورية على هدف ردع استخدام أسلحة الدمار الشامل. لكن ذلك كان مكلفاً ليس فقط بالنسبة مصداقية الولايات المتحدة بل أيضاً من حيث المأساة الإنسانية السورية وأزمة المهاجرين التي تهدد بتمزيق الاتحاد الأوربي.
وكان لإصرار الرئيس أوباما على تجنب التدخل العسكري في الشرق الأوسط عواقب أخرى، تمثلت بتخلي أمريكا عن دورها في حفظ النظام في المنطقة الذي لعبته منذ أكثر من خمسة عقود.
وتجلت بداية ذلك في موافقة أوباما على الإطاحة بنظام مبارك، ثم في سحب القوات الأمريكية من العراق الذي أدى لتسليمها لإيران ودفع السنة للوقوع بين يدي القاعدة التي تحولت لاحقاً إلى داعش.
وقد قرأ البعض في المنطقة جهود أوباما لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي قراءة خاطئة على أنه ما زال ينوي لعب دور الحامي لنظام المنطقة، لكنها كانت في الواقع لتحقيق هدف إستراتيجيته العالمية الآخر وهو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وقد فهم الرئيس الروسي أن عقيدة أوباما تمنحه فرصة للمضي في طموحاته في الشرق الأوسط، وأن بإمكان كل منهما أن يسهل للآخر تحقيق بعض مصالحه وأجنداته.
يرى كثير من النقاد في واشنطن والشرق الأوسط أن عقيدة أوباما مليئة بالأخطاء الإستراتيجية وأن روسيا وإيران قد هرعا لملء الفراغ الناشئ عن تخلي الولايات المتحدة عن دورها القيادي في المنطقة، كما يرى البعض فيها خيانة للقيم الأمريكية، كما أنها دفعت حلفاء واشنطن في المنطقة لإعادة حساباتهم.
لكن ذلك كله بالنسبة لأوباما نتيجة منطقة ومستحبة أيضاً.، فإذا كان بوتين يود الاطلاع بمهمة استعادة النظام في منطقة تعمها الفوضى، فليكن له ذلك – فأوباما على ثقة أن بوتين سيفشل أيضاً. وفيما يتعلق بوقف إطلاق النار السوري الهش الذي أتاحه التعاون الأمريكي-الروسي، فهذا سيمكن أوباما من تخفيف أحد أسوأ الأضرار الجانبية لعقيدته، وهو معاناة الشعب السوري.